قَالَ الْمُطْلِقُونَ إِنَّمَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ الَّتِي أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى صِفَتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا بِعَيْنِهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ كَائِنًا مَا كَانَ فَهُوَ نَبِيذٌ مَا دُونَ السُّكْرِ مِنْهُ حَلَالٌ، فَسَوَّوْا بَيْنَ النَّقِيعِ وَالطَّبِيخِ، وَالَحَدِيثِ والعتيق والتمر والزبيب، والمفرد والخليط، وَالسَّهْلِ وَالشَّدِيدِ، وَمَا اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إِذَا ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الثُّلُثَيْنِ حَظُّ الشَّيْطَانِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ شعبه عن مسعر ابن كدام
[ ١٦٤ ]
عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ. وَبِحَدِيثٍ رَوَاهُ بْنُ الْيَمَانِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ منصور
[ ١٦٥ ]
عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَطِشَ وَهُوَ يَطُوفُ فِي الْبَيْتِ فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ مِنَ السِّقَايَةِ فَشَمَّهُ فَقَطَّبَ، فَدَعَا بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَصَبَّ عَلَيْهِ فَشَرِبَ فَقَالَ لَهُ رجل آخر: أمر هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا.
وحديث رواه عبد الرحمن بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي زياد عن عكرمة
[ ١٦٦ ]
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ وَهُوَ شَاكٍ وَهُوَ رَاكِبٌ مَعَهُ مِحْجَنٌ، كُلَّمَا مَرَّ بِالْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ بِالْمِحْجَنِ حَتَّى إِذَا قَضَى طَوَافَهُ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى السِّقَايَةَ فَقَالَ: اسْقُونِي مِنْ هَذَا، فقال له العباس أَلَا نَسْقِيكَ مِمَّا نَصْنَعُ فِي الْبُيُوتِ؟ قَالَ لَا وَلَكِنِ اسْقُونِي مِمَّا يَشْرَبُ النَّاسُ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ نَبِيذٍ فَذَاقَهُ فَقَطَّبَ فَقَالَ: هَلُمُّوا فَصَبُّوا فِيهِ مَاءً، ثُمَّ قَالَ زِدْ فِيهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ إِذَا صُنِعَ هَذَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. وَبِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قُرَّةَ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَخِي القعقاع بن ثور عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ فِيهِ شَرَابٌ فَقَرَّبَهُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَدَّهُ فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: أَحَرَامٌ هو يا رسول الله؟ انظروا هذه
[ ١٦٧ ]
الاشربة إذا اغتلمت عليكم فاقطعوها متونها بالماء. وبحديث وراه عبد الله ابن الفضل عن أبي الفضل أَبِي غَالِبٍ الضُّبَيْعِيِّ حَابِسِ بْنِ محمد عن ابن جرير عَنْ عَطَاءٍ أنَّ عُمَرَ وَقَفَ عَلَى السِّقَايَةِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ فَقَالَ " هَلْ مِنْ شَرَابٍ فَإِنِّي أَجِدُ فِي بَطْنِي غَمْزًا، فأتي شربة من السقاية فشربها ثم قَالَ: أُخْرَى فَأُتِيَ بِهَا ثُمَّ ثَالِثَةٍ فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ دَعَا بِسَجْلٍ وَرُبَّمَا قَالَ بِذَنُوبٍ فَشَجَّ الْإِنَاءَ بِالْمَاءِ حَتَّى فَاضَ نَوَاحِيهِ ثُمّ قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ كُلُّ شَرَابٍ اسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِمَائِهِ فَهُوَ حَرَامٌ لَا تَشْرَبُوهُ، وَكُلُّ شَرَابٍ اسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِغَيْرِ مَائِهِ فَهُوَ حل اشربه، مَعَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وكُلُّ خمر حرام وما أسكر
[ ١٦٨ ]
الفرق منه فمل الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ، فإنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ نُسِخَ بِشُرْبِهِ الصُّلْبَ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ نَهَى وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ شُرْبِ المسكر ثم وفودا إِلَيْهِ بَعْدُ فَرَآهُمْ مُصْفَرَّةً أَلْوَانُهُمْ، سَيِّئَةً حَالُهُمْ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ قِصَّتِهِمْ فَأَعْلَمُوهُ أَنَّ ذَلِكَ لِائْتِمَارِهِمْ بِمَا أمر بِهِ مِنْ تَرْكِ شَرَابِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي شُرْبِهِ، وَبِأَنَّ ابْنَ مسعود قال شهدت التحريم وَشَهِدْتُ التَّحْلِيلَ وَغِبْتُمْ وَبِأَنَّهُ كَانَ يشرب الصلب من النبذ الجر حتى كثرت الروايات عَنْهُ وَشُهِرَتْ وَأُذِيعَتْ فَاتَّبَعَهُ عَلَيْهِ
[ ١٦٩ ]
التابعون الكوفييون وَجَعَلُوهُ أَعْظَمَ حُجَجِهِمْ.
قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
مَنْ ذَا يُحَرِّمُ مَاءَ الْمُزْنِ خَالَطَهُ فِي جَوْفِ خَابِيَةٍ مَاءُ الْعَنَاقِيدِ
إِنِّي لَأَكْرَهُ تَشْدِيدَ الرُّوَاةِ لَنَا فِيهَا وَيُعْجِبُنِي قَوْلُ ابن مسعود
ونما عَنَى الطِّلَا وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَشْرَبُونَهُ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ عن سالم بْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَكَمَ يَشْرَبُ طلا جَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ رِقَّتِهِ وَكَانَ يهدي لإبراهيم بختج خائر فَكَانَ نَبِيذَهُ وَيُلْقِي فِيهِ الْعِطْرَ.
[ ١٧٠ ]
بان عُمَرَ كَانَ يَشْرَبُ عَلَى طَعَامِهِ الصلب ويقوليقطع هذا اللحم في بطوننا، ويشرب نبيذاُ كَادَ يَصِيرُ خَلًّا وَمَاءُ التمر وماء الزبيب لا يكادأ يَكُونَ خَلًّا حَتَّى يَكُونَ نَبِيذًا ثم يدخلها شَيْءٌ مِنَ الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ أن يصير خَلًّا، لِأَنَّ كَادَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هَمَّ أَنْ يَفْعَلَ وَلَمْ يَفْعَلْ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ شَرِبَ خَلًّا، وَالْخَلُّ لَا يُسَمَّى نَبِيذًا، وَلَا يُسَمَّى شَرَابًا، لِأَنَّهُ مِمَّا يُشْرَبُ، وَمَنْ ذَا شَرِبَ الْخَلَّ مِنَ النَّاسِ لِلَذَّةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ فَيَشْرَبُهُ عُمَرُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ شرب أعرابي من دواة عُمَرَ فَانْتَشَى فَحَدَّهُ عُمَرُ وَإِنَّمَا حَدَّهُ عَلَى السُّكْرِ لَا عَلَى الشُّرْبِ وَدَخَلَ عَلَى قَوْمٍ يَشْرَبُونَ وَيُوقِدُونَ فِي الْأَخْصَاصِ فَقَالَ لَهُمْ: نهتكم عن معاقرة الشراب فعقرتم، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْإِيقَادِ فِي الْأَخْصَاصِ فَأَوْقَدْتُمْ، وَهَمَّ بِتَأْدِيبِهِمْ، فَقَالُوا: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَهَاكَ اللَّهُ عن لتجسس فَتَجَسَّسْتَ وَنَهَاكَ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَدَخَلْتَ فَقَالَ هَاتَانِ بِهَاتَيْنِ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنِ الْمُعَاقَرَةِ وَهِيَ إِدْمَانُ الشُّرْبِ حَتَّى يَسْكَرُوا، وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنِ الشُّرْبِ وَأَصْلُ الْمُعَاقَرَةِ مِنْ عُقْرِ الْحَوْضِ وَهُوَ مَقَامُ الشَّارِبَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ الأشج لبنيه:
[ ١٧١ ]
لا تشربوا وَلَا تَثْجُرُوا وَلَا تُعَاقِرُوا فَتَسْكَرُوا وَلَوْ كَانَ مَا شَرِبُوا عِنْدَهُ خَمْرًا لَحَدَّهُمْ كَمَا حَدَّ ابْنَهَ فِي الْخَمْرِ وَبَلَغَهُ عَنْ عَامِلِهِ بِدَسْتُمَيْسَانَ أَنَّهُ قَالَ:
إِذَا شِئْتُ غنتني دهاقين قرية وصناجة تحدو عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ
فإنَّ كُنْتَ ندمامني فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي وَلَا تَسْقِنِي بَالْأَصْغَرِ الْمُتَثَلَّمِ
لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ تنادمنا بالجوسق المتهدم
[ ١٧٢ ]
فقال أنا والله ليسوءني وَوَاللَّهِ لَا عَمِلْتَ لِي عَمَلًا وَعَزَلَهُ.
قَالُوا فَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ الندم وَشُرْبَهُ بِالْكَبِيرِ وَالصَّنْجَ وَالرَّقْصَ وَشُغْلَهُ بِاللَّهْوِ عَمَّا يَشْغَلُهُ إِلَيْهِ وَلَوْ كان ما شرب عِنْدَهْ خَمْرًا لَحَدَّهُ
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن داود " سَعِيدِ بْنِ " نُصَيْرٍ عَنْ سَنان عَنْ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بم دِينَارٍ وَسُئِلَ عَنِ النَّبِيذِ فَقَالَ: انْظُرْ ثَمَنَ التَّمْرِ مِنْ أَيْنَ هُوَ؟ أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّهُ يَجِبُ على المستفتي عن النبيذ حلال هُوَ أَمْ حَرَامٌ أنَّ يَتَنَزَّهَ عَمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنِ اكْتِسَابِ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ ثَمَنُ التَّمْرِ ثُمَّ يَسْأَلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. قَالُوا فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْرًا مَا تَوَقَّفَ هَذَا التَّوَقُّفَ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنَّ يَكُونَ أَرَادَ أنَّ كَانَ ثَمَنُ التَّمْرِ حَلَالًا كَانَ النَّبِيذُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنْهُ حَلَالًا، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ التَّمْرِ حَرَامًا كَانَ النَّبِيذُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنْهُ حَرَامًا، فإنَّ كَانَ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ فَالْخُبْزُ وَاللِّبَاسُ وَالْإِدَامُ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ عِنْدَهُ تَحِلُّ، إنَّ طَابَتِ المكسبة وتحرم أنَّ خبثت.
[ ١٧٣ ]
وعوتب شعيب بن يزيد فِي النَّبِيذِ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَدَعُهُ حَتَّى يَكُونَ شَرَّ عملي يريد قد يأتي ما هو شر من شُرْبُهُ وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ أَرَادَ إِصْلَاحَ نَفْسِهِ وَالِانْتِقَالَ إِلَى طَهَارَةِ التَّوْبَةِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْبَثِ فَالْأَخْبَثِ مِنْ عَمَلِهِ وَالْأَعْظَمِ فَالْأَعْظَمِ مِنْ ذُنُوبِهِ فَيَنْزِعَ عَنْهُ فَأَمَّا أَنْ يَدَعَ التَّزَوُّجَ بِالْإِمَاءِ لِمَا كُرِهَ مِنْهُ وَهُوَ يَزْنِي أَوْ يَتْرُكَ الشُّرْبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْعِسَاسِ فَهَذَا مِنَ السَّخَفِ وَإِفْرَاطِ الْجَهْلِ.
وقال أبو الغاية الرياحي: اشرب النبيذ وَلَا تَمَزَّزْ وَالتَّمَزُّزُ أَنْ يَشْرَبَ قَلِيلًا قَلِيلًا وَهُوَ مِثْلُ التَّمَزُّرُ وَأَرَادَ أَبُو الْعَالِيَةِ أَنْ يَشْرَبَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً للرِّيِّ وَلَا يُنَاقِلَ الأقداح ويتابعها ليسكر.
وقيل محمد بْنِ وَاسِعٍ: أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ وَكَيْفَ تَشْرَبُهُ؟ قَالَ: على غدائي وعشائي وعند ظمأي قِيلَ فَمَا تَرَكْتَ مِنْهُ؟ قَالَ النكات وحادثة الرجال.
[ ١٧٤ ]
قَالَ الْمَأْمُونُ: اشْرَبِ النَّبِيذَ مَا اسْتَبْشَعْتَهُ فَإِذا سَهُلَ فَاتْرُكْهُ فَأَرَادَ أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَى شَارِبِهِ إِذَا أخذ في الإسكار.
وقيل لسعيد بن سالم: أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ؟ قَالَ: لَا، قِيلَ ولم؟ تَرَكْتُ كَثِيرَهُ لِلَّهِ وَقَلِيلَهُ لِلنَّاسِ.
حدثني محمد بن عبيد إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ صَامَ عَمِّي الْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ خَمْسِينَ حَوْلًا مُتَتَابِعَةً فَكَانَ لَا يُفْطِرُ فِي السَّنَةِ إِلا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ أَبِي يصنع أيام التشريق طعاما يكثره ويجوده ويدعو الفقهاء ومشايخنا
[ ١٧٥ ]
فَيَتَغَدَّوْنَ مَعَ أَبِي وَيَسْقِيهِمْ أَوْ قَالَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمُ النَّبِيذَ الصلب.
وكان سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ الذي تحمر منه وجنتاه.
واحتجوا مِنَ النَّظَرِ بَأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا حَلَالٌ إِلا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ قَالُوا: فَلَا نُزِيلُ يَقِينَ الْحَلَالِ بِالِاخْتِلَافِ وَلَوْ كَانَ الْمُحَلِّلُونَ فِرْقَةً من الناس فكيف وهو أَكْثَرُ الْفِرَقِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ جَمِيعًا عَلَى التَّحْلِيلِ لَا يَخْتَلِفُونَ.
حَدَّثَنِي اسحق بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: النَّبِيذُ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يُحَرِّمُهُ غَيْرَ ابْنُ إِدْرِيسَ وَكَانَ بذلك عندنا معيبا.
وقيل لِابْنِ إِدْرِيسَ: مَنْ خِيارُ أَهْلِ الْكُوفَةِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ قِيلَ وَكَيْفَ ذَلِكَ وَهُمْ يَشْرَبِونَ مَا يُحَرَّمُ عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: ذلك مبلغهم من العلم.
وقال لنا اسحق: عِيبَ وَكِيعٌ بِقَوْلِهِ هُوَ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ لِأَنَّهُ أنَّ كَانَ حلالا
[ ١٧٦ ]
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فَكَيْفَ جَعَلَهُ أَحَلَّ مِنْهُ وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ يَلْحَقُ وَكِيعًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَيْبٌ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ مِنْهُ عَتَبٌ لِأَنَّ كَلِمَتَهُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مُبَالَغَتِهِمْ فِي الْوَصْفِ وَاسْتِقْصَائِهِمْ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ يَقُولُونَ هُوَ أَشْهَرُ مِنَ الصُّبْحِ وأسرع من البرق وأبعد مِنَ النَّجْمِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِكَذِبٍ لأنه السَّامِعَ لَهُ يَعْرِفُ مَذْهَبَ الْقَائِلِ فِيهِ وَكُلُّهُمْ مُتَوَاطِئُونَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ هُوَ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ يُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِهِ بِالتَّحْلِيلِ وَإِنَّمَا عَابَ أَهْلُ الْكُوفَةِ ابْنَ إِدْرِيسَ بِمُخَالَفَتِهِ أَهْلَ بَلَدِهِ وَتَغْلِيظِهِ ما ترخصوا فيه.
وحدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي كَرَاهَتِكَ النَّبِيذَ وَمُخَالَفَتِكَ الْمَشَايِخَ وَأَهْلَ الْمِصْرِ؟ فَقَالَ هُوَ شَيْءٌ اخْتَرْتُهُ لِنَفْسِي. قُلْتُ: فَتَعِيبُ مَنْ شربه؟ قال: لا
[ ١٧٧ ]
قُلْتُ: فَأَنْتَ وَمَا اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ.
وقال عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ: لَقَدْ أدركت قوما يجعلون على الليل جميلا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ وَيَلْبَسُونَ الْمُعَصْفَرَ فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى مِثْلِ مَذْهَبِهِمْ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ يَقُولُ مَا هُوَ عِنْدِي وَمَاءُ الْبِرْكَةِ إِلِّا سواء.
وقال القطيعي: قال ليس عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَهُ الرَّجُلُ عَلَى أَثَرِ الطَّعَامِ كَمَا يَشْرَبُ الْمَاءَ. وَقَالَ: أَكْرَهُ إِدَارَةَ الْقَدَحِ وَأَكْرَهُ بقيع الزَّبِيبِ وَأَكْرَهُ الْمُعَتَّقَ وَأَكْرَهُ نَبِيذَ السِّقَايَةِ وَقَالَ: مَنْ أَدَارَ الْقَدَحَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. قَالُوا وَكَانَ كثير من الحجازين يترخص فيه حتى غلط فِيهِ مَالِكٌ وَحَدَّ فِي الرَّائِحَةِ
[ ١٧٨ ]
وَالرَّائِحَةُ قَدْ تَلْتَبِسُ وَتَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا وَكَيْفَ يَخْرُقُ ظُهُورَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الظُّنُونِ وَظَهْرُ الْمُسْلِمِ حِمًى لَا يُبَاحُ إِلَّا بِيَقِينٍ وَقَدْ يَأْكُلُ الرَّجُلُ الْكُمَّثْرَى وَالتُّفَّاحَ وَالسَّفَرْجَلَ وَيَشْرَبُ الْمُشْبِهَ النَّبِيذَ فَيُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ النبيذ.
وكان الْأُقَيْشِرُ أُخِذَ وَقَدْ شَرِبَ واسْتُنْكِهَ فوجدوا منه رائحة نبيذ ظَاهِرَةً فَقَالَ:
يَقُولُونَ لِي انْكَهْ قَدْ شَرِبْتَ مُدَامَةً فَقُلْتُ لَهُمْ لا بل أكلت سفرجل
وقالوا وَجَدْنَا النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: أَصْحَابَ الرَّأْيِ وَهُمْ جَمِيعًا مُجْمِعُونَ عَلَى تحليلة أو حنيفة وأبو يوسف
[ ١٧٩ ]
وَمُحَمَّدٌ وَكُلُّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ وأصحاب الحديث أكثرهم عَلَى التَّحْلِيلِ وَأَصْحَابَ الْكَلَامِ وَهُمْ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ وَكَيْفَ نُزِيلُ يَقِينَ التَّحْلِيلِ بِطَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ قَالُوا: وَمَثَلُ النَّبِيذِ مَثَلُ نَهْرِ طالوت.
حدثني سبابة قَالَ حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ أَبِي الصَّبَاحِ الْكُوفِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي المطهر الوراق قال بينا زيد بن علي على بلغة له
[ ١٨٠ ]
بَصُرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مُحَجَّلِ الْإِزَارِ عَلَى قَمِيصِهِ رَدْعٌ مِنْ زعفران فقال له: مهيمن فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أَعْرَسْتُ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أنَّ تُكْرِمَنِي بِدُخُولِ مَنْزِلِي فَثَنَى رِجْلَهُ وَنَزَلَ فَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ بيده فأدخله مَنْزِلَهُ وَأَقْعَدَهُ عَلَى الْحَجَلَةِ فَمَا اسْتَكْبَرَ ذَلِكَ وَأَتَى بِطَعَامٍ وَبَلَغَ الشِّيعَةَ مَكَانُهُ فَازْدَحَمُوا عَلَى مَائِدَتِهِ فطمع الْقَوْمُ ثُمَّ إِنَّهُ عَطِشَ وَاسْتَسْقَى فَأَتَى بِعُسٍّ فِيهِ نَبِيذٌ فَكَرَعَ فيه ثم قطب: ثم دعا بِمَاءٍ فَكَسَرَهُ ثُمَّ شَرِبَ وَنَاوَلَنِي وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ فَشَرِبْتُ وَنَاوَلْتُ الذي عَنْ يَمِينِي وَدَارَ الْعُسُّ عَلَى الْقَوْمِ جَمِيعًا فَقُلْتُ لَهُ: يَا بن رَسُولِ اللَّهِ حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ عن آبَائِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ في النبيذ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أنه قال تنزيل أمتي منازل بني إسرائيل خذو الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ وَالنَّعْلَ بِالنَّعْلِ حَتَّى لو أن رجلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نُكِحَتْ نِسَاؤُهَا فِي الْأَسْوَاقِ لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ ابْتَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِنَهْرِ طَالُوتَ أَحَلَّ مِنْهُ الْغَرْفَةَ وَحَرَّمَ مِنْهُ الرِّيَّ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ جعل
[ ١٨١ ]
فِيكُمُ النَّبِيذَ أَحَلَّ مِنْهُ الرِّيَّ وحرم السكر.
وقالوا لَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ مِنْهُ عِوَضًا فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ فَلَوْ كَانَ النَّبِيذُ خَمْرًا مَا كَانَ الْعِوَضَ مِنَ الخمر إنما خَلَقَ اللَّهُ الْأَقْوَاتِ وَالثَّمَرَاتِ قَدْرًا لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا فَلَوْ كَانَ النَّبِيذُ خَمْرًا مَا كَانَ يُصْنَعُ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالدُّوشَابِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ تَرَكَ النَّاسُ اتِّخَاذَ الشَّرَابِ مِنْهُ لَبَارَ وَفَضَلَ أَكْثَرُهُ من مآكل الناس وحاجتهم.
وقالوا وَاللَّهُ لَا يُحَرِّمُ شيْئًا إِلَّا لِعَلَّةِ الِاسْتِعْبَادِ وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِلسُّكْرِ لَمْ يُطْلِقْهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ قَبْلَنَا فَقَدْ شَرَبَهَا نُوحٌ ﵇ حِينَ خرج من السفينة واعترس الْحَبَلَةَ حَتَّى سَكِرَ مِنْهَا وَبَدَتْ فَخْذُهُ وَشَرِبَهَا لُوطٌ وَشَرِبَهَا عِيسَى ﵉ لَيْلَةَ رُفِعَ وَشَرِبَهَا الْمُسْلِمُونَ في صدر الإسلام.
وقالوا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ الْخَمْرَ مَا خُمِّرَ وَالْمُسْكِرُ مُخَمَّرُ فَهُوَ خَمْرٌ مِثْلُهُ فإنَّ الْأَشْيَاءَ قَدْ تَتَشَاكَلُ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي فَيُسَمَّى بَعْضُهَا بِعِلَّةٍ فِيهِ وَهِيَ فِي آخَرَ وَلَا يُطْلَقُ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلَى الْآخَرِ أَلَا تَرَى أنَّ اللَّبَنَ يُخَمَّرُ بِرُوبَةٍ تُلْقَى فِيهِ وَيُتْرَكُ حَتَّى يَرُوبَ وَلَا يُسَمَّى اللَّبَنُ خمرا وان خمر العجسن يسمى خمرا وَلَا يُسَمَّى هُوَ وَلَا مَا خمر به من الْعَجِينُ خَمِيرًا وَأَنَّ نَقِيعَ التَّمْرِ سُكَارًا لِإِسْكَارِهِ وَلَا يُسَمَّى غَيْرُهُ سَكْرًا وَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ وَهَذَا أَكْثَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أن نحيط به.
وقالوا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ مَخْمُورٌ وَبِهِ خمار إذا أصباه الصداع والارعاش عقب
[ ١٨٢ ]
الشَّرَابِ وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ أَصَابَهُ مِثْلُهُ فِي النَّبِيذِ فَيُقَالُ بِهِ خُمَارٌ وَلَا يُقَالُ بِهِ نُبَاذٌ فإنَّ الْخُمَارَ اسْمٌ قديم وكانت الجاهلية تعرف وَتَلْفِظُ بِهِ مِنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذُ مُحْدَثٌ إِسْلَامِيٌّ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْرِفُهُ وَكَانَ شَرَبَةُ النَّبِيذِ مِنَ السَّلَفِ لَا يَبْلُغُونَ السكر ولا يقاربهم فَيُصِيبُهُمْ عَلَيْهِ مَا كَانَ يُصِيبُ شَرَبَةَ الْخَمْرِ مِنَ الْخُمَارِ وَإِنَّمَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُ الْيَسِيرَ عَلَى الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلَفٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَتَهَيَّبُوا مِنَ الْمُسْكِرِ السُّكْرَ فَقِيلَ بِهِمْ خُمَارٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الِاسْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ أَحَلَّ النَّبِيذَ أَحَلَّ مِنْهُ السُّكْرَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْخُمَارُ وَكَانَ شَرَبَةُ النَّبِيذِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَكِرُوا فَأَصَابَهُمْ ذلك للزمنا أنَّ يقال نباذا وَلَا يُقَالُ فَيَجِبُ مَا ذَهَبُوا إليه.
وقد فَرَّقَتِ الشُّعَرَاءُ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْخَمْرِ قال الْأُقَيْشِرُ وَكَانَ مُغْرَمًا بِالشَّرَابِ:
وَصَهْبَاءَ جُرْجَانِيَّةٍ لَمْ يَطُفْ بِهَا حَنِيفٌ وَلَمْ تَنْغَرْ بِهَا سَاعَةً قِدْرُ
أتاني بها يحي وقد نمت نومة وقد غادرت الشِّعْرَى وَقَدْ خَفَقَ النَّسْرُ
فَقُلْتُ اصْطَبِحْهَا أَوْ لِغَيْرِي فَاهْدِهَا فَمَا أنا بعد السيب ويبك والخمر
[ ١٨٣ ]
فَأَعْلَمَكَ أَنَّ الْخَمْرَ هِيَ الَّتِي لَمْ تَغْلِ بِهَا الْقُدُورُ.
وَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ حِينَ عَزَلَهُ عُثْمَانُ عَنِ الْكُوفَةِ بِشَهَادَةِ أَهْلِهَا عَلَيْهِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ:
قَوْلُهُمْ شُرْبُكَ الْحَرَامَ وَقَدْ كا ن شَرَابٌ سِوَى الْحَرَامِ حَلَالُ
يُرِيدُ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّكَ تَشْرَبُ الْخَمْرَ وَقَدْ كَانَ هُنَاكَ شَرَابٌ حَلَالٌ مِنَ النَّبِيذِ وَيُرْوَى وَقَدْ كَانَ حلال سِوَى الْحَرَامِ فَمَالُوا يُرِيدُ كَانَ شَرَابٌ مِنَ النَّبِيذِ حَلَالًا فَمَالُوا عَنْهُ وَقَذَفُوكَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَمْ نَحْتَجَّ بِأَبِي زُبَيْدٍ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ لِأَنَّا رَأَيْنَاهُ حُجَّةً فِي تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّهُ اعتذر له عُثْمَانَ وَإِلَى النَّاسِ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَمْ يَكُنْ لِيَعْتَذِرَ إِلَّا بِمَا لَا يُنْكِرُ النَّاسُ.
قَالَ جَمِيلُ بن معمر:
[ ١٨٤ ]
فظللنا بنعمة واتكأنا وشربنا الْحَلَالَ مِنْ قُلَلِهِ
اتَّكَأْنَا طَعِمْنَا وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَعْتَدَتْ لهن متكأ أَيْ طَعَامًا وَشَرِبْنَا الْحَلَالَ يَعْنِي النَّبِيذَ والْقُلَلُ جَمْعُ قِلَّةٍ وَهِيَ جِرَارٌ يَكُونُ فِيهَا النَّبِيذُ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَدْ كَانَ يُسْقَى مِنْ قِلَالٍ وَحَنْتَمِ
وَلَمَّا دُخِلَ عَلَى الْوَلِيدِ ليُقْتَلَ قَالَ لَهُمْ مَا تُنْكِرُونَ مِنِّي أَلَمْ أَفْعَلْ وَجَعَلَ يُعَدِّدُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهُمْ قَالُوا نُنْكِرُ مِنْكَ شُرْبَ الْخَمْرِ وَنِكَاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَبِيكَ فَقَالَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَحَلَّ سَعَةً عَمَّا تَذْكُرُونَ وَقَالَ:
دَعُوا لِي سُلَيْمَى وَالنَّبِيذَ وَقَيْنَةً وَكَأْسًا أَلَا حَسْبِي بِذَلِكَ مَالَا
خُذُوا مُلْكَكُمْ لأثبت اللَّهُ مُلْكَكُمْ ثَبَاتًا يُسَاوِي مَا حَيِيتُ عِقَالَا
إِذَا مَا صَفَا عَيْشِي بِرَمْلَةِ عَالِجٍ وَعَانَقْتُ سَلْمَى لَا أُرِيدُ بَدَالَا
أَفَمَا تَرَاهُ حِينَ اعْتَذَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ وَقَالَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِي فِيمَا أَحَلَّ مِنَ النَّبِيذِ سَعَةً عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَفِيمَا أَحَلَّ مِنَ النِّسَاءِ سَعَةً عَنْ نكاح الأمهات.
وكان أَبُو الْهِنْدِيِّ الشَّاعِرُ مُغْرَمًا بِالْخَمْرِ فعاتبته ابنته على ذلك ووعضته
[ ١٨٥ ]
فَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ غَيْرُ صَابِرٍ وَأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهَا اعْتَلَّ فَقَالَتْ لَهُ: اشرب نبيذ التمر فشربه ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَمْرِ وَقَالَ:
أَأَشْرَبُ تَمْرًا يَنْفُخُ الْبَطْنَ مُنْتِنًا وأتركها صَهْبَاءَ طَيِّبَةَ النَّشْرِ
وَقَالَ بَعْضُ الْأَشْرَافِ وَكَانَ رَكِبَهُ الدَّيْنُ وَخَفَّتْ حَالُهُ:
إِنْ يَكُ يَا جَنَاحُ عَلَيَّ دَيْنٌ فَعِمْرَانُ بْنُ مُوسَى يستدبن
تَلُمُّ بِنَا الْخَصَاصَةُ ثُمَّ تعْفَى عَلَى إِقْتَارِنَا حَسَبٌ وَدِينُ
فَمَا يُعْدِمْكَ لَا يُعْدِمْكَ مِنَّا نَبِيذُ التَّمْرِ وَاللَّحْمُ السَّمِينُ
أَمَا تَرَاهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَسَبِ وَالدِّينِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ إِقَامَةَ اللَّحْمِ وَنَبِيذَ التَّمْرِ لِأَضْيَافِهِ، وَلَوْ كَانَ نَبِيذُ التَّمْرِ حَرَامًا مَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَسَبِ وَالدِّينِ، ثُمَّ قَرَنَ ذَلِكَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَرَادَ عمران ابن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ الْيَمَانِيُّ:
وَيَغْتَبِقَانِ الشَّرَابَ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ الْجَلْدُ لِلْجَالِدِ
شَرَابٌ يُوَافِقُ فُهْرَ الْيَهُودِ وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ الْعَابِدِ
[ ١٨٦ ]
يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَغْتَبِقَانِ الْخَمْرَ الَّذِي يُوجِبُ شُرْبُهُ الْحَدَّ ثُمَّ تَنَبَّهَ فَقَالَ: يُوَافِقُ فُهْرَ الْيَهُودِ وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ الْعَابِدِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ. وَفُهْرُ الْيَهُودِ هُوَ مَوْضِعُ مِدْرَاسِهِمُ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قَدْ سَدَلُوا ثِيَابَهُمْ فَقَالَ: كَأَنَّهُمُ الْيَهُودُ خَرَجُوا مِنْ فُهْرِهِمْ.
وهذا أبو نواس شاه النَّاسَ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ:
يَا ابْنَةَ الْقَوْمِ اصْبَحِينَا مَا الَّذِي تَنْتَظِرِينَا
قَدْ جَرَى فِي عَوْدِهِ الما ء فَأَجْرَى الْخَمْرَ فِينَا
إِنَّمَا نَشْرَبُ مِنْهَا فَاعْلَمِي ذَاكَ يَقِينَا
كُلُّ ما كان حلالا لشرب الصَّالِحِينَا
قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْخَمْرُ رِجْسٌ فَقَدْ صَدَقُوا فِي اللَّفْظِ وَغَلِطُوا فِي الْمَعْنَى، إِنْ كَانَ أَرَادُوا أَنَّهَا نَتَنٌ لأنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ مُنْتِنَةً وَلَا قَذِرَةً إِلَّا بِالتَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ النُّفُورَ مِنْهَا.
قَالَ الْأَخْطَلُ وَذَكَرَ الْخَمْرَ:
كَأَنَّمَا المسك نهى بَيْنَ أرْحُلِنَا مِمَّا تَضَوَّعَ مِنْ ناجودها الجاري
[ ١٨٧ ]
وَقَالَ الْآخَرُ:
فَتَنَفَّسَتْ فِي الْبَيْتِ إِذْ مُزِجَتْ كَتَنَفُّسِ الرَّيْحَانِ فِي الْأَنْفِ
وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رجس (أَيْ مَعْصِيَةٌ وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْمَعَاصِي رجس، ويدلك عَلَى ذَلِكَ أنَّ الْأَزْلَامَ هِيَ الْقِدَاحُ فَأَيُّ نَتَنٍ لَهَا، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ:) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رجسهم (أَيْ نِفَاقًا إِلَى نِفَاقِهِمْ وَمِثْلُهُ) وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يعقلون (وَكَيْفَ تَكُونُ رِجْسًا أَيْ نَتَنًا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشاربين (فَوَصَفَهَا بِاللَّذَاذَةِ وَلَمْ يَصِفْ بِذَلِكَ غَيْرَهَا مِمَّا ذَكَرَ مَعَهَا وَقَالَ) يسقون فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا (وَلَمْ يَرِدْ فِيمَا يَرْوِي أَهْلُ النظر أنَّ الزنجبيل يلق فِيهَا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهَا تَلْذَعُ اللِّسَانَ كَأَنَّهَا مُزِجَتْ بِزَنْجَبِيلٍ. وَالشُّعَرَاءُ تَصِفُ أَفْوَاهَ النِّسَاءِ بِرَاحٍ مُزِجَتْ بِالزَّنْجَبِيلِ قَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ عَلَسٍ:
وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ إذْ ذُقْتَهُ وَسُلَافَةَ الْخَمْرِ
وَقَالَ الْأَعْشَى يُشَبِّهُهُ بِالزَّنْجَبِيلِ وَالْعَسَلِ:
كَأَنَّ جَنِيًّا مِنَ الزَّنْجَبِيلِ بَاتَ بِفِيهَا وَأَرْيًا مشورا
[ ١٨٨ ]
وَقَالَ الْجَعْدِيُّ:
وَبَاتَ فَرِيقٌ مِنْهُمُ وَكَأَنَّمَا سُقُوا نَاطِفًا مِنْ أَذْرِعَاتٍ مفلفلا
وَلِهَذَا يَقُولُ الشُّعَرَاءُ لِلْخَمْرِ مُزَّةٌ لِلَذْعِهَا اللِّسَانَ وَلَا يُرِيدُونَ الْحُمُوضَةَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ اللُّغَةِ: إِنَّمَا هِيَ مَزَّةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ فاضلة من قولهم هَذَا أَمَزُّ مِنْ هَذَا أَيْ افضل وأرفع وقال:) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يصدعون عنها ولا ينزفون (فَنَفَى عَنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ عُيُوبَ خمر الدنيا وهو الصداع ونفاد الشَّرَابِ وَذَهَابُ الْعَقْلِ وَالْمَالِ، وَنَحْوَ هَذَا قَوْلُهُ فِي فَاكِهَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (فَنَفَى عَنْهَا عُيُوبَ فَوَاكِهِ الدُّنْيَا لأنَّ فَوَاكِهَ الدُّنْيَا تَأْتِي فِي وقت وتنقطع في زقت، وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ إِلَّا بِالثَّمَنِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْخَمْرَ دِرْيَاقَةٌ يُرِيدُ أَنَّهَا شِفَاءٌ كِالدِّرْيَاقِ.
قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
[ ١٨٩ ]
سَقَتْنِي بِصَهْبَاءَ دِرْيَاقَةٍ مَتَى مَا تُلَيِّنْ عِظَامِي تَلِنْ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قل فيها إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أكب من نفعهما (فلإثم العذاب وكذلك الأثام قال:) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (أي عقابا وأما منافعهما فَكَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى وَإِنَّمَا تَقَعُ مَضَارُّهَا مَعَ الْإِكْثَارِ وَتَجَاوُزِ الْمِقْدَارِ، فَأَمَّا مَعَ الِاقْتِصَارِ فَلَمْ يَكُنْ لشاربيها قَبْلَ التَّحْرِيمِ فِيهَا مَضَارٌّ، فَمِنْ مَنَافِعِهَا مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ مِنْ أَثْمَانِهَا، وَلَوْ لَمْ تُعْتَصَرِ الْأَعْنَابُ لَبَارَتْ عَلَى أَهْلِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ مَنْفَعَتُهَا الْجِسْمَ لِأَنَّهَا تُدِرُّ الدَّمَ، وتقوي المنة وتصفي اللون، فَإِذَا أَخَذَ الْإِفْرَاطُ فَكُلُّ شَيْءٍ مَعَ الْإِفْرَاطِ يَضُرُّ.
وَكَانَتِ الْأَوَائِلُ تَقُولُ الْخَمْرُ حَبِيبَةُ الرُّوحِ.
وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْأَطِبَّاءِ إِذَا دخل عَلِيلٍ لَمْ يَرَ فِيهِ مَوْضِعًا لِسَقْيِ الدَّوَاءِ سَقَاهُ الْخَمْرَ الرَّيْحَانِيَّةَ
[ ١٩٠ ]
الممزوجة بالماء ليلقي الروح بحبيبته، وَيَبْعَثَ مِنَ النَّفْسِ بِالْمَسَرَّةِ مَا قَدْ أَسْقَطَهُ الدَّاءُ، فإنَّ رَأَى الْعَلِيلَ قَدْ قَوِيَ قَلِيلًا، وَاحْتَمَلَ بَعْضَ الدَّوَاءِ عَالَجَهُ. قَالُوا وَلِذَلِكَ اشتق لها اسم من الروح فسميت راحا، وأوصل الرَّاحِ وَالرُّوحِ وَالرَّوْحِ مِنْ مَوْضِعٍ واجد، إِلَّا أَنَّهُمْ خَالَفُوا بَيْنَهَا فِي البناء ليدل كل واحد منها على معناه، ويقالرب مَعَانِيهَا، كَتَقَارُبِ أَسْمَائِهَا فَالرُّوحُ رُوحُ الْأَجْسَامِ وَالرُّوحُ النَّفْخُ لِأَنَّهُ رِيحٌ تخرج عَنِ الرُّوحِ وَالرَّوْحُ طَيِّبُ النَّسِيمِ، وَالرِّيحُ هِيَ الرِّيحُ الْهَابَّةُ، وَالرَّاحُ عَلَى فَعْلُ وَأَصْلُهُ رَوَحُ فَقُلِبَتْ واوه أيضًا لما انفتحت وانفتح مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ اشْتَقُّوا الرَّيْحَانَ مِنْ ذَلِكَ لِرَائِحَتِهِ وَرُبَّمَا سَمُّوا الخمر روحا.
قال الناظم:
مَا زِلْتُ آخُذُ رُوحَ الزِّقِّ فِي لَطَفٍ وَأَسْتَبِيحُ دَمًا مِنْ غير مجروح
حتى أشنيت وَلِي رُوحَانِ فِي جَسَدِي وَالزِّقُّ مطرح جسم بلا روح
[ ١٩١ ]
وَلِذَلِكَ قَالُوا نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ وَقَالُوا نُفَسَاءُ لِسَيَلَانِ الدَّمِ.
قال مسلم:
خالطنا دَمًا مِنْ كَرْمَةٍ بِدِمَائِنَا فَأَظْهَرَ فِي الْأَلْوَانِ مِنَّا الدمَ الدمُ
وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشِيُّ عَنْ مُؤَرِّجٍ عَنْ سعد بن سملك عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدٍ رَاوِيَةِ الأعشى قال: قلت للأعشى
[ ١٩٢ ]
أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ:
وَمُدَامَةٍ مِمَّا تُعَتِّقُ بَابِلٌ كَدَمِ الذَّبِيحِ سَلَبْتُهَا جِرْيَالَهَا
فَقَالَ شَرِبْتُهَا حَمْرَاءَ وَبُلْتُهَا ببيضاء يُرِيدُ أنَّ حُمْرَتَهَا صَارَتْ دَمًا.
وَقَالَ ابْنُ الطَّثْرِيَّةِ:
وَيَوْمٍ كَظِلِّ الرمح قصر طولها دَمُ الزِّقِّ عَنَّا وَاصْطِفَاقُ الْمَزَاهِرِ
وَفِي الْخَمْرِ أَنَّهَا تُسَخِّي الْبَخِيلَ وَتَسْتَخْرِجُ مِنَ اللَّئِيمِ قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الْحُصَّ فيها إذا ما الماء خاطها سَخِينَا
تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إِذَا أُمِرَّتْ عَلَيْهِ لِمالِهِ فِيهَا مُهِينَا
[ ١٩٣ ]
قَوْلُهُ سَخِينًا مِنَ السَّخَاءِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا مَا الْمَاءُ خَالَطَهَا إِذَا نَحْنُ شَرِبْنَاهَا لِأَنَّهَا لَا تُمْزَجُ إِلَّا عِنْدَ الشُّرْبِ قَالَ طَرَفَةُ:
وَإِذَا مَا شَرِبُوهَا وَانْتَشَوْا وَهَبُوا كُلَّ جُوَادٍ وَطِمِرّ١
ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ الْمِسْكِ بِهِمْ يَلْحَفُونَ الْأَرْضَ هُدَّابَ الْأُزُرْ
وَقَدْ عِيبَ بِهَذَا طَرَفَةُ لِأَنَّهُ مَدَحَهُمْ بِالْعَطَاءِ وهم نشاوى ولم يشترط لَهُمْ ذَلِكَ فِي صَحَوَاتِهِمْ كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ:
وَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ مَالِي وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ
وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي
وَالْجَيِّدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى قول زهير:
[ ١٩٤ ]
أَخُو ثِقَةٍ لَا يُذْهِبُ الْخَمْرُ مَالَهُ وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهْ
يُرِيدُ أَنَّهُ يُعْطِي إِذَا بَخِلَتِ النُّفُوسُ.
وَقَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ:
مَا إِنْ أُلِحُّ عَلَى الْإِخْوَانِ أسألهم كما يلح بعظم الغاب الْقَتَبُ
وَمَا أُخَادِعُ نَدْمَانِي لِأَخْدَعَهُ عن ماله حين يسرخي به اللب
١ - الطمر " بكسر الطاء والميم وتشديد الراء " الفرس الكريم ٢ - في " ع ": مدي ٣ - في نسخة الشاوي وهامش البغدادي: بأعلى الغارب ٤ - الغارب: الكاهل أو ما بين السنام والعنق ٥ - القتب بالتحريك الاكاف الصغير على قدر سنام البعير وَقَالَ بَعْضُ الْمُحْدَثِينَ:
كَسَانِي قَمِيصًا مرتين إِذَا انْتَشَى وَيَنْزَعُهُ مِنِّي إِذَا كَانَ صَاحِيًا
فَلِي فَرْحَةٌ فِي سُكْرِهِ وِانْتِشَائِهِ وَفِي الصَّحْوِ تَرَحَاتٌ تُشِيبُ النَّوَاصِيَا
فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ سُرُورِي وَتَرْحَتِي وَمِنْ جُودِهِ أَلَّا عَلَيَّ وَلَا لِيَا
وَفِي الْخَمْرِ أَنَّهَا تُشَجِّعُ الْجَبَانَ وَتْبَعْثُ الحصر العي قيل للعباس ابن مرداس
[ ١٩٥ ]
فِي جَاهِلِيَّتِهِ لِمَ لَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي جُرْأَتِكَ.
وَالتُّرْكُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَجَمِ يَشْرَبُونَهَا فِي الْحَرْبِ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنَالُونَ مِنْهَا يَوْمَ اللِّقَاءِ وَلِذَلِكَ اصْطَحَبَهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُهَا.
وَفِي الْخَمْرِ أَنَّ كُلَّ شَارِبٍ يَمَلُّ شَرَابَهُ غَيْرَ شَارِبِهَا، وَأَنَّ أحدا لا يقدر يَشْرَبَ مِنْهَا فَوْقَ الرِّيِّ إِلَّا بِالْكُرْهِ لِلنَّفْسِ عَلَى الْقَلِيلِ غَيْرَ شارب الخمر وما أشهها مِنَ الْمُسْكِرِ.
حَدَّثَنَا الْقُطَعِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُجْرَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ لَوْ كَانَ فِي شَرَابِهِمْ هَذَا خَيْرٌ لَرَوَوْا مِنْهُ.
وَفِي الْخَمْرِ أَنَّهَا تَزِيدُ فِي الْهِمَّةِ وَالْكِبْرِ وَتُهَيِّجُ الْأَنَفَةَ وَالْأَشَرَ.
وَسَقَى قَوْمٌ أَعْرَابِيًّا كؤوسا ثُمَّ قَالُوا لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي أَشِرًا وَأَجِدُكُمْ تَحَبَّبُونَ إِلَيَّ وَقَالَ الْأَخْطَلُ:
إِذَا مَا زِيَادٌ عَلَّنِي ثُمَّ عَلَّنِي ثَلَاثَ زُجَاجَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ
خَرَجْتُ أَجُرُّ الذَّيْلَ مِنِّي كَأَنَّنِي عَلَيْكَ أَمِيرَ أمؤمنين أمير
العل بَعْدَ النَّهَلِ فَلِذَلِكَ قَالَ ثَلَاثَ زجاجات لأنها نهل وعلان
[ ١٩٦ ]
قَالَ الْمُنَخَّلُ:
وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ الدا مة بِالصَّغِيرِ وَبِالْكَبِيرِ
فَإِذَا سَكِرْتُ فَإِنَّنِي رَبُّ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ
وَإِذَا صَحَوْتُ فَإِنَّنِي رَبُّ الشُّوَيْهَةِ وَالْبَعِيرِ
وَقَالَ الْأَعْشَى:
وَلَقَدْ شَرِبْتُ ثَمَانِيًا وَثَمَانِيًا وثمان عشر واثنتين وأربعينا
من قهوة بانت بِبَابِلَ صَفْوَةً تَدَعُ الْفَتَى مَلِكًا يميل مصرعا
[ ١٩٧ ]
وَقَالَ فِي الْخَمْرِ إِنَّهَا تَمُدُّ فِي الْأُمْنِيَّةِ قَالَ الْأَعْشَى:
لَعَمْرُكَ إنَّ الرَّاحَ إِنْ كُنْتَ شَارِبًا١ لمختلف آصالها وغداتها
لنا ضُحَاهَا خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ وَذِكْرَى هُمُومٍ مَا تَغِبُّ أَذَاتُهَا
وَعِنْدَ الْعَشِيِّ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ وَمَالٌ كثير غدوة٤ نشواتها
١ر - واية الديوان: سائلا ٢في الأصل صحاها والتصحيح من ديوان الأعشى ٣في الأصل أداتها والتصحيح من ديوان الأعشى ٤هذه رواية الديوان وفي الأصل ومال كثير عدة نشواتها
تَعِدُ النَّفْسَ بِالْعَشِيِّ مُنَاهَا٢ وَتَسُلُّ الهموم سلا رقيقا
وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبي يعقوب الثقفي
[ ١٩٨ ]
عن عبد الملك ابن عمير أنَّ جبلة ابن الْأَيْهَمِ قَالَ لِحَسَّانٍ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِنِّي مَشْغُوفٌ بِالْخَمْرِ فَذُمَّهَا لِي فَقَالَ:
لَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ فِي الْكَأْسِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ثَمَنٌ مِنْ شَارِبٍ حِينَ يَشْرَبُ
لَهَا نَزَفٌ مِثْلُ الْجُنُونِ وَمَصْرَعٌ دَنِيٌّ وَأَنَّ الْعَقْلَ يَنْأَى فَيَذْهَبُ
فَقَالَ أَفْسَدْتَهَا فَامْدَحْهَا فَقَالَ:
لَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ فِي الْكَأْسِ أَصْبَحَتْ كَأَفْضَلِ مَالٍ يُسْتَفَادُ وَيُطْلَبُ
أَمَانِيهَا وَالنَّفْسُ يَظْهَرُ طِيبُهَا عَلَى هَمِّهَا والحزن يسلى فيذهب
[ ١٩٩ ]
وَفِي الْخَمْرِ أنَّ كُلَّ شَارِبٍ على شرابه يصير عَنْهُ غَيْرَ الْخَمْرِ فإنَّ لَهَا ضَرَاوَةً لَا تُشْبِهُهَا إِلَا ضَرَاوَةَ اللَّحْمِ.
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فإنَّ لَهَا ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ.
وقالوا: أهلك الرجال، الأحمران الحم وَالْخَمْرُ، وَأَهْلَكَ النِّسَاءَ الْأَصْفَرَانِ الذَّهَبُ وَالزَّعْفَرَانُ.
وَقَالَ الشَّاعِرُ حِينَ مُنِعَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ:
أَلَمْ تَرَ أنَّ الدَّهْرَ يَعْثُرُ بِالْفَتَى وَلَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ صَرْفَ الْمَقَادِرِ
صَبَرْتُ وَلَمْ أَجْزَعْ وَقَدْ مَاتَ إِخْوَتِي وَمَا أَنَا عَنْ شُرْبِ الطِّلَاءِ بِصَابِرِ
رَمَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَتْفِهَا فَخُلَّانُهَا يَبْكُونَ حَوْلَ الْمَعَاصِرِ
فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَنَافِعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وَأَمَّا مَنَافِعُ الْمَيْسِرِ فإنَّ أَهْلَ الثَّرْوَةِ وَالْأَجْوَادَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ وَجَدْبِ الْبِلَادِ وَكَلَبِ الزَّمَانِ يُيْسِرُونَ أَيْ يَتَقَامَرُونَ بِالْقِدَاحِ وَهِيَ عَشَرَةُ أقداح على جزور، يجزرونها ثمانية
[ ٢٠٠ ]
وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا فِي كِتَابِ الْمَيْسِرِ وَبَيَّنْتُ كَيْفَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فَإِذَا قَمَرَ أَحَدُهُمْ جَعَلَ أَجْزَاءَ الْجَزُورِ لِذَوِي الْحَاجَةِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَاسْتَرَاشَ النَّاسُ وَعَاشُوا.
وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَمْدَحُ بَأَخْذِ الْقِدَاحِ وتعيب من لا ييسر وتسنيه الْبَرَمَ قَالَ مُتَمِّمٌ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا:
وَلَا بَرَمًا تُهْدِي النِّسَاءُ لِعِرْسِهِ إِذَا الْقَشْعُ١ مِنْ بَرْدِ الشِّتَاءِ تَقَعْقَعَا
وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْإِسْلَامِيِّينَ ذَكَرَ أَنَّهُ قَامَرَ بالقداح فأفحش إفحاش القائل
[ ٢٠١ ]
وَهُوَ الْأَخْطَلُ:
وَلَسْتُ بِصَائِمٍ رَمَضَانَ طَوْعًا وَلَسْتُ بَآكِلٍ لَحْمَ الْأَضَاحِي
وَلَسْتُ بِقَائِمٍ كَالْعِيرِ أَدْعُو قُبَيْلَ الصُّبْحِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ
وَلَكِنِّي سَأَشْرَبُهَا شَمُولًا٢ وَآكُلُ مَا تَفُوزُ بِهِ قِدَاحِي
قَالَ: وَأَمَّا ذَمُّهُمْ شَرَبَةَ الْمُسْكِرِ بِقِلَّةِ الْوَفَاءِ وَسُوءِ الْعَهْدِ فَأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ إقْدَامُهُمْ عَلَى السُّكْرِ وَتَرْكُ الصَّلَاةِ وَرُكُوبُ الْفَوَاحِشِ. وَأَعْجَبُ مِنْهُ عَقْدُهُمْ عَلَى أن كل مسكر خمر وحض لِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ وَهُمْ يَشْرَبُونَهُ، وَعِلْمُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ السُّكْرَ، وَهُمْ لَا يَبِيتُونَ إِلَّا عَلَيْهِ، فَإِذَا عُوتِبُوا عَلَى شُرْبِهِ مَعَ الِاعْتِمَادِ أنه خمر
[ ٢٠٢ ]
قَالُوا: لِأَنْ نَشْرَبَهُ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ ذَنْبٌ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ، أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَشْرَبَهُ مُسْتَحِلِّينَ لَهُ غَيْرَ مُسْتَغْفِرِينَ مِنْهُ.
وَمَا أَدْرِي أَمِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْجَبُ أَمْ مِنَ الْعِلَّةِ، أَمَّا الْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ تعالى والإقدام عَلَى مَا حَرَّمَ فِي كِتَابِهِ عندهم تحريم الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَنِكَاحَ ذوات ١ - القشع والقشعة بيت من أدم أو جلد والقعقعة حكاية أصوات الجلود اليابسة ٢ - الشمول كصبور الخمر أو الباردة منها كامشمولة الْمَحَارِمِ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ فَالطَّمَعُ فِي الْمَغْفِرَةِ وَهُمْ مُصِرُّونَ لَا يَنْصَرِمُ عَنْهُمْ يَوْمُ جُمُعَتِهِمْ إِلَّا عَقَدُوا النِّيَّةَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِي غَدِهِ أَوْ بَعْدَ غَدِهِ، وَإِنَّمَا يَغْفِرُ اللَّهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُقْلِعِينَ، وَيَتَقَبَّلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَكَيْفَ جَعَلُوا مَا جَاهَرُوا اللَّهَ بِالْعِصْيَانِ فِيهِ وَهُمْ مُسْتَيْقِنُونُ أَسْلَمَ مِمَّا رَكِبُوهُ وَهُمْ غَارَّونَ وَمَاذَا يَقُولُونَ فِي رَجُلٍ زَنَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا وَآخَرَ زَنَى وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّ الزِّنَا مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي تُسْخِطُ الرَّبَّ وَتُوجِبُ النَّارَ، أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ، وَأَوْلَى من الله بالعفو، أو ليس أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أنَّ الَّذِي لَا يَعْلَمُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ من جلد وتعزير وَلَا رَجْمٍ، وَأَنَّ عَلَى الآخَرِ حَدَّ الْبِكْرِ إِنْ كَانَ بِكْرًا وَحَدَّ الْمُحْصَنِ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، فَهَذِهِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا وَأَمَّا أَحْكَامُ الآخِرَةِ فَلَوْلَا كَرَاهَةُ التَّأَلِي عَلَى اللَّهِ لَقُلْنَا فِي الَّذِي رَكِبَ الْفَاحِشَةَ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَقَدْ روى أنَّ رجلا لأقر بِالزِّنَا بِأُمِّ مَثْوَاهُ، فَلَمَّا أُمِرَ بإقامة الحد عليه
[ ٢٠٣ ]
قَالَ: مَا عَلِمْتُ إنَّ اللَّهَ حرم ذلك فاستحلف، ثم دريء عَنْهُ الْحَدُّ.
وَكَانَتِ الْعُلَمَاءُ تَنْهَى الْعَوَامَّ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَقَالُوا: لِأَنْ يُؤْتَى الشَّيْءُ عَلَى جَهْلٍ بِهِ أَسْلَمُ مِنْ أنَّ يُؤْتَى عَلَى عِلْمٍ.
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النُّفُوسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ فَكَرِهْتَ أَنْ تطلع عليه الناس.
وقال أبو مسعود الإثم جواز القلب وهي الهوادج فِيهَا بِالشُّكُوكِ فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ يَكُونُ بِمَا قَدَحَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشَّكِّ فَكَيْفَ هُوَ فِيمَا يتيقنه القلب، أو ليست الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ.
حَدَّثَنَا أَصْحَابُ الْأَصْمَعِيِّ عَنْهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَجُلًا مَرَّ بِقَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُمْ فِيهِ فَقَالَ لِرَجُلٍ: مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: يَقُولُونَ قَرْنُ عَنْزٍ قَرْنُ تَيْسٍ فَقَالَهَا فَغُفِرَ لَهُ.
حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْعَجَمِ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا رَأَى أَكُفَّ النَّاسِ مُنْبَسِطَةً، وَأَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ مُرْتَفِعَةً وَأَقَاوِيلَهُمْ بِضُرُوبِ الْمَسَائِلِ مُخْتَلِفَةً، وَرَأَى لِسَانَهُ لَا يَنْطِقُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَجِيشُ بِهِ صُدُورُهُمْ، عَمَدَ إِلَى صَحِيفَةٍ وَكَتَبَ فِيهَا حَوَائِجَهُ إِلَى اللَّهِ تعالى ونصبها على عالية روح كَانَ مَعَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السماء، فأعجب ذاك النَّاسَ، وَعَطَفُوا عَلَيْهِ بِالْمِقَةِ، وَرَجَوْا لَهُ مِنَ الْقَبُولِ، أَكْثَرَ مِمَّا رَجَوْا لِمَنْ أَسْهَبَ فِي الْقَوْلِ.
[ ٢٠٤ ]
وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَيْضًا شُرْبُهُمْ مِنْهُ الْغَلِيظَ الْكَاظَّ الْقَبِيحَ مَنْظَرًا، الردي مخبرًا، الذي نشوته سدد، وَعَاقِبَتُهُ دَاءٌ، وَالْخَمْرُ مُعْرِضَةٌ بِصَفَائِهَا وَطِيبِ رَائِحَتِهَا، وَسُهُولَةِ مَسْلَكِهَا، وَهُوَ معرض عنها التقزز، وَيَصُونُ عَنْهَا الثَّوْبَ، وَلَوْ عُرِضَ عليه بكأس منها مِنَ الْعِقْيَانِ لَمْ يَشْرَبْهُ، فَمَاذَا الْعُذْرُ أنَّ كَانَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ في الترك مَا هُوَ أَنْفَعُ إِلَى مَا هُوَ أَضَرُّ، وَمَا هُوَ أَغْلَى إِلَى مَا هُوَ أَخَسُّ، هَيْهَاتَ مَا ذَاكَ إِلَّا لِفَرَقٍ وَاقِعٍ فِي الْقُلُوبِ، وَشَهَادَاتُ الْأَفْعَالِ أَعْدَلُ مِنْ شَهَادَاتِ الْمَقَالِ. وَأَمَّا قَوْلُ الشُّعَرَاءِ فِي شَارِبِي النَّبِيذِ وَالْمُنَادِمِينَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالُوا أَخْبَثَ مِنْهُ فِي تَارِكِي النَّبِيذِ وَالْهَاجِرِينَ لَهُ قَالَ ابْنُ بِيضٍ الشَّاعِرُ:
أَلَا لَا يَغُرَّنْكَ ذُو سَجْدَةٍ يَظَلُّ بِهَا دَائِبًا يَخْدَعُ
وَمَا لِلتُّقَى لَزِمَتْ وَجْهَهُ وَلَكِنْ لِيَأْتِيَ مُسْتَوْدَعُ
ثَلَاثُونَ أَلْفًا حَوَاهَا السُّجُودُ فَلَيْسَتْ إِلَى رَبِّهَا تُرْجَعُ
وَرَدَّ أَخُو الْكَأْسِ مَا عَنْدَهُ وَمَا كُنْتُ في رده أطمع
[ ٢٠٥ ]
وَقَالَ آخَرُ:
أَمَّا النَّبِيذُ فَلَا يَذْعَرْكَ شَارِبُهُ وَاحْفَظْ ثِيَابَكَ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْمَاءَ
قَوْمٌ يُوَرُّونَ عَمَّا فِي نُفُوسِهِمُ حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنُوا كانوا هو الدَّاءَ
مُشَمِّرِينَ إِلَى أَنْصَافِ سُوقِهِمُ هُمُ الذِّئَابُ وَهُمْ يُدْعَونَ قُرَّاءَ
وَقَالَ أَعْرَابِيُّ:
صَلَّى فَأَعْجَبَنِي وَصَامَ فَرَابَنِي نَحِّ الْقَلُوصَ عَنِ الْمُصَلِّي الصَّائِمِ
وَقَالَ آخَرُ:
شَمِّرْ ثِيَابَكَ وَاسْتَعِدَّ لقابلٍ وَاحْكُكْ جَبِينَكَ لِلْقَضَاءِ بِثُومِ
وَامْشِ الدَّبِيبَ إِذَا مَشَيْتَ لِحَاجَةٍ حَتَّى تُصِيبَ وَدِيعَةً لِيَتِيمِ
وَقَالَ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ:
أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ سَمْتًا وَعَلَى الْمَنْقُوشِ دَارُوا
وَلَهُ صلوا وصاموا وله حجوا وزادوا
لَوْ بَدَا فَوْقَ الثُّرَيَّا وَلَهُمْ رِيشٌ لَطَارُوا
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ فِي بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ:
أَبِلَالُ إِنِّي رَابَنِي مِنْ شَأْنِكُمْ قَوْلٌ تُزَيِّنُهُ وَفِعْلٌ مُنْكَرٌ
مالي أَرَاكَ إِذَا أَرَدْتَ خِيَانَةً جَعَلَ السُّجُودُ بِحُرِّ وَجْهِكَ يَظْهَرُ
مُتَخَشِّعًا طبًا بكل عَظِيمَةٍ تَتْلُو الْقُرَآنَ وَأَنْتَ ذِئْبٌ أغبر
[ ٢٠٦ ]
وَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ مِنَ الْحَبْسِ:
أَنْتَ يَا ابْنَ الرَّبِيعِ علَّمْتَنِي الْخَيْرَ وَعَوَّدْتَنِيهِ وَالْخَيْرُ عَادَهْ
فَارْعَوَى بَاطِلِي وَرَاجَعَنِي الْحِلْمُ وَأَحْدَثْتُ تَوْبَةً وَزَهَادَهْ
لَوْ تَرَانِي ذَكَرْتَ بِي الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فِي حَالِ نُسْكِهِ أَوْ قَتَادَهْ
مِنْ خُشُوعٍ لِرَيْبَةٍ بِخُضُوعٍ وَاصْفِرَارٍ مِثْلِ اصْفِرَارِ الْجَرَادَهْ
التَّسَابِيحُ فِي ذِرَاعِي وَالْمُصْحَفُ فِي لَبَّتِي مَكَانَ الْقِلَادَهْ
فَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَرَى طُرْفَةً تَعْجَبُ مِنْهَا مَلِيحَةً مُسْتَفَادَهْ
فَادْعُ بِي لَا عمدت تَقْوِيمَ مِثْلِي فَتَأَمَّلْ بِعَيْنِكَ السِّجَّادَهْ
تَرَ إثْرًا مِنَ الصَّلَاةِ بِوَجْهِي تُوقِنُ النَّفْسُ أَنَّهَا مِنْ عِبَادَهْ
لَوْ رَآهَا بَعْضُ الْمُرَائِينَ يَوْمًا لَاشْتَرَاهَا يُعِدُّهَا لِلشَّهَادَهْ
وَلَقَدْ طَالَمَا شَقِيتُ وَلَكِنْ أَدْرَكَتْنِي عَلَى يَدَيْكَ السعاده
قال وهؤلاء المراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، الْعَامِلُونَ لِلنَّاسِ وَالتَّارِكُونَ لِلنَّاسِ، وَالْمُرْتَهِصُونَ لِلدُّنْيَا بِالدِّينِ شِرَارُ الْخَلْقِ وأرذال البرية،
[ ٢٠٧ ]
وقد في فَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى شَرَبَةَ النَّبِيذِ عَلَيْهِمْ، بِإِرْسَالِ الْأَنْفُسِ عَلَى السَّجِيَّةِ، وإظهار المرؤة، ولسنا نصف بهذه الْأَدْنِيَاءَ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ مِنَ النَّاسِ صِنْفٌ إِلَّا وَفِيهِ حُشْوَةٌ وَلَهُ شَوْبٌ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ كَانَ تَرَكَ النَّبِيذَ ثُمَّ عَادَ فِيهِ:
قَدْ كُنْتُ تُبْتُ مِنَ النَّبِيذِ وَلَا أَرَى أَحَدًا مِنَ الْأَشْرَافِ إِلَّا يشرب
فخلفت لَا أَدَعُ النَّبِيذَ وَلَا أَرَى إِلَّا إِلَى أَصْحَابِهِ أَتَقَرَّبُ
مَا مِنْ أَخٍ لِي مُنْذُ كَانَتْ تَوْبَتِي إِلَّا تَجَنَّبَنِي كَأَنِّي أَجْرَبُ
وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تَائِبٌ إِنْ كُنْتُ تُبْتُ فَقَدْ نَكَثْتُ فَجَرِّبُوا
وَقَدْ دَرَجَ النَّاسُ فِي مَآكِلِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ وَزِيِّهِمْ وَظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ عَلَى أمرلم يُصْبِحِ النَّاسُ الْيَوْمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا.
كَانَ الصَّالِحُونَ من سلف يتمازحون ويضحكون ويرفعون رؤوسهم. وكان رسول الله) يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، وسابق عائشة رحمها الله عليها فسبقها وَسَبَقَتْهُ أُخْرَى. وَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الدِّرْكِلَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، وَقَامَ يَنْظُرُ إِلَى وَفْدِ الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَزْفِنُونَ. وَمَازَحَ عَجُوزًا فَقَالَ إِنَّ الْجَنَّةَ لا
[ ٢٠٨ ]
يَدْخُلُهَا الْعُجُزُ. وَاسْتَدْبَرَ رَجُلًا يُقَالُ له زاهر وأخذ بعينه مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي الْعَبْدَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِذَنْ تجدني الله رَسُولَ اللَّهِ كَاسِدًا. وَكَانَتْ فِي عَلِيٍّ ﵁ دُعَابَةٌ، وكان ابن سيرين يضحك حتة يسيل لعابهن وَخَطَبَ امْرَأَةً فُرَدَّ عَنْهَا فَقَالَ:
نُبِّئْتُ أنَّ فَتَاةً كُنْتُ أَخْطُبُهَا عرقو بها مِثْلُ شَهْرِ الصَّومِ فِي الطُّولِ
وَخَطَبَ أُخْرَى فَزُوِّجَ فَقَالَ.
كَأَنَّ الْمُدَامَةَ وَالزَّنْجَبِيلَ وَرِيحَ الْخُزَامَى وَذَوْبَ العسل
يعلل بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا إِذَا النَّجْمُ وسط السماء اعتدل
[ ٢٠٩ ]
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ قَوْمٍ فَأَنْشَدْتُ شِعْرًا، فَقَالُوا: قُمْ فَقَدْ أَحْدَثْتَ، فَأَتَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمُتَوَضَّإِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ لِيُكَبِّرَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ:
دِيَارٌ لِرَمْلَةَ إِذْ عَيْشُنَا بِهَا عَيْشَةُ الأنعم الأفضل
واذودها فَارِغٌ لِلصَّدِيقِ لَمْ يَتَغِيَّرْ وَلَمْ يُشْغَلِ
كَأَنَّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ والقرقفية بالفلفل
تعلل بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا قَبِيلَ الصَّبَاحِ وَلَمْ يَنْجَلِ
ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الضَّبِّيُّ: أَتَيْتُ مِسْعَرَ بْنَ كِدَامٍ مَعَ جَمَاعَةٍ فَأَلْفَيْنَاهُ يُصَلِّي فَأَطَالَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ:
أَلَا تِلْكَ عَزَّةُ قَدْ أَقْبَلَتْ تَرَفَّعُ دُونِيَ طَرْفًا غَضِيضًا
تَقُولُ مَرِضْتُ فَمَا عُدْتَنَا وَكَيْفَ يَعُودُ مَرِيضٌ مريضًا
[ ٢١٠ ]
ثُمَّ قَالَ صَلُّوا.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْشِدُ وَهُوَ مُحْرِمٌ:
وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا إِنْ تَصْدُقِ الطيرننك لَمِيسَا
فَقَالُوا لَهُ: أَتَقُولُ الرَّفَثَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا الرَّفَثُ عِنْدَ النِّسَاءِ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ.
وَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ إِلَى شُرَيْحٍ فِي مُنَازَعَةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فقضى عليه شريخ، فقال له الرجل: أتقضني عَلَيَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ فَقَالَ: شَهِدَ عِنْدِي ثِقَةٌ، فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: ابْنُ أُخْتِ خَالَتِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ دُلُّونِي عَلَى رَجُلٍ بَكَّاءٍ بِاللَّيْلِ بَسَّامٍ بِالنَّهَارِ. وَضَحِكَ رَسُولُ الله) وَأَصْحَابُهُ مِنْ قِصَّةِ نُعَيْمَانَ وَسُوَيْبِطٍ حين خرجا مع
[ ٢١١ ]
أَبِي بَكْرٍ إِلَى الشَّامِ وَبَاعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَوْلًا.
فَهَذِهِ قِصَّةُ الْخِيَارِ فِي تَرْكِ التَّصَنُّعِ، وَإِرْسَالِ الْأَنْفُسِ عَلَى السَّجَايَا فِيمَا لَا يَحْرُمُ. فَقَدْ ضَرَبَ النَّاسُ الْيَوْمَ بأذقانهم على صدورهم ونظروا الشرز.
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ: ارْفَعُوا رؤوسكم لَا يَزِيدُ الْخُشُوعُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ. وَكَانَ النَّاسُ يَلْبَسُونَ مَا وَجَدُوا مِنَ الْخَزِّ وَالْيُمْنَةِ وَالْحِبَرَاتِ وَالْكَرَابِيسِ وَالصُّوفِ، مِنْهُمْ تَمِيمٌ الداري كَانَ يَلْبَسُ حُلَّةً بَأَلْفِ دِرْهَمٍ يصلي فيها.
[ ٢١٢ ]
وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَلْبَسُ الْخَزِّ.
وَكَسَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ بُرْنُسًا فَبَاعَهُ محمد بخمسمائة دِرْهَمٍ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرْتَدِي رِدَاءً بِأَلْفٍ. وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَلْبَسُ مِلْحَفَةً مُعَصْفَرَةً، وَيَجْلِسُ عَلَى مَجْلِسٍ مُعَصْفَرٍ، فِي حَجَلَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ الْعَنْقَاءِ.
وَكَانَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَلْبَسُ جُبَّةَ ومطرف خر ويجالس المساكين.
[ ٢١٣ ]
وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَلْبَسُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ زِينَةُ الشَّيْطَانِ، وَأَتَخَتَّمُ الْحَدِيدَ، وَأَعْلَمُ أَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا أراد إبراهيم إخفاء نفسه بمثل ذلك اللِّبَاسِ، وَمُجَالَسَةَ الشُّرَطِ وَمُخَالَفَةَ قَوْمٍ مِنَ الْأَدْنِيَاءِ، لِئَلَّا يَذْكُرُوا بِاللَّهِ ﷿ فمن عَمِلَ لِوَجْهِهِ عَمَلًا أَنْ يُشْهِرَهُ بِالْخَيْرِ، وَيَطَّلِعَ مِنْهُ عَلَى السَّرِيرَةِ، كَمَا أَبَى فِيمَنْ لَبِسَ لِلنَّاسِ وَشَرِبَ لِلنَّاسِ وَعَمِلَ لِلنَّاسِ وَتَرَكَ لِلنَّاسِ أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ لَهُ عَلَمًا أَوْ يُبْقِيَ لَهُ ذِكْرًا فِي الْآخِرِينَ. وَكَانَ أَيُّوبُ يَلْبَسُ قلنسوة أفراب. وَقَالَ لِأَنْ أَلْبَسَهَا لِعُيُونِ خَيْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنَّ أَدَعَهَا لِعُيُونِ النَّاسِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ) يَتَطَيَّبُ وَقَالَ: قَدْ حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ من أجود الناس غالية. كان ابن عباس يلطخ
[ ٢١٤ ]
بِالْمِسْكِ عَلَى يَافُوخِهِ فَيُرَى كَأَنَّهُ الرُّبُّ وَقَالَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ: كُنْتُ أَشُمُّ الْمِسْكَ مِنْ سَوْطِ ابْنِ شِهَابٍ.
فَقَدْ كَان اللِّبَاسُ وَالطِّيبُ مِنَ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ ذَا مِنْ قُرَّاءِ زَمَانِنَا يَلْبَسُ خَزًّا أو حبر أَوْ يَمَسُّ طِيبًا إِذَا كَانَتْ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ وَتَزُولُ بِزَوَالِ التَّقَشُّفِ عَنْهُ وَوَسَخِ الثَّوْبِ، وَتُعِلُّ الرِّيحُ عَدَالَتَهُ.
قَالَ أَيُّوبُ وَذُكِرَ لَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَقَشَّفُونَ: مَا عَلِمْتُ أنَّ الْقَذَرَ مِنَ الدِّينِ.
وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ حَلَالَ النَّبِيذِ فِي عُرُسَاتِهِمْ وَمَآدِبِهِمْ وَعَلى غَدَائِهِمْ وَعَشَائِهِمْ، وَيَوْمَ دَوَائِهِمْ، وَلَا يَسْتَتِرُونَ بِذَلِكَ.
[ ٢١٥ ]
قال حفص بن عتاب كُنْتُ عِنْدَ الْأَعْمَشِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَبِيذٌ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ طلبة الحديث فستره، فَقَالَ لِي: لِمَ سَتَرْتَهُ؟ فَكَرِهْتُ أنَّ أَقُولَ لِئَلَّا يَرَاهُ مَنْ يَدْخُلُ فَقُلْتُ: كَرِهْتُ أنَّ يَقَعَ فِيهِ ذُبَابٌ فَقَالَ لِي: هَيْهَاتَ إِنَّهُ أَمْنَعُ جَانِبًا.
وَحَضَرَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ بِالشَّامِ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالرَّقَائِقِ وَالزُّهْدِ، مَائِدَةَ صَالِحٍ الْعَبَّاسِيِّ مَعَ فُقَهَاءِ الْبَلَدِ، فَحَدَّثَنِي مَنْ حضر المجلس وهو البحتري ابن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَهُ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ بِثَانٍ فَامْتَنَعَ مِنْ شُرْبِهِ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقَالُوا: شَرِبْتَ الْمُسْكِرَ على أخاوين
[ ٢١٦ ]
هَؤُلَاءِ وَصِرْتَ لَهُمْ حُجَّةً، فَقَالَ: أَحْسَبُكُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ ذَكَرَ اللَّهُ فَقَالَ:) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو معهم (ثُمَّ قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ أَنْ أدعه لكم وأشربه لغير اللَّهِ.
قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِرَجُلٍ عَتَبَ عَلَيْهِ مِمَّنْ كَانَ يَعْدِلُهُ وبقطع بِقَوْلِهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَشْرَبُ الْمُسْكِرَ فَقَالَ: مَا أَشْرَبُ الْمُسْكِرَ وَلَكِنْ أَشْرَبُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ.
وَقَالَ آخَرُ من القضاء لِرَجُلٍ شَهِدَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةٍ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَلْعَبُ بِالْكِلَابِ فَقَالَ: كَذَلِكَ أَيُّهَا الْقَاضِي مَنْ أَخْبَرَكَ أَنِّي أَلْعَبُ، وَلَكِنِّي آخُذُ فِي الصَّيْدِ بِهَا.
وشَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ سَوَّارٍ بِشَهَادَةٍ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ بِشُرْبِ النَّبِيذِ فَقَالَ: أَمَّا النَّبِيذُ فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكِهِ وَلَا شَهَادَةَ لِي مَا عَاشَ سَوَّارُ فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ فِي تَرْكِ الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعَ مِنْ رَجُلٍ سُرِقَتْ نَعْلُهُ فَلَمْ يَشْتَرِ نَعْلًا حَتَّى مَاتَ وَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَتَّخِذَ نَعْلًا فَلَعَلَّ رَجُلًا يَسْرِقُهَا فَيَأْثَمُ.
وَمَرَّ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُ درهم فوقع في التراب فحثوا التراب فوجدوه فقال: أحمد الله كَأَنَّهُ دِرْهَمِي، قَالُوا: أَوَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ نَقْشَهُ فَقَالَ: أَوَ مَا ضُرِبَ تِلْكَ السَّنَةَ غَيْرُهُ.
وَآخَرُ قِيلَ لَهُ كَيْفَ بِرُّكَ بِأُمِّكَ قَالَ: لَيْتَنِي لَمْ أُقَبِّلْهَا.
وَقَالَ آخَرُ نَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ عَرَفَاتٍ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُمْ لَوْلَا أَنِّي كُنْتُ فِيهِمْ.
وَقِيلَ لِآخَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ لِمَ لَا تَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي دَلْوٌ لَشَرِبْتُ.
وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِرَجُلٍ بِكِيسٍ فَقَالَ الرَّجُلُ آخُذُ " الْخَيْطَ " فَقَالَ عُمَرُ: ضَعِ الْكِيسَ.
وَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنَسِيَ مَالًا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ ذَكَرَهُ، فبعث رسولا ليأته بِهِ، فَقِيلَ لَهُ: وَأَيْنَ تَجِدُهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيَأْخُذُ أَحَدٌ ما ليس له.
[ ٢١٧ ]
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ سَأَلَنِي سَهْلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مَا سُئِلْتُ عَنْ مِثْلِهَا، قَالَ: أستنجي بصدر عيري، وقال قاسمت أخواتي وَبَيْنَنَا مِئْزَرٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ وَبِي الْبَطْنُ أَفَأَدْخُلُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْخُلُهُ شركائي. وقال أن لي ثوبا عَلَى بَابِ دَارِنَا وَلَيْسَ لِي فِي ذَلِكَ الْمَاءِ نَصِيبٌ أَفَأَنْتَفِعُ بورقه.
وقال آخر دخل رجل ع مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَقَالَ: أَفْطَرْتُ الْبَارِحَةَ عَلَى رَغِيفٍ وَزَيْتُونَةٍ وَنِصْفِ زيتونه وثلث أو زيتونه وثلثين ما عَلِمَ اللَّهُ مِنْ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ: يا فتى بنعنا أَنَّ مِنَ الْوَرَعِ مَا يَمْقُتُهُ اللَّهُ.
قَالَ: وَكَانَ آخَرُ رُبَّمَا قَالَ فَعَلْتُ كَذَا حَتَّى صَارَ النَّجْمُ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِي أَوْ حِينَ جَازَنِي شَيْئًا أَوْ قُبَيْلَ أَنْ يُوَارِيَ هَامَتِي كَذَا هُوَ عِنْدِي وَفِي أَغْلَبِ ظَنِّي وَأَكْرَهُ أَنْ أَجْزِمَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَمَا قُلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ يَطُولُ بِاقْتِصَاصِهِ الْكِتَابُ وَيَخْرُجُ عَنْ فَنِّهِ وَنَحْنُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ نَتَزَيَّنَ عِنْدَ النَّاسِ بِمَا يَشِينُنَا عِنْدَهُ أو نقترب إِلَيْهِمْ بِمَا يُبَاعِدُنَا مِنْهُ وَأَنْ نُشْرِكَ بِعَبَادَةِ رَبِّنَا أَحَدًا.
هَذَا آخِرُ قَوْلِ الْمُطْلِقِينَ وَحُجَجِهِمْ قَدْ قابلنا به قول الحاضرين وَحُجَجَهُمْ، وَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قَوْمٌ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ حَلَالِ النَّبِيذِ وَحَرَامِهِ بِالنَّارِ، وَقَالُوا مَا طُبِخَ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا كَانَ مِنَ النَّقِيعِ زما أَشْبَهَهُ مِمَّا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَبِالسُّنَّةِ مُشَبَّهٌ بِالْخَمْرِ.
[ ٢١٨ ]
وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ وَحَرَّمُوا الْخَلِيطَيْنِ وَإِنِ اسْتُخْرِجَ شَرَابُهُمَا بِالنَّارِ، وَحَرَّمَ آخَرُونَ بِالظُّرُوفِ مِنَ الدُّبَّاءِ والختم الْمُقَيَّرِ وَالْمُزَفَّتِ وَأَحَلُّوا بِالْأَسْقِيَةِ وَتَرَدَّدَ آخَرُونَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ وَأَجْمَعُوا جَمِيعًا عَلَى أنَّ تَرْكَهُ خَيْرٌ مِنْ شُرْبِهِ وَالتَّنَزُّهَ عَنْهُ أَسْلَمُ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَأَحْسَنُ فِي الْأُحْدُوثَةِ، وَأَصْوَنُ لِلْمُرُوءَةِ، خَلَا رَجُلَيْنِ كَانَا بِهِ مُغْرَمَيْنِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ كَانَ يَقُولُ: شُرْبُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ وَأَحَلُّهُ أَصْلَبُهُ، وَالْآخَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ كَانَ يَقُولُ شُرْبُ نَبِيذِ السِّقَاءِ مِنَ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْجِرِّيِّ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَمَنْ شَرِبَهُ فَقَدْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَرَكَ شُرْبَهُ فَقَدْ أَمَاتَهَا وَهَذَا تَسْوِيلُ النَّفْسِ، وَمُسَاعَفَةُ الْهَوَى، وَتَزْيِينُ الشَّيْطَانِ وأظهر خرف عقد الضمير باللسان.
[ ٢١٩ ]