وَأَمَّا الْمُسْكِرُ فإنَّ فَرِيقًا يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ كُلَّ شيء أسكر كثيرا كَائِنًا مَا كَانَ وَلَوْ بَلَغَ فَرَقًا فَقَلِيلُهُ كَائِنًا مَا كَانَ وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ حَرَامٌ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ ابْنِ ثَلَاثِ لَيَالٍ مِنْ نَبِيذِ التمر إذا غلا، وَبَيْنَ ابْنِ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ مِنْ عتيق المسكر وَعَتِيقِ الْخَمْرِ، وَلَا فَرَّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُنْفَرِدٍ وَخَلِيطَيْنِ، وَلَا بَيْنَ شَدِيدٍ وَسَهْلٍ وَلَا بَيْنَ مَا اسْتُخْرِجَ بِالْمَاءِ وَمَا اسْتُخْرِجَ بِالنَّارِ، وَقَضَوْا عَلَيْهِ كُلِّهِ بَأَنَّهُ حَرَامٌ وَبِأَنَّهُ خَمْرٌ، وَذَهَبُوا مِنَ الْأَثَرِ إِلَى حَدِيثٍ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عن أيوب عن نافع عن عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وكل مسكر حرام، وحديث
[ ١٣٠ ]
حَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الأنصاري عَنْ عَائِشَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا أنَّ ﵌ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ فَالْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ، وَحَدِيثٍ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ
[ ١٣١ ]
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ، مَعَ أَشْبَاهٍ لِهَذَا مِنَ الْحَدِيثِ يَطُولُ الْكِتَابُ بِاسْتِقْصَائِهَا وفي ما ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ غِنًى عن ذكر جَمِيعِهَا لِأَنَّهَا أَغْلَظُهَا فِي التَّحْرِيمِ وَأَشَدُّهَا إِفْصَاحًا بِهِ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ حِيلَةِ الْمُتَأَوِّلِ.
وَقَالُوا وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ أَنَّ الْخَمْرَ إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِإِسْكَارِهَا وَجَرَائِرِهَا عَلَى شَارِبِهَا، وَلِأَنَّهَا رِجْسٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَجَلَّ مِنْ قَائِلٍ:) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وعن الصلاة فهل أنتهم منتهون. (وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ حَرَّمُوا الْخَمْرَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ مَصْرَعِهَا وكثرة جناياتها،
[ ١٣٢ ]
قالت عائشة رحمة الله عليها مَا شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ خَمْرًا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ. وَقَالَ عُثْمَانُ رَحْمَةُ الله عليه ما تغنيت ولا تفتيت وَلَا شَرِبْتُ خَمْرًا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا مَسَسْتُ فَرْجِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ الله ﵌ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ تَرَكَ شُرْبَهَا وَقَالَ فِيهَا بَيْتًا:
رَأَيْتُ الْخَمْرَ شَارِبَهَا مُعَنَّى بِرَجْعِ الْقَوْلِ أَوْ فَصْلِ الْخِطَابِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو ابن دينار عن يحيى بن جعد قَالَ قَالَ عُثْمَانُ: إِيَّاكُمْ وَالْخَمْرَ فإنها مفتاح كل شر.
[ ١٣٣ ]
أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ إِمَّا أَنْ تُخَرِّقَ هَذَا الْكِتَابَ وَإِمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الصَّبِيَّ، وَإِمَّا أَنْ تَسْجُدَ لِهَذَا الْوَثَنِ، وَإِمَّا أَنْ تَشْرَبَ هَذِهِ الْكَأْسَ، وَإِمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ الْكَأْسِ فَشَرِبَ، فَوَقَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَقَتَلَ الصَّبِيَّ، وَخَرَّقَ الْكِتَابَ وَسَجَدَ لِلصَّلِيبِ.
وَقِيلَ لِلْعَبَّاسِ بن مرداس في الجاهلية لِمَ لَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي جُرْأَتِكَ فَقَالَ: مَا أَنَا بِآخِذٍ جَهْلِي بِيَدِي فَأُدْخِلَهُ فِي جَوْفِي وَأُصْبِحُ سَيِّدَ قَوْمِي وأمسي سفيههم. وقيل له بعد ما آمن وَأَسْلَمَ: قَدْ كَبِرَتْ سِنُّكَ، وَدَقَّ عظمك، فلو أخذت هَذَا النَّبِيذِ شَيْئًا يُقَوِّيكَ، فَقَالَ: أُصْبِحُ سَيِّدَ قَوْمِي وَأُمْسِي سَفِيهَهُمْ، وآليت أن لا يَدْخُلَ رَأْسِي مَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَقْلِي.
وَكَانَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ يَأْتِيهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِ تَاجِرُ خمر فيبتاع منه
[ ١٣٤ ]
وَلَا يَزَالُ الْخَمَّارُ فِي جِوَارِهِ حتى ينفذ مَا عِنْدَهُ، فَشَرِبَ قَيْسٌ ذَاتَ يَوْمٍ فَسكِرَ سُكْرًا قَبِيحًا فَجَذَبَ ابْنَتَهُ وَتَنَاوَلَ ثَوْبَهَا، وَرَأَى الْقَمَرَ فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أَنْهَبَ مَالَهُ وَمَالَ الْخَمَّارِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ وَهُوَ يَضْرِبُهُ.
مِنْ تَاجِرٍ فَاجِرٍ جَاءَ الْإِلَهُ بِهِ كَأَنَّ لِحْيَتَهُ أَذْنَابُ أَجْمَالِ
جَاءَ الْخَبِيثُ بِبَيْسَانِيَّةٍ تَرَكَتْ صَحْبِي وَأَهْلِي بِلَا عَقْلٍ وَلَا مَالِ
فَلَمَّا صَحَا خَبَّرَتْهُ ابْنَتُهُ بِمَا صَنَعَ وَمَا قَالَ فَآلَى لَا يَذُوقُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَقَالَ:
رأيت الحمر صَالِحَةً وَفِيهَا خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الْحَلِيمَا
فَلَا وَاللَّهِ أَشْرَبُهَا صَحِيحًا ولا أُشْفَى بِهَا أَبَدًا سَقِيمَا
وَلَا أعطي بها ثمنا حياتي ولا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمَا
وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ حَرَّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ: لَا أَشْرَبُ شَرَابًا يَذْهَبُ بِعَقْلِي وَيُضْحِكُ بِي مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنِّي وَأُزَوِّجُ كَرِيمَتِي مَنْ لَا أُرِيدُ. فَبَيْنَمَا هُوَ بِالْعَوَالِي إِذْ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ وَتَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ فِي الْمَائِدَةِ فَقَالَ: تَبًّا لَهَا لَقَدْ كَانَ بصري فيها نافذا.
[ ١٣٥ ]
قِيلَ لِأَعْرَابِيٍّ أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ: فَقَالَ لَا أَشْرَبُ مَا يَشْرَبُ عَقْلِي. وَدَعَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نُصَيْبًا أَوْ كُثَيِّرًا إِلَى نَدَامَتِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَمْ أَصِرْ إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ بِمَالٍ وَلَا دِينٍ وَإِنَّمَا وَصَلْتُ بلساني وعقلي فإنَّ رأيت أن لا تَحُولَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمَا فَافْعَلْ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
وَمَنْ تَقْرَعِ الْكَأْسُ الذَّمِيمَةُ سِنَّهُ فَلَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ يُرِيبَ وَيَجْهَلَا
فَلَمْ أَرَ مشروبا أخس غنيمة وأوضع للأشراف منها وأخملا
وأجد أن تلقى بغيها ويشربها حتى يخر مجدلا
وقال الآخر:
وَلَسْتُ بِلَاحٍ لِي نَدِيمًا بِزَلَّةٍ وَلَا هَفْوَةٍ كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى الخمر
عركت بجبيني قول خدني وصاحبي ونحن عَلَى صَهْبَاءَ طَيِّبَةَ النَّشْرِ
وَأَيْقَنْتُ أَنَّ السُّكْرَ طَارَ بِلُبِّهِ فَأَغْرَقَ في شتيمتي وقال وما يدري
[ ١٣٦ ]
ودخل أمية بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَبِوَجْهِهِ آثَارٌ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: قُمْتُ اللَّيْلَ فَأَصَابَ الْبَابُ وَجْهِي فقال عبد الملك بن مروان:
رَأَتْنِي صَرِيعَ الْخَمْرِ يَوْمًا فَسُؤْتُهَا وللشاربيها الْمُدْمِنِيهَا مَصَارِعُ
فَقَالَ أُمَيَّةُ لَا آخذني الله بسؤ ظَنِّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: بل لا آخذني الله بسؤ مصرعك.
ودخل حارث بْنُ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ عَلَى زِيَادٍ وَكَانَ حَارِثَةُ صَاحِبَ شَرَابٍ وَبِوَجْهِهِ أَثَرٌ فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: مَا هَذَا الْأَثَرُ بِوَجْهِكَ فَقَالَ رَكِبْتُ فرسا لي أشقر
[ ١٣٧ ]
فَحَمَلَنِي حَتَّى صَدَمَ بِي الْحَائِطَ فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ رَكِبْتَ الْأَشْهَبَ لَمْ يُصِبْكَ مَكْرُوهٌ. وَكَانَ ابْنُ هَرْمَةَ الشَّاعِرُ فِي شَرَفِهِ وَنَسَبِهِ وَجَوْدَةِ شِعْرِهِ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْمَدِينَةِ وَيَسْكَرُ فَلَا يَزَالُ الشُّرَطُ وَقَدْ أَخَذُوهُ وَرَفَعُوهُ إِلَى الْوَالِي فِي الْمَدِينَةِ فَحَدَّهُ فَوَفَدَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْمِدْحَةَ الَّتِي امْتَدَحَهُ بِهَا وَقَافِيَتُهَا لَامٌ فَاسْتَحْسَنَهَا وَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَكْتُبُ إِلَى عامل المدينة أن لا يَحُدَّنِي إِنْ وَجَدَنِي سَكْرَانًا فَقَالَ أبو جعفر المنصور: هَذَا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَمَا كُنْتُ لِأُعَطِّلَهُ فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَهُ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ يا أمير المؤمنين فاحتمل لي بحلية فَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَامِلِهِ مَنْ أَتَاكَ بِابْنِ هَرْمَةَ وَهُوَ سَكْرَانُ فاجلده مائة جلدة وَاجْلِدِ ابْنَ هَرْمَةَ ثَمَانِينَ فَرَضِيَ وَمَضَى بِكِتَابِهِ فَكَانَ الْعَوْنُ إِذَا مر به صرعا قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي ثَمَانِينَ بِمِائَةٍ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ. وَكَانَ مَالِكُ بن قيس مِنْ ثَقِيفٍ يَشْرَبُ مَعَ ابْنِ الكاهلية يوم عرفة وهم
[ ١٣٨ ]
محرومون فَغَلَبَهُ السُّكْرُ فَنَامَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ وَأَدْرَكَهُ ابْنُ الْكَاهِلِيَّةِ فَقَالَ:
أَلَيْسَ اللَّهُ يَا مَالِ بْنَ قيس وأن غِبْنَا عَلَيْكَ رَقِيبَ عَيْنِ
أَقِمْ صَدْرَ الْمَطِيَّةِ وَانْجُ إِنِّي أَرَانِي وَابْنَ نَعْجَةِ هَالِكَيْنِ
فَأَيَّةُ جَرِيرَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ وَأَيُّ غَبْنَةٍ أَشَدُّ مِنْ غَبْنَتِهَا وَصَفْقَةٍ أَخْسَرُ مِنْ صَفْقَتِهَا وَمَاذَا يَلْقَى صَاحِبُهَا من تعيير المعيرين فَإِذَا عَاوَدَهَا هَانَ عَلَيْهِ الْقَبِيحُ قَالَ الْقُطَامِيُّ:
أَفِرُّ إِذَا أَصْبَحْتُ من كل عاذل وأمسي وَقَدْ هَانَتْ عَلَيَّ الْعَوَاذِلُ
وَقَالَ ابْنُ هَانِئٍ:
اسْقِنِي حَتَّى تَرَانِي حَسَنًا عِنْدِي الْقَبِيحُ
وَسَقَى قَوْمٌ أعرابيا مُسْكِرًا فَلَمَّا أَنْكَرَتْ نَفْسَهَا قَالَتْ لَهُمْ: أَيَشْرَبُ هَذَا نِسَاؤُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَتْ: لَئِنْ كُنْتُمْ صَدَقْتُمْ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ مَنْ أَبُوهُ وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ يَشْتَدُّونَ عَلَى النِّسَاءِ فِي شُرْبِهِ حَتَّى مَا يُحْفَظُ أنَّ امْرَأَةً شَرِبَتْ وَلَا أنَّ امْرَأَةً سكرت.
[ ١٣٩ ]
وَحَدَّثَنَا الرَّيَاشِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ كان عقيل بن علقمة المري غيورا فكان يسافر بنت لَهُ يُقَالُ لَهَا الْجَرْبَاءُ فَسَافَرَ بِهَا مَرَّةً فَقَالَ: قَضَتْ وَطَرًا مِنْ دَارِ سُعْدَى وَرُبَّمَا عَلَى عُرُضٍ نَاطَحْنَهُ بِالْجَمَاجِمِ ثُمَّ قَالَ لِابْنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ عَمَلَّسٌ أَجِزْ فَقَالَ:
فَأَصْبَحْنَ بِالْمَوْمَاةِ يَحْمِلْنَ فِتْيَةً نَشَاوَى مِنَ الْإِدْلَاجِ مِيلَ الْعَمَائِمِ
ثُمَّ قَالَ لِابْنَتِهِ أَجِيزِي يَا جَرْبَاءُ فَقَالَتْ:
كَأنَّ الْكَرَى سَقَّاهُمُ صَرْخَدِيَّةً عُقَارًا تَمَشَّى فِي الْمَطَا وَالْقَوَائِمِ
فَقَالَ لَهَا وَاللَّهِ ما وصفتها الصِّفَةَ إِلَّا وَقَدْ شَرِبْتِهَا ثُمَّ أحال عليها يضربها
[ ١٤٠ ]
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَنُوهُ وَثَبُوا عَلَيْهِ فَخَلُّوا فَخْذَهُ بِسَهْمٍ فَقَالَ:
إِنَّ بَنِيَّ زَمَّلُونِي بِالدَّمِ مَنْ يلقى أَبْطالَ الرِّجالِ يُكْلَمِ
شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا من أخرام
وَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ بِالشَّرَابِ أَقْوَامًا مِنَ الْأَشْرَافِ فَحُدُّوا وَدُوِّنَتْ فِي الْكُتُبِ أَخْبَارُهُمْ وَلَحِقَتْ بِتِلْكَ السُّبَّةِ أعقابهم منهم الوليد ابن عُقْبَةَ شَهِدَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الْغَدَاةَ وَهُوَ سَكْرَانُ وَقَالَ أَزِيدُكُمْ يشهد اللَّهُ بِذَلِكَ وَبِمُنَادَمَةِ أَبِي زُبَيْدٍ الشاعر وكان نصرانيا فحده هناك
[ ١٤١ ]
عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ سِرًّا فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁ جَلَدَهُ حَدًّا آخَرَ وَمِنْهُمْ العباس ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ كَانَ مِمَنْ شُهِرَ بِالشَّرَابِ وَبِمُنَادَمَةِ الْأَخْطَلِ الشَّاعِرِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَفِيهِ يَقُولُ:
وَلَقَدْ غَدَوْتُ عَلَى التِّجَارِ بِمِسْمَحٍ هَرَّتْ عَوَاذِلُهُ هَرِيرَ الْأَكْلُبِ
لَذٍّ يقبله النعيم كأنه مُسِحَتْ تَرَائِبُهُ بِمَاءٍ مُذْهَبِ
لَبَّاسِ أَرْدِيَةِ الْمُلُوكِ يَرُوقُهُ مِنْ كُلِّ مرتفع عيون الربرب
ينظر مِنْ خَلَلِ السُّتُورِ إِذَا بَدَا نَظَرَ الْهِجَانِ إِلَى الْفَنِيقِ الْمُصْعَبِ
خَضِلِ الْكِيَاسِ إِذَا تَمَشَّى لَمْ يَكُنْ خُلُفًا مَوَاعِدُهُ كَبَرْقٍ خُلَّبِ
وإذا تغورت الزُّجَاجَةُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الشَّرَابِ بفاحش متقطب
[ ١٤٢ ]
فأخبره أَنَّهُ غَدَا عَلَى تُجَّارِ الشَّرَابِ بِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَرُوقُهُ عُيُونُ النِّسَاءِ وَيَرُقْنَهُ. وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَكَانَ يُقَالُ له المذهب لجماله فمدحه بعض النصارى وكان الشُّهْرَةُ فِي الشِّعْرِ عَلَى حَسَبِ حُسْنِهِ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِي حِفْظِهِ.
وَمِنْهُمْ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ حَدَّهُ عُمَرُ بِشَهَادَةِ عَلْقَمَةَ الخصي وعليه وغيره من الشَّرَابِ وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي شَحْمَةَ حَدَّهُ أَبُوهُ فِي الشَّرَابِ وَفِي أَمْرٍ آخَرَ فَمَاتَ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَدَّهُ بَعْضُ وُلَاةِ الْمَدِينَةِ فِي الشَّرَابِ
[ ١٤٣ ]
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّهُ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ فِي الشَّرَابِ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ حَدَّهُ عَمْرُو بْنُ الْأَشْدَقِ فِي الشَّرَابِ.
وَمِمَّنْ فُضِحَ بالشراب بلال بن أبي تردة قَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ الْحِمْيَرِيُّ:
وأما بلال فذاك الذي تميل الشَّرَابُ بِهِ حَيْثُ مَالَا
يَبِيتُ يمص عقيق الشَّرَابِ كَمَصِّ الْوَلِيدِ يَخَافُ الْفِصَالَا
وَيُصْبِحُ مُضْطَرِبًا نَاعِسًا تَخَالُ مِنَ السكر فيه أحولالا
ويمشي كمش النَّزِيفِ تَخَالُ بِهِ حِينَ يَمْشِي شكالا
[ ١٤٤ ]
وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ الْقَاضِي بِالْكُوفَةِ فُضِحَ بِمُنَادَمَةِ سَعْدِ بْنِ هَبَّارٍ فَقَالَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ:
نَهَارُهُ فِي قَضَايَا غَيْرِ عَادِلَةٍ وَلَيْلُهُ فِي هَوَى سَعْدِ بْنِ هَبَّارِ
مَا تسمع الناس أصواتا عَرَضَتْ إِلَّا دَوِيًّا دَوِيَّ النَّحْلِ في الغار
فأصبح القوم أطلاقا أَضَرَّ بِهِمْ حَثُّ الْمَطِيِّ وَمَا كَانُوا بِسُفَّارِ
يَدِينُ أَصْحَابَهُ فِيمَا يَدِينُهُمْ كَأْسًا بِكَأْسٍ وَتِكْرَارًا بِتِكْرَارِ
وَهَذَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ فَضَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّرَابِ فَكَانَ يَشْرَبُ الْمَقَدِيَّ. وَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ المؤمنين انك
[ ١٤٥ ]
تشرب بعدي الطلا فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ وَالدِّمَاءَ.
وَهَذَا الْوَلِيدُ نَقَمَ عَلَيْهِ النَّاسُ شُرْبَ الْمُسْكِرِ وَنِكَاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلادِ أَبِيهِ فقتوه وَهَذَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُقَالُ إِذَا ذُكِرَ يَزِيدُ الْخُمُورِ والقرود قال الشاعر فيه:
أبن أُمَيَّةَ إِنَّ آخِرَ مُلْكِكُمْ جَسَدٌ بِحُوَّارِينَ ثَمَّ مُقِيمُ
طَرَقَتْ مَنِيَّتُهُ وَعِنْدَ وِسَادِهِ كُوبٌ وَزِقٌ رَاعِفٌ مرثوم
ومرنة تبكي على نشوتها بالصبح تقعد تارة وتقوم
[ ١٤٦ ]
ومنهم خالد بن عمرو بن الزبير وفي يَقُولُ الْقَائِلُ:
إِذَا أَنْتَ نَادَمْتَ العتير وذا الندى حبير وَعَاطَيْتَ الزُّجَاجَةَ خَالِدَا
أَمِنْتَ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنْ تُقْرَعَ الْعَصَا وَأَنْ يوقظوا رقدة السُّكْرِ رَاقِدَا
وَصِرْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي خَيْرِ فِتْيَةٍ حِسَانِ الْوُجُوهِ لَا تَخَافُ الْعَرَابِدَا
وَالْعَجَبُ عِنْدِي قَوْلُهُ وَأَنْ يُوقِظُوا مِنْ نَوْمَةِ السُّكْرِ رَاقِدَا وَأَكْثَرُ مَا يُوقَظُ السكران للصلاة افتراهم حَمَدَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ إِيقَاظَهُ لِلصَّلَاةِ إذا سكر.
وهذا أبو مجن الثقفي شهد يوم القادسية وأبى بلاء حسنا شهر وَكَانَ فِيمَنْ شَهِدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عمرو بن معدي كرب فقال عليه
[ ١٤٧ ]
وَهُوَ الْقَائِلُ:
إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إلى أصل كرمة توي عظامي بعد موتي عوقها
وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إذا ما مت أن أَذُوقَهَا
فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي الْأَصْمَعِيُّ عَنِ ابْنِ الْأَصَمِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ رَأَيْتُ قَبْرَ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ بَأَرْمِينِيَةَ الرَّابِعَةِ تَحْتَ شَجَرَاتٍ مِنْ كَرْمٍ قَالَ الْعُتْبِيُّ شِعْرًا ذَكَرَ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ مقابح السكر:
[ ١٤٨ ]
دَعِ النَّبِيذَ تَكُنْ عَدْلًا وَإِنْ كَثُرَتْ فِيكَ الْعُيُوبُ وَقُلْ مَا شِئْتَ يُحْتَمَلُ
هُوَ الْمُشِيدُ بِأَسْرَارِ الرِّجَالِ فَمَا يَخْفَى عَلَى النَّاسِ مَا قَالُوا وَمَا فَعَلُوا
كَمْ زلة من كريم ظل يسبرها مِنْ دُونِهَا سُتُرُ الْأَبْوَابِ وَالْكِلَلُ
أَضْحَتْ كَنَارٍ عَلَى عَلْيَاءَ مُوقَدَةٍ مَا يَسْتَسِرُّ لَهَا سَهْلٌ وَلَا جبل
والعقل عقل مَصُونٌ لَوْ يُبَاعُ لَقَدْ أَلْفَيْتَ بُيَّاعَهُ يُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا
فَاعْجَبْ لقوم مناهم في قعولهم أن يذهبوا بِعَلٍّ بَعْدَهُ نَهَلُ
قَدْ عُقِّدَتْ لخمار السكر ألسنتهم عَنِ الصَّوَابِ وَلَمْ يُصْبِحْ بِهَا علل
وأزورت بسنات النوم أعينهم كأن أجداقها حُولٌ وَمَا حَوِلُوا
تَخَالُ رَائِحَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَدْوَتِهِ حُبْلَى أَضَرَّ بِهَا فِي مَشْيِهَا الْحَبَلُ
فإنَّ تَكَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ بِحَاجَتِهِ وَإِنْ مشى مَجْنُونٌ بِهِ خَبَلُ
قَالُوا وَإِنَّمَا قيل لمشارب الرجال نَدِيمُهُ مِنَ النَّدَامَةِ لِأَنَّ مُعَاقِرُ الكأس إذا سكر بِمَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ وَفَعَلَ مَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لِمَنْ شَارَبَهُ نادما لِأَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ وَالْمُفَاعَلَةُ تَكُونُ مِنَ اثْنَيْنِ كَمَا تَقُولُ ضَارَبَهُ وَشَاتَمَهُ ثُمَّ اشْتُقَّ مِنْ ذَلِكَ نَدِيمٌ كَمَا يُقَالُ جَالَسَهُ وَهُوَ جَلِيسٌ وَقَاعَدَهُ فَهُوَ قَعِيدٌ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ رَسُولِ الله ﵌ فِي وَصْفِ الْجَنَّةِ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى وَأَنْهَارٌ مِنْ كَأْسٍ مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا ندامة.
[ ١٤٩ ]
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِيمَا قَرَأَ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ يَا رَبِّ لَعَنْتَنِي وَجَعَلْتَنِي شَيْطَانًا رجيما وأنزلت الكتاب وَبَعَثْتَ الرُّسُلَ فَمَا رُسُلِي؟ قَالَ رُسُلُكَ الْكَهَنَةُ قَالَ فَمَا كِتَابِي؟ قال الْوَشْمُ قَالَ فَمَا حَدِيثِي؟ قَالَ حَدِيثُكَ الْكَذِبُ قَالَ فَمَا قِرَاءَتِي؟ قَالَ قِرَاءَتُكَ الشِّعْرُ قَالَ فَمَا مُؤَذِّنِي؟ قَالَ مُؤَذِّنُكَ الْمَزَامِيرُ قَالَ فَمَا مَسْجِدِي؟ قَالَ مَسْجِدُكَ السُّوقُ قَالَ فَمَا بَيْتِي؟ قَالَ بَيْتُكَ الْحَمَّامُ قَالَ فَمَا طَعَامِي؟ قَالَ طَعَامُكَ كُلُّ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمِي عَلَيْهِ قَالَ فَمَا شَرَابِي؟ قَالَ شَرَابُكَ كُلُّ مُسْكِرٍ قَالَ فَمَا مَصَائِدِي؟ قَالَ مَصَائِدُكَ النِّسَاءُ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ حِينَ تتابعت الأخبار عليه وتتابع
[ ١٥٠ ]
النَّاسُ فِي الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الشَّرَابِ أَمْرٌ سَاءَتْ فِيهِ رَغْبَةُ النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتْ بِهِمُ الدَّمَ الْحَرَامَ وَالْمَالَ الْحَرَامَ وَالْفَرْجَ الْحَرَامَ وَهُمْ يَقُولُونَ شَرِبْنَا شَرَابًا لَا بَأْسَ بِهِ وأنَّ شَرَابًا حَمَلَ النَّاسَ عَلَى هَذَا لَبَأْسٌ شَدِيدٌ وَإِثْمٌ عَظِيمٌ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً وَسَعَةً مِنْ أَشْرِبَةٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ فِي الْأَنْفُسِ مِنْهَا حَاجَةٌ الْمَاءُ الْعَذْبُ وَاللَّبَنُ وَالْعَسَلُ وَالسَّوِيقُ وَأَشْرِبَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ الَّتِي لازفت فِيهَا فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ الله ﵌ نهى عن نبيذ الضروف المزفتة وعن الدنان والجرار
[ ١٥١ ]
وَكَانَ يَقُولُ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَاسْتَغْنُوا بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَمَّا حَرَّمَ فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ بَعْدَ تَقَدُّمِنَا إِلَيْهِ أَوْجَعْنَاهُ عُقُوبَةً وَمَنِ اسْتَخْفَى فَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تنكيلا.
وحدثني القطيعي عَنِ الْحَجَّاجِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ مسلمة عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ فَكُلْ مَا أَطْعَمَكَ وَاشْرَبْ مِمَّا سَقَاكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّهُمْ يَنْتَبِذُونَ فِي الْجَرِّ فَقَالَ أَوَ يَفْعَلُونَ؟ مَا كُنْتُ أَرَى أنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ بَعْدَ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي هَذَا الْكِتَابَ
[ ١٥٢ ]
قَالَ: وَقَدْ شُهِرَ الْمُتَعَاشِرُونَ عَلَى الشَّرَابِ بِسُوءِ الْعَهْدِ وَقِلَّةِ الْحِفَاظِ وَأَنَّهُمْ صَدِيقُكَ مَا اسْتَغْنَيْتَ حَتَّى تَفْتَقِرَ وَمَا عُوفِيتَ حَتَّى تُنْكَبَ وَمَا غَلَتْ دِنَانُكَ حَتَّى تُنْزَفَ وَمَا رَأَوْكَ بِعُيُونِهِمْ حَتَّى يَفْقِدُوكَ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرَى كُلَّ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ حَرِيمَهُمْ وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حَرِيمُ
إِذَا جِئْتَهُمْ حَيَّوْكَ أَلْفًا وَرَحَّبُوا وَإِنْ غِبْتَ عَنْهُمْ سَاعَةً فذميم
اخاؤهم ما دارت الْكَأْسُ بَيْنَهُمُ وَكلُّهُمُ رَثُّ الْوِصَالِ سؤوم
فهذا ثباتي لم أقل بجهالة ولكني بِالْفَاسِقِينَ عَلِيمُ
وَقَالَ آخَرُ:
بَلَوْتُ النبيذين في بَلْدَةٍ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حِفَاظُ
إِذَا أَخَذُوهَا ثَمَّ أَغَنوْكَ بِالْمُنَى وأن فقدوها فالوجوه غلاظ
مواعيد ريح لمن يعدونه بها بَرْدَ الشِّتَاءِ وَقَاظُوا
بِطَانٌ إِذَا مَا اللَّيْلُ أَلْقَى رِوَاقَهُ وَقَدْ أخذوها فالبطون كظاظ
يراغ إِذَا مَا كَانَ يَوْمَ كَرِيهَةٍ وَأُسْدٌ إِذَا أَكْلُ الثَّرِيدِ فِظَاظُ
[ ١٥٣ ]
وَرُبَّمَا بَلَغَتْ جِنَايَةُ الْكَأْسِ إِلَى عَقِبِ الرَّجُلِ وَنَجْلِهِ قَالَ الْمَأْمُونُ لقوم: يانطف الخمار ونزاع الظؤور وأشباه الخؤولة. وَقَالَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ إِنَّ آلَ فُلَانٍ أَعْلَاجٌ أَوْبَاشٌ لِئَامٌ غدر شرابون
[ ١٥٤ ]
ما نقع ثم هذا يعد فِي نَفْسِهِ نُطْفَةُ خَمَّارٍ فِي رحم صناجة وربما بلغت جناية الْكَأْسِ زَوَالَ النِّعْمَةِ وَسُقُوطَ الْمَرْتَبَةِ وَتَلَفَ النَّفْسِ فإنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا استخلصه السلطان لمنادمته وأدخل مَوْضِعَ أُنْسِهِ فيَزَيَّنَ لَهُ الْكَأْسُ غَمْزَةَ الْقَيْنَةِ وَالْعَبَثَ بِالْخَادِمِ وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرْمَةِ.
وَقَالَ الْمَأْمُونُ: الْمُلُوكُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيِاءَ إِفْشِاءَ السِّرِّ وَالْقَدْحَ فِي الْمَلِكِ وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرَمِ. وَقَدْ بَلَغَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا أَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ.
وَقَدِيمًا بُلِيَ الْمُعَاقِرُونَ بِمِثْلِ هذا من جزا الْكَأْسِ.
وَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ اسْتَخْلَصَ طَرَفَةَ بْنَ الْعَبْدِ لِنَدَامَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا مَعَهُ يشرب أشرفت أخته عليمها فَرَأَى طَرَفَةُ ظِلَّهَا فِي الْجَامِ
[ ١٥٥ ]
الَّذِي فِي يَدِهِ فَقَالَ:
أَلَا يا أيها الظبي ال مَ الَّذِي يَبْرُقُ شَنْفَاهُ
وَلَوْلَا الْمَلِكُ الْقَاعِدُ قَدْ أَلْثَمَنِي فَاهُ
فَسَمِعَهُ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ وَأَوْهَمَهُ أنه أمر له فيه جائزة وَأَمَرَ الْعَامِلَ بِقَتْلِهِ فَلَمَّا وَرَدَ عَلَى الْعَامِلِ سَقَاهُ مِنَ الرَّاحَ حتى أثلمه ثُمَّ فَصَدَ أَكْحَلَهُ حَتَّى نَزَفَ فَمَاتَ فَقَبْرُهُ هُنَاكَ مَشْهُورٌ يَشْرَبُ عنده الأحداث ويصبون فضل كؤوسهم عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ طي نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مَنْ شَيْبَانَ يُقَالُ لَهُ الْمُكَّاءُ فَذَبَحَ لَهُ
[ ١٥٦ ]
الطَّائِيُّ شَاةً وَسَقَاهُ مِنَ الْخَمْرِ فَلَمَّا سَكِرَ الطَّائِيُّ قَالَ لِلشَّيْبَانِيِّ: هلم أفاخرك أطي أَكْرَمُ أَمْ شَيْبَانُ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْبَانِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَمُنَادَمَةٌ كَرِيمَةٌ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْفِخَارِ فَقَالَ الطَّائِيُّ: لَا وَاللَّهِ مَا مَدَّ رَجُلٌ يَدًا أَطْوَلَ مِنْ يَدِي وَمَدَّ يَدَهُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْبَانِيُّ: أما والله لئن أعدتها لأقصبنها مِنْ كُوعِهَا فَأَعَادَ فَضَرَبَهُ الشَّيْبَانِيُّ فَقَتَلَهُ فَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ فِي ذَلِكَ لِبَنِي شَيْبَانَ:
خَبَّرَتْنَا الرُّكْبَانُ أَنْ قَدْ فَخَرْتُمْ وَفَرِحْتُمْ بِضَرْبَةِ الْمُكَّاءِ
وَلَعَمْرِي لَعَارُهَا كَانَ أَدْنَى لَكُمْ مِنْ تُقًى وَحَقِّ وَفَاءِ
ظل ضيفنا أَخُوكُمُ لِأَخِينَا فِي صَبُوحٍ وَنَعْمَةٍ وَشِوَاءِ
ثُمَّ لَمَّا رَآهُ رَانَتْ بِهِ الْخَمْرُ وَأَلَّا يُرِيبَهُ بِاتِّقَاءِ
لم يهب حرمة النديم وحققت يالقومي للسواة السوآء
[ ١٥٧ ]
قَالَ وَرُبَّمَا طَمَسَ الْخُمَارُ عَلَى الْعَقْلِ، وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِالْبَيَانِ وَغَيَّرَ الْخِلْقَةَ، فَعَظُمَ أَنْفُ الرَّجُلِ وَاحْمَرَّ وترهل. قال الجرير فِي الْأَخْطَلِ:
وَشَرِبْتَ بَعْدَ أَبِي ظُهَيْرٍ وَابْنِهِ سَكَرَ الدِّنَانِ كَأَنَّ أنفك دمل
شبهه بالدمل لحرمته وَوَرَمِهِ.
وَقَالَ آخَرُ فِي حَمَّادٍ الرواية:
نِعْمَ الْفَتَى لَوْ كَانَ يَعْرِفُ رَبَّهُ وَيُقِيمُ وَقْتَ صَلَاتِهِ حَمَّادُ
هَدَلَتْ مَشَافِرَهُ الدِّنَانُ فَأَنْفُهُ مِثْلُ القدوم يسناه الْحَدَّادُ
وَابْيَضَّ مِنْ شُرْبِ الْمُدَامَةِ وَجْهُهُ فَبَيَاضُهُ يَوْمَ الْحِسَابِ سَوَادُ
قَالُوا وَمِنْ شَرَبَةِ النَّبِيذِ الشُّطَّارُ وَالْخُلَعَاءُ وَالْمُجَّانُ، فَحَمَلَهُمُ الْكَأْسُ عَلَى المجون، وحملهم الْمُجُونُ عَلَى رُكُوبِ الْكَبَائِرِ مُعْلِنِينَ، وإتيان الفواحش مجاهرين،
[ ١٥٨ ]
وَيَرَوْنَ أَتَمَّ ذَلِكَ لَذَّةً أَظْهَرَهُ، وَأَنْقَصَهُ مَسَرَّةً أَسْتَرَهُ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ:
فَبُحْ بِاسْمِ مَنْ تَهْوَى وَدَعْنِي مِنَ الْكُنَى فَلَا خَيْرَ فِي اللَّذَّاتِ مِنْ دُونِهَا سِتْرُ
وَقَالَ أَيْضًا:
جَرَيْتُ مَعَ الصِّبَا طَلَقَ الجموح وهان علي ما
ثور القبيح وربما كفروا بالله مجنونًا، وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَجَحَدُوا بِالنُّشُورِ وَالْبَعْثِ، فِي حَالِ شُرْبِهِمْ قَالَ الْوَلِيدُ:
قَرِّبَا مِنِّي خَلِيلِي عَبْدَلًا دُونَ الشِّعَارِ
وَاسْقِيَانِي وَابْنَ حَرْبٍ وَاسْتُرَانَا بِالْإِزَارِ
فَلَقَدْ أيْقَنْتُ أَنِّي غَيْرُ مبعوث لنار
سأروض الناض حَتَّى يَرْكَبُوا دِينَ الْحِمَارِ
وَاتْرُكَا مَنْ طَلَبَ الْجَنَّةَ يَسْعَى فِي خسار
[ ١٥٩ ]
وَهَذَا الشِّعْرُ مِمَّا اسْتَحَلَّ النَّاسُ بِهِ دَمَهُ.
وَقَالَ رَوْحٌ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ هَمَّامٍ:
اسْقِنِي يَا أُسَامَهْ مِنْ رحيقٍ مُدَامَهْ
اسْقِنِيهَا فَإِنِّي كَافِرٌ بِالْقِيَامَهْ
وَهُوَ الْقَائِلُ: وَإِنَّمَا الْمَوْتُ بَيْضَةُ الْعُقْرِ وَقَالَ أَبُو نؤاس:
تُعَلَّلُ بِالْمُنَى إِذْ أَنْتَ حَيٌّ وَبَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ لَبَنٍ وَخَمْرٍ
حَيَاةٌ ثُمَّ مَوْتٌ ثُمَّ بَعْثٌ حَدِيثُ خُرَافَةٍ يَا أُمَّ عَمْرٍو
وَهُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا:
فَدَعَانِي وَمَا ألذ وأهوى اقذفاني فِي بَحْرِ يَوْمِ الْحِسَابِ
وَهُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا يَصِفُ الْخَمْرَ:
عُتِّقَتْ فِي الدَّنِّ حَتَّى هِيَ فِي رِقَّةِ دِينِي
وَحَدَّثَنَا دِعْبِلٌ الشَّاعِرُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ هُوَ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو الشيص وابو نؤاس فِي مَجْلِسٍ لَهَمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو نُوَاسٍ: إِنَّ مَجْلِسَنَا هَذَا قَدْ شُهِرَ بِاجْتِمَاعِنَا فِيهِ، وَلِهَذَا اليوم ما بعده،
[ ١٦٠ ]
فَلْيَأْتِ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ بِأَحْسَنِ ما قال فلينشدنا فَأَنْشَدَ أَبُو الشِّيصِ:
وَقَفَ الْهَوَى بِي حَيْثُ أَنْتِ فَلَيْسَ لِي مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدَّمُ
أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً حُبًّا لذكراك فليلمني اللوم
أشهت أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكِ حَظِّي مِنْهُمُ
وَأَهَنْتِنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي طَائِعًا مَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكِ مِمَّنْ يُكْرَمُ
قَالَ فَجَعَلَ أَبُو نُوَاسٍ يَعْجَبُ مِنْ حين الشعر حتى ما يكاد ينقصني عَجَبُهُ، وَأَنْشَدَ مُسْلِمٌ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرِهِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ:
موفٍ عَلَى مُهَجٍ فِي يَوْمٍ ذِي رهجٍ كَأَنَّهُ أَجَلٌ يَسْعَى إِلَى أمل
جئتنا بأم القلادة:
لا تعجبني يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ضَحِكَ المشيب برأسه فبكى
فقلت كأنك كنت في " ع ": نَفْسِي ثُمَّ سَأَلُوهُ أَنْ يُنْشِدَهُمْ فَأَنْشَدَهُمْ:
لَا تَبْكِ لَيْلَى وَلَا تَطْرَبْ إِلَى هِنْدٍ وَاشْرَبْ عَلَى الورد من حمراء كالورد
[ ١٦١ ]
فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:
تَسْقِيكَ مِنْ عَيْنِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ
لِي نَشْوَتَانِ وَلِلنَّدْمَانِ وَاحِدَةٌ شَيْءٌ خُصِصْتُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدِي
قَامُوا فَسَجَدُوا لَهُ فَقَالَ: أَفَعَلْتُمُوهَا أَعْجَمِيَّةً لَا كَلَّمْتُكُمْ ثَلَاثًا وَلَا ثَلَاثًا وَلَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ تِسْعَةُ أَيَّامٍ فِي هِجْرَةِ الْإِخْوَانِ كَثِيرٌ، وَفِي هِجْرَةِ بَعْضِ يَوْمٍ اسْتِصْلَاحٌ لِلْفَاسِدِ، وَعُقُوبَةٌ عَلَى الْهَفْوَةِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَعَلِمْتُمْ أَنَّ رَجُلًا عَتَبَ عَلَى أَخٍ لَهُ فِي الْمَوَدَّةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَعْتُوبُ عَلَيْهِ: يَا أَخِي إِنَّ أَيَّامَ الْعُمْرِ أَقَلُّ مِنْ أَنْ تَحْتَمِلَ الْهَجْرَ. فَهَذِهِ جَرَائِرُ الْمُسْكِرِ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا حَضَرَنَا وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أن نحيط بها. قالوا شاهدنا عَلَى أَنَّ السُّكْرَ وَالْخَمْرَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنَ اللُّغَةِ أَنَّ الْخَمْرَ ما خمر المسكر يُخَمِّرُ فَاسْمُ الْخَمْرِ يَلْزَمُهُ.
وَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ لِمَنِ اعْتَقَبَ الصُّدَاعَ وَغَلِثَ النَّفَسَ وَالْإِرْعَاشَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ مَخْمُورٌ وَبِهِ خُمَارٌ، وَيَقُولُونَ لِمَنْ أَصَابَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْكِرِ الذي يسمونه نبيذًا مخمور
[ ١٦٢ ]
وَبِهِ خُمَارٌ، وَالْخُمَارُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَمْرِ وَهُوَ اسْمٌ لِلدَّاءِ الَّذِي يُصِيبُ مِنْهَا. وَالْأَدْوَاءُ أَكْثَرُ مَا تَأْتِي عَلَى فُعَالٍ، نَحْوَ الْكُبَادِ لِوَجَعِ الْكَبِدِ، وَالْقُلَابِ لِوَجَعِ الْقَلْبِ، والصفار والصداع النزال وَالْعُطَاسِ، وَلَمْ نَسْمَعْهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ مَنْبُوذٌ وَلَا بِهِ نُبَاذٌ.
فَهَذَا مَا لِلْمُغَلِّظِينَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْحُجَجِ وَنَذْكُرُ مَا لِلْمُطْلِقِينَ لَهُ مِنَ الْحُجَجِ وَالْقَوْلِ.
[ ١٦٣ ]