وأما ما نذهب إليه ونراه مِنَ الْقَوْلِ خَارِجًا مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّقْصِيرِ فَتَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِالْكِتَابِ وَتَحْرِيمُ الْمُسْكِرِ بِالسُّنَّةِ وَكَرَاهَةُ مَا أفْتَرَ وَأَخْدَرَ مِنَ الأَشْرِبَةِ تَأْدِيبًا وَالْمُحَرَّمُ شَيْئَانِ شَيْءٌ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَصًّا فِي الْقُرْآنِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ والْخَمْرِ وَهَذَا فَرْضٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَجْتَنِبُوهُ وَلَا يطمعوه فَمَنْ طَعِمَ مِنْهُ شَيْئًا عَامِدًا غَيْرَ مُسْتَغْفِرٍ مِنْهُ وَلَا نَادِمٍ عَلَيْهِ فَالنَّارُ مَثْوَاهُ إِلَّا أَنْ تَلْحَقَهُ رَحْمَةُ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَعَفْوُهُ الَّذِي لَا ييأس منه إلا الكافرون.
ومثل هذا الْمُحَرَّمِ الْفَرَائِضُ نَحْوَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَزَكَاةِ الْمَالِ وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَمَنْ تَرَكَهُ عَامِدًا ثُمَّ لَقِيَ اللَّهَ غَيْرَ مُسْتَغْفِرٍ مِنْهُ وَلَا نَادِمٍ فَهُوَ بِحَالِ الأول.
والمحرم الْآخَرُ شَيْءٌ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ كَسِبَاعِ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ وَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكَتَحْرِيمِهِ الْحَرِيرَ وَالذَّهَبَ وَالدِّيبَاجَ وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحَرِّمُوهُ وَلَيْسَ كَوُجُوبِ الْأَوَّلِ وَلَا التَّغْلِيظُ فِيهِ عَلَى مَنْ خَالَفَ كَالتَّغْلِيظِ فِي الْأَوَّلِ وَقَدْ أَتَتِ الرُّخَصُ في أوله كَالْقَلِيلِ مِنَ الدِّيبَاجِ يَكُونُ فِي الثوب والقليل
[ ٢٢٨ ]
في الحرير.
واستأذن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَسُولَ الله ﵌ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِعِلَّةٍ كَانَتْ بِهِ فَأَذِنَ لَهُ وَلَا بَأْسَ به إذا خالطه في نسيج الْقُطْنُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَحْتًا.
وروي أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ تَخَتَّمَ بالذهب وأصيب أنف عرجفة بن سعد يَوْمَ الْكُلَابِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵌ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذهب.
وكان شُرَيْحٌ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جِلْدِ أَسَدٍ وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَكَلَ لَحْمَ ثَعْلَبٍ لَيْسَ كَمَنْ أَكَلَ لَحْمَ ميتة ومن لبس سَمُّورٍ لَيْسَ كَمَنْ لَبِسَ جِلْدَ خنزير.
ومما يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا حَدِيثٌ حدثني به م بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ قَالَ: حدثنا سالم بْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بن مدرك عن عمارة
[ ٢٢٩ ]
قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﵌ حَائِطَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَرَأَى فِيهِ رَجُلًا مَعَهُ نَبِيذٌ فِي نَقِيرٍ فَقَالَ: أَهْرِقْهُ فَقَالَ: أَوَ تَأْذَنُ لِي فَأَشْرَبَهُ ثُمَّ لَا أَعُودُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵌: اشربه ثم لا تعد.
وحديث بَلَغَنِي عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنِ الضحاك عن زيد بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صُحَارٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي رَجُلٌ مِسْقَامٌ فَأْذَنْ لِي فِي جَرَّةٍ أَنْتَبِذُ فِيهَا فَأَذِنَ لِي. فَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ فِي الظُّرُوفِ
[ ٢٣٠ ]
فهذا يدل على أنه مَا حَرَّمَهُ النَّبِيُّ ﵌ قد يجوز لمن يُتَرَخَّصَ فِيهِ لِمَنْ شَاءَ عَلَى حَسَبِ الْعِلَّةِ وَالْعُذْرِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَخَّصَ فِيمَا حَظَرَ اللَّهُ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أطلقه الله.
ومثل الْمُحَرَّمِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ سُنَّتُهُ الَّتِي سَنَّهَا مِنْ تَوَابِعِ صَلَوَاتِ الْفَرْضِ وَالْوِتْرِ وَالْعُمْرَةِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَلَيْسَ كَوُجُوبِ الْفَرَائِضِ نَفْسِهَا وَلَا يُحْكَمُ عَلَى تَارِكِهِ عَامِدًا بِمَا يُحْكَمُ به على تارك الفرائض عامدا.
وبعد الْمُحَرَّمِ بِالسُّنَّةِ شَيْءٌ نَهَى رَسُولُ الله ﵌ عَنْهُ وَأَمَرَ بِهِ عَلَى جِهَةِ التَّأْدِيبِ فَالْعَمَلُ بِهِ فَضِيلَةٌ وَمَثُوبَةٌ وَلَيْسَ عَلَى تَارِكِهِ عُقُوبَةٌ كَأَمْرِهِ بالتلحي ونهيه عن الامتعاط وَكَنَهْيِهِ عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وَعَنْ كسب الحجام وهذا ليس ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا مِمَّا حرم رَسُولَ اللَّهِ ﵌.
والأشربة بهذا السبيل ما حداه الْخَمْرُ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا حُرِّمَتِ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ولحم الخنزير لا يَحِلُّ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ حَتَّى تَفْسُدَ وَيُفَارِقَهَا الْعَرَضُ الَّذِي حرمها.
والخمر نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأَمَّا الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ فهو ما غلا مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ مِنْ غَيْرِ أن تصيبه النار
[ ٢٣١ ]
أجمع المسلمون جميعا على أنه الخمر لَا يَحِلُّ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا يُسْتَعْمَلُ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَلَا دَوَاءٍ حَتَّى يَنْقَلِبَ فَيَصِيرَ خَلًّا.
والجنس الْآخَرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ نَقِيعُ الزَّبِيبِ إِذَا اشْتَدَّ وَنَقِيعُ التَّمْرِ إِذَا صَلُبَ وَهُوَ السُّكْرُ.
يَقُولُ بَعْضُ الناس ل ذَاكَ بِخَمْرٍ وَيَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ عُمَرَ: مَا انْتُزِعَ بِالْمَاءِ فَهُوَ حِلٌّ وَمَا انْتُزِعَ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَهُوَ حَرَامٌ وَقَالُوا: وَقَدْ فَارَقَ الْخَمْرَ فِي الصِّفَةِ وَالْهَيْئَةِ فَلَيْسَ بِخَمْرٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ خَمْرٌ وَهَذَا القول الأول لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ نَزَلَ وَجُمْهُورُ الناس مختلفة ولكها بقع عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
قَالَ أَبُو مُوسَى خَمْرُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ وَخَمْرُ أَهْلِ فَارِسٍ مِنَ الْعِنَبِ وَخَمْرُ أهل اليمن التبع وخمر الحبشة السكركة
[ ٢٣٢ ]
فخمر البسر والتمر الفضيح والسكركة والتبغ هُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ الَّذِي يَتَّخِذُهُ أَهْلُ مِصْرَ وَالْيَمَنِ. وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ أَيْضًا الْمِزْرُ وَهُوَ مِنَ الشَّعِيرِ وَالسُّكُرْكَةُ مِنَ الذُّرَةِ وَهُوَ الْغُبَيْرَاءُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﵌ عَنْهَا وَقَالَ هِيَ خَمْرُ العالم.
وقول عُمَرَ: الْخَمْرُ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الْبُرِّ وَالَشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ والعسل.
والخمر ما خامر العقل يوضع هَذَا فَأَمَّا مَا شَرِبَهُ رَسُولُ الله ﵌ وصحابته من نبيذ الساقية وَهُوَ نَقِيعٌ فَإِنَّ نَبِيذَ السِّقَايَةِ يتخذ قبل يوم التروية بيوم أو أثنين فيشرب النَّاسُ حُلْوًا وَنَاشِئًا وَرُبَّمَا دَخَلَهُ شيء من عرض النبيذ فالرائحة لِحَرَارَةِ الْبَلَدِ وَسُرْعَةِ تَغَيُّرِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ فِيهِ وَلَيْسَ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ حَرَامًا وَإِنَّمَا يَحْرُمُ إِذَا دَخَلَهُ عَرَضُ الْخَمْرِ واعتبرته النشوة وصلب.
[ ٢٣٣ ]
أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵌ كَانَ يُنْقَعُ لَهُ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ ثَلَاثًا فَإِذَا جَازَ ذلك أمر به فكسب أَوْ سَقَاهُ الْخَدَمَ لِأَنَّهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ يَتَغَيَّرُ شَيْئًا فَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ لَا أَنَّهُ حَرَامٌ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا سَقَاهُ أَحَدًا. وَهَذَا كَتَرْكِهِ أَكْلَ الثَّوْمِ تَنَزُّهًا عَنْهُ وَصَوْنًا لِلْوَحِي وَإِذْنِهِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أكله إذا طبخ.
وأما قَوْلُ عُمَرَ مَا انْتُزِعَ بِالْمَاءِ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا انْتُزِعَ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَهُوَ حَرَامٌ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عن عمر.
والثاني من الأشربة المسكر وهي مُحَرَّمٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ كما حرمت لحوم السباعو لحوم الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَلُحُومُ ذَوَاتِ الْمَخَالِبِ مِنَ الطَّيْرِ وَلَيْسَ التَّغْلِيظُ فِيهَا كَالتَّغْلِيظِ فِي الْخَمْرِ وَإِنْ كَانَتْ حراما.
[ ٢٣٤ ]
ولا يَكُونُ مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ نَبِيذَ الزَّبِيبِ أَوْ نَبِيذَ التَّمْرِ وَإِنْ أَسْكَرَ كَثِيرُهُمَا كَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا كَمَا أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ لَيْسَ كَأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ عَلَى مَا مَثَّلْتُ لَكَ مِنْ تَشْبِيهِ الْمُحَرَّمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِالْفُرُوضِ وَتَشْبِيهِ الْمُحَرَّمِ بِنَهْيِ رَسُولِ الله ﵌ بالسنن.
والمسكر مِنَ الشَّرَابِ كُلُّ مَا صَلُبَ وَاشْتَدَّ وَازْدَادَ عَلَى مَرِّ الْأَيَّامِ جَوْدَةً مِنْ نَبِيذِ الزَّبِيبِ الْمَطْبُوخِ مفردين وخليطين والطلا ونبيذ الدادي وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُسْكِرًا لِأَنَّهُ مُدْخَلٌ فِي السُّكْرِ وَالسُّكْرُ ذهاب العقل.
وقد اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي السُّكْرِ الْمُوجِبِ للحد فكان مالك ابن أَنَسٍ يَقُولُ: السَّكْرَانُ الَّذِي يَغِيبُ وَيَخْلِطُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: السَّكْرَانُ الَّذِي فَارَقَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الحلم والسكون إلى السفهة والجهل.
[ ٢٣٥ ]
وقال الثَّوْرِيُّ هُوَ الَّذِي اخْتُلِسَ عَقْلُهُ وَلَا يُقِيمُ آيَةً وَإِنِ اسْتَقَرَّ بِهَا وَإِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ أجاب عن غيره.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: السَّكْرَانُ الَّذِي يَذْهَبُ عَقْلُهُ فَلَا يَعْرِفُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ وَهُوَ مُقَارِبٌ لِقَوْلِ الثَّوْرِيِّ غَيْرَ أَنَّ أَدْنَى السُّكْرِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الثَّوْرِيُّ مِنَ اخْتِلَاسِ الْعَقْلِ وَغُرُوبِ الْعَقْلِ حَتَّى يُجِيبَ عَنْ غَيْرِ ما يسأل عنه، ولا قيم آية أن استقرأها، وأشهده ذَهَابُ الْعَقْلِ حَتَّى لَا يَفْهَمَ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، لأنَّ السُّكْرَ فِي اللُّغَةِ رَيْنُ الشَّرَابِ عَلَى الْعَقْلِ، وَإِلْبَاسُ سَوْرَتِهِ الدِّمَاغَ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَدَدْتَهُ فَقَدْ سَكَرْتَهُ، وَمِنْهُ مَا قِيلَ لِمَا سُدَّ بِهِ مَجَارِي الْمِيَاهِ السُّكُورُ وَاحِدُهَا سَكْرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى) لَقَالُوا إِنَّمَا سكرت أبصارنا (أَيْ غُشِّيَتْ شَيْئًا أَزَالَ النَّظَرَ عَنْ حَقَائِقِهِ كَمَا يَقُولُ الْعَوَامُّ أَخَذَ فُلَانٌ بِعَيْنِي، وَهَذَا لَا يُقَالُ لَهُ خَمْرٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ فَعَلَ فعلَ الْخَمْرِ، لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ نَزَلَ وَالنَّاسُ لَا يَنْتَبِذُونَ بِالنَّارِ فَحَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ)، وَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ عَلَى مَجَازِ اللُّغَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْرِ، لِأَنَّهُ حَرَّمَهُ بِالسُّنَّةِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَمْرَ بِالْكِتَابِ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرًا وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى أَنْ يَقُولَ هَذَا الْقَوْلَ، وَلَاكْتَفَى بِمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تعالى بالقران، ولكن الخمر كان عِنْدَ الْعَرَبِ مَا أَعْلَمْتُكَ فَاعْلَمْهَا أن هذا شبيه بها.
وهكذا كَرَجُلٍ قَالَ: لَيْسَ عِنْدَنَا بُرٌّ وَإِنَّمَا غِذَاؤُنَا الشَّعِيرُ فَيَقُولُ لَهُ القائل: كُلُّ مُشْبِعٍ بُرٌّ يُرِيدُ أَنَّهُ يقوم مقام البر،
[ ٢٣٦ ]
وكذلك نقول المتعة زنا أَوْ مِنَ الزِّنَا، فَلَيْسَ ذَلِكَ على الحقيقة، وإنما نريد أَنَّهَا شَبِيهَةٌ بِهِ لِتَحْرِيمِ رَسُولِ الله) لَهَا، بَعْدَ أَنْ أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَنَدْخُلُ عَلَى مَنْ زعم إنها زنا عَلَى الْحَقِيقَةِ أَنْ يَقُولَ إِنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الزِّنَا وَأَذِنَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ النَّرْدُ مَيْسِرٌ وَمِنَ الْمَيْسِرِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، لأنَّ الْمَيْسِرَ ضَرْبُ الْقِدَاحِ عَلَى أَجْزَاءِ الْجَزُورِ، فَلَمَّا كَانَتِ النَّرْدُ قمارًا وكانت بفصين، وكانت الْمَيْسِرُ قُمَارًا، وَكَانَ بِقِدَاحٍ، قِيلَ النَّرْدُ مَيْسِرٌ عَلَى التَّشْبِيهِ. وَقَالَ الْأَضْبَطُ بْنُ قُرَيْعٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ قَوْمُهُ أَسَاءًُوا مُجَاوَرَتَهُ وَآذَوْهُ فَرَحَلَ عَنْهُمْ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، فَأَسَاءُوا مُجَاوَرَتَهُ وَآذُوهُ، فَانْتَقَلَ إِلَى آخَرِينَ فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجِعَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَالَ: كُلُّ النَّاسِ بَنُو سَعْدٍ، وَبَنُو سَعْدٍ قومه يريدون أَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ فِي سُوءِ الْمُجَاوَرَةِ وَقَالَ فِي نَحْوِ هَذَا:
فَلَا تَحْسَبَا هِنْدًا لَهَا الْغَدْرُ وَحْدَهَا سَجِيَّةُ نَفْسٍ كُلُّ غَانِيَةٍ هِنْدُ
أَيْ كُلُّ غَانِيَةٍ مِثْلُ هِنْدٍ فِي الْغَدْرِ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ:
يا أخلاي إنما الخمر ذئب وأبو جعدة الطلاء المريب
وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ مَا اشْتَدَّ مِنْهَا فهو للخمر والطلاء نسيب
[ ٢٣٧ ]
وَإِنَّمَا أَخَذَ هَذَا مِنْ قَوْلِ عَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ:
هِيَ الْخَمْرُ تكنى الطلا كَمَا الذِّئْبُ يُكْنَى أَبَا جَعْدَه
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ:
دَعِ الْخَمْرَ يَشْرَبُهَا الْغُوَاةُ فَإِنَّنِي رَأَيْتُ أَخَاهَا ناسكًا لمكانها
قيل فنبيذ الزبيب قال:
فإنَّ لا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهَا بِلِبَانِهَا
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ إِنَّ السَّكْرَانَ هُوَ الَّذِي يَغِيبُ وَيَخْلِطُ وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ إِنَّهُ الَّذِي فَارَقَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحِلْمِ وَالسُّكُونِ إِلَى السَّفَهِ فإنَّ الناس يختلقون فِي أَخْذِ الْكَأْسِ مِنْهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَكَلَّمُ وَيَهْجُرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْكُنُ وَيَفْتُرُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
قَدْ اشهد الشارب المعدل لَا مَعْرُوفُهُ مُنْكَرٌ وَلَا حَصِرُ
فِي فِتْيَةٍ لَيِّنِي الْمَآرِبِ لَا ينسون أحلامهم إذا سكروا
[ ٢٣٨ ]
وَقَالَ آخَرُ:
وَمَا خَيْرُ نَدْمَانٍ سَكُوتٌ كَأَنَّمَا تَدُورُ عَلَيْهِ الْكَأْسُ وَهُوَ كَئِيبُ
إِذَا مَا نُفُوسُ الْقَوْمِ طَابَتْ فَنَفْسُهُ أَبَتْ لَا يَرَاهَا عِنْدَ ذَاكَ تَطِيبُ
وَقَالَ آخَرُ:
يَزِيدُ السَّفِيهَ الْكَأْسُ فِيهِ سَفَاهَةً وَيَتْرُكُ أَخْلَاقَ الْكَرِيمِ كَمَا هِيَا
وَجَدْتُ أَقَلَّ النَّاسِ عَقْلًا إِذَا انْتَشَى أَقَلَّهُمُ عَقْلًا إِذَا كَانَ صَاحِيَا
وَقَالَ آخَرُ:
أُحِبُّ اللَّيِّنِينَ مِنَ النَّدَامَى وَأَبْغَضُ كُلَّ مدمان شَحَاحِ
فَكَيْفَ يُقْضَى عَلَى مَنْ كَانَتْ سَجِيَّتُهُ فِي سُكْرِهِ الْحِلْمَ
والسكوت بالسكران إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَا وَلَكِنِ الْحَالُ الَّتِي يَسْتَوِي فِيهَا النَّاسُ ذَهَابُ الْعَقْلِ وَقَالَ الْأَخْطَلُ في سكران:
ضريح مدام يرفع الشرب رأسه ليحي وَقَدْ مَاتَتْ عِظَامٌ وَمَفْصِلُ
يُهَادِيهِ أَحْيَانًا وَحِينًا يَجُرُّهُ وَمَا كَادَ إِلَّا بِالْحُشَاشَةِ يَعْقِلُ
إِذَا رَفَعُوا عُضْوًا تَحَامَلَ صَدْرُهُ وَآخَرُ مِمَّا نال منها مخبل
[ ٢٣٩ ]
وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ:؟ شَرِبْنَا شَرْبَةً مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ بِأَطْرَافِ الزُّجَاجِ لَهَا هَدِيرُ
وَأُخْرَى بِالْمُرَوَّقِ ثُمَّ رُحْنَا نَرَى الْعُصْفُورَ أَعْظَمَ مِنْ بَعِيرٍ
وأبصرت الذباب إذا علان أَجَلَّ مِنَ الْهِبِلِّ مِنَ النُّسُورِ
وحتى خلت الديك بَنِي نُمَيْرٍ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى السَّرِيرِ
وَخِلْتُ دَجَاجَهُمْ فِي الدَّارِ رُقْطًا وُفُودَ الرُّومِ فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ
وَأَبْصَرْتُ الْكَوَاكِبَ دَانِيَاتٍ يَنَلْنَ أَنَامِلَ الرَّجُلِ الْقَصِيرِ
أُدَافِعُهُنَّ بِالْكَفَّيْنِ عَنِّي وَأَمْسَحُ جَبْهَةَ الْقَمَرِ الْمُنِيرِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَمَا حَرَّمَ الرَّحْمَنُ تَمْرًا كَنَزْتُهُ وَلَا مَا سَقَانِي مِنَ رَكِيَّتِهِ سَعْدُ
إِذَا اصْطَحَبَا في الدن ينتج منها شَرَابٌ إِذَا مَا صُبَّ فِي صَحْنِنَا وَرْدُ
فَمَا ذَرَّ قَرْنُ الشمس حتى كأنما نرى الشخصين بالعين أربعة تعدو
[ ٢٤٠ ]
وقال اسحق بن إبراهيم الموصلي:
وصافية تعشي العيون وقيقة رَهِينَةِ عَامٍ فِي الدِّنَانِ وَعَامِ
أدرنا بها الكأس الروية بينا مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى انْجَابَ كُلُّ ظلام
فما ذر قوت الشَّمْسِ حَتَّى كَأَنَّنَا مِنَ الْعِيِّ نَحْكِي أَحْمَدَ بْنَ هِشَامِ
وَقَالَ آخَرُ فِي أَدْنَى السُّكْرِ:
سَقَانِي هديل مِنْ شَرَابٍ كَأَنَّهُ دَمُ الْجَوْفِ قديدني الحليم من الجمهل
دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَافِرَ الْعَقْلِ صَاحِيًا فَمَا زَالَ بِالتَّقْرِيبِ وَالْأَهْلِ وَالسَّهْلِ
وَمَا زِلْتُ أُسْقَى شَرْبَةً بَعْدَ شَرْبةٍ مِنَ الرَّاحِ حَتَّى رُحْتُ مُتَّهَمَ الْعَقْلِ
سَقَانِي ثَلَاثًا بَعْدَ سَبْعٍ وَأَرْبَعٍ فَحَيَّرْنَ مَا بَيْنَ الذُّؤَابَةِ وَالنَّعْلِ
فَرُحْتُ كَأَنَّ الْأَرْضَ أَرْكُلُ مَتْنَهَا إِذَا هِيَ دَارَتْ بي فيعدلها ركلي
[ ٢٤١ ]
وقال آخر:
حبذا ليلتي تبليونا إذا نُسْقَى شَرَابُنَا وَنُغَنِّي
مِنْ شَرَابٍ كَأَنَّهُ دَمُ جَوْفٍ يَتْرُكُ الشَّيْخَ وَالْفَتَى مُرْجَحِنَّا
حَيْثُ دَارَتْ بِنَا الزُّجَاجَةُ دُرْنَا يَحْسِبُ الْجَاهِلُونَ أَنَّا جُنِنَّا
وَمَرَرْنَا بِنِسْوَةٍ عَطِرَاتٍ وَسَمَاعٍ وَقَرْقُفٍ فَنَزَلْنَا
وَقَالَ أَعْرَابِيٌّ يَذْكُرُ نَفْسَهُ وَنَدَامَاهُ:
إِذَا مَا بَرَزْنَا بِالْفَضَاءِ تَقَحَّمَتْ بِأَقْدَامِنَا مِنْهَا الْمِتَانُ الصَّرَادِحُ
أَيْ أَرْجُلُنَا تَخْتَلِفُ يَقُولُ نحنان مَشَيْنَا فِي مُسْتَوٍ مِنَ الْأَرْضِ فَكَأَنَّ أَرْجُلَنَا تَنْحَدِرُ مِنَ الْمِتَانِ إِلَى هُوَّةِ الصَّرْدَحِ الْمُنْجَرِدِ.
وَالثَّالِثُ مِنَ الْأَشْرِبَةِ مَا أُرِقَّ مِنْ نَبِيذَ الزَّبِيبِ أَوْ نَبِيذَ التَّمْرِ وَطُبِخَ، وَكَانَ مِمَّا يَفْسَدُ عَلَى مُرُورِ الْأَيَّامِ. رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَالِكٍ الرؤاسي
[ ٢٤٢ ]
عن الضحاك ابن مزاجم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ كل نبيذ فسد فَلَا بَأْسَ بِهِ
وَكُلُّ نَبِيذٍ يَزْدَادُ جَوْدَةً عَلَى طُولِ التَّرْكِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. وَهَذَا حَلَالٌ إِنْ شَرِبْتَهُ فِي حَالِ نَشِيشِهِ أَوْ حَالِ غَلَيَانِهِ، أَوْ حَالِ سُكُونِهِ بَعْدَ الْغَلَيَانِ، إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُ لَا يُسْكِرُ وَلَا يُطْبِقُ عَلَى الْعَقْلِ. وَإِنْ كَانَ بِالْكَثِيرِ مِنْهُ تَخَدُّرٌ وَتَفَتُّرٌ فَهُوَ مِنَ الْمَكْرُوهِ الَّذِي نَهَى رسول الله) عَنْهُ نَهْيَ التَّأْدِيبِ كَنَهْيِهِ عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وَكَسْبِ الْحَجَّامِ، فإنَّ أَنْتَ تَرَكْتَهُ فَالْفَضِيلَةُ وَالْمَثُوبَةُ فِي تَرْكِهِ، وَإِنْ أَنْتَ شَرِبْتَهُ فَلَا جناح أن إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّكَ رَغِبْتَ عَمَّا أَدَّبَكَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَطَعْتَ هَوَاكَ بِمُخَالَفَتِهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿:) النَّبِيُّ أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم (يُرِيدُ أَنَّهُ إِذَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ وَدَعَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى خِلَافِهِ، كَانَتْ طَاعَتُهُ وَالْأَخْذُ بَأَدَبِهِ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ مُتَابَعَتِهِمْ أَنْفَسَهُمْ وَمُسَاعَفَتِهِمْ أَهْوَاءَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي شَرِبَهُ الصَّالِحُونَ وَوُصِفَ بِالصَّلَابَةِ وَالشِّدَّةِ لِخُرُوجِهِ مِنْ حَالِ الْحَلَاوَةِ، وَهُوَ الَّذِي كَانُوا يَقْطَعُونَ مَتْنَهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ غَلَطَ قوم بالكيفية فشربوا المسكر،
[ ٢٤٣ ]
وليس معنى الأكثار من قولهم ما أسكرن كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، مَا لَيْسَ فِي وُسْعِ النَّاسِ أَنْ يَبْلُغُوهُ فِي الشَّرَابِ وَالْكَثِيرُ يَقَعُ مِنَ الْعَدَدِ عَلَى أَقْصَى نِهَايَاتِهِ، وَلِكُلِّ مُتَأَوِّلٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ فِي الْكَثِيرِ مَا أَرَادَ. أَلَا تَرَى أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: أَصَابَ فُلَانٌ مَالًا كَثِيرًا لَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَهَّمَ الْمُتَوَهِّمُ أَلْفًا أَوْ ألفَ أَلْفٍ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ من كل شيء، ونما أَرَادَ النَّبِيذَ خَاصَّةً، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الرَّائِبَ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ قَدْ يُسْكِرُ إِسْكَارَ النَّبِيذِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ قَوْمٌ يَلْبِنُونَ إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ سَفَهٌ وَجَهْلٌ، وَأَصْلُهُ شُرْبُهُمُ اللَّبَنَ وَمَا يَعْتَرِيهِمْ مَعَ شُرْبِهِ مِنَ الْأَشَرِ وَالْبَطَرِ، وَيَقُولُونَ قَوْمٌ رَوْبَى إِذَا شَرِبُوا الرَّائِبَ فَسَكِرُوا قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي حازم:
فَأَمَّا تميمٌ تميمُ بْنُ مرٍ فَأَلْفَاهُمُ الْقَوْمُ رَوْبَى نِيَامًا
أَيْ قَدْ شَرِبُوا مِنَ الرَّائِبِ حَتَّى سَكِرُوا وَنَامُوا وَبَعْضُ النَّاسِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ رَوْبَى خُثْرُ الْأَنْفُسِ أَيْ مُخْتَلِطُونَ، وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ يَقُولُ رَوْبَى نِيَامًا، فَالنَّوْمُ يَشْهَدُ لِمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، وَاللَّفْظُ أَيْضًا شَاهِدٌ لأنَّ رَوْبَى مَأْخُوذٌ مِنَ الرَّائِبِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أصله محمد الرَّائِبِ، ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِكُلِّ عَابِثٍ فِي النَّفْسِ، وَلِكُلِّ مَنْ أَصَابَتْهُ دَهْشَةٌ. وَبَلَغَنِي أَنَّ أَلْبَانَ الْخَيْلِ تُسْكِرُ، وَالنَّاسُ يَشْرَبُونَ شَيْئًا يُقَالُ لَهُ الْمُرْقِدُ، إِذَا أَرَادُوا التَّعَالُجَ ببطءٍ أَوْ كيٍ أَوْ قَطْعِ جَارِحَةٍ، وهو بمنزلة المسكر.
[ ٢٤٤ ]
وَمِنَ السُّمُومِ الدَّاخِلَةِ فِي الْأَدْوِيَةِ ما يرقد وبالثغر طعام يلعث فَيَأْكُلُونَهُ فِي سِنِيِّ الْمَجَاعَةِ يُسَمُّونَهُ الْمُسْكِرَ بَلَغَنِي أَنَّهُ يُسْكِرُ إِسْكَارَ الشراب. وليس جميع ذلك بشيء محرم لأنَّ القصد يالمسكر إِلَى الشَّرَابِ خَاصَّةً، وَيُوَضِحُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَا أَسْكَرَ الْكَثِيرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْكَثِيرَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَشْرَبَهُ قَوْلُهُ مَا أسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ حَرَامٌ. وَالْعَوَامُّ يَقُولُونَ الَفَرْقُ بِسُكُونِ الرَّاءِ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رَطْلًا عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ فِي فَرَقِ الدُّوشَابِ وَمَنْ فِي وُسْعِهِ أَنْ يَشْرَبَ مِائَةً وَعِشْرِينَ رَطْلًا حَتَّى يَعْلَمَ مَا يسكر منه ذلك المقدار من الشراب
[ ٢٤٥ ]
وَإِنَّمَا هُوَ الْفَرَقُ بِنَصْبِ الرَّاءِ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا قَالَ خِدَاشُ بْنُ زُهَيْرٍ:
يَأْخُذُونَ الْأَرْشَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ فَرَقَ السَّمْنِ وَشَاةً فِي الْغَنَمْ
وَلِلْعَرَبِ أَرْبَعَةُ مَكَايِيلَ مَشْهُورَةٍ وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي كِتَابِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ فَأَصْغَرُهُ الْمُدُّ وَهُوَ رَطْلٌ وَثُلُثٌ فِي قَوْلِ الْحِجَازِيِّينَ ورطلان في قول العراقيين.
وكان رَسُولَ اللَّهِ ﵌ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَالصَّاعُ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ في قَوْلِ الْحِجَازِيِّينَ وَثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ فِي قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَالْقِسْطُ وَهُوَ رَطْلَانِ وَثُلُثَانِ فِي قَوْلِ النَّاسِ جَمِيعًا وَالْفَرَقُ وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا سِتَّةُ أَقْسَاطٍ فِي قَوْلِ النَّاسِ جميعا.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كنت أغتسل أنا وحبربى ذَاكَ وَأَشَارَتْ إِلَى إِنَاءِ قِدْرِ الفرق وهذا أقل ما يجزيء الْمُغْتَسِلَيْنَ لِوُضُوئِهِمَا وَغُسْلِهِمَا وَهُوَ سِتَّةَ عشر رطلا.
وكان أبي خَلَفٍ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﵌ عِنْدِي بَكْرٌ أَعْلِفُهُ كُلَّ يوم
[ ٢٤٦ ]
فَرَقًا مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌ يَقُولُ: بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَتَلَهُ رَسُولُ الله ﵌ بيده يوم أحد.
ومما يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الْمَكْرُوهِ إِذَا قَوِيَ وَالْمَأْذُونِ فِيهِ إِذَا خَفَّ نهي رسول الله عَنِ الْمُفْدَمِ وَهُوَ الْمُعَصْفَرُ الْمُشْبَعُ وَآذْنُهُ فِيمَا خَفَّ صِبْغُهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَصْبُوغِ بِالزَّعْفَرَانِ. فَكَانَ النَّبِيُّ ﵌ يَلْبَسُ مَا خَفَّ صَبْغُهُ وَلَبِسَ النَّاسُ الْمُعَصْفَرَ وَابْتَذَلُوهُ مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَالْقَاسِمُ وَغَيْرُهُمَا.
فَمَنْ لَبِسَ الْخَفِيفَ الصبغ من المصبوغ بالعصفر فهو بمنزلة من شرب النبيذ الزَّبِيبِ أَوْ نَبِيذَ التَّمْرِ إِذَا طُبِخَ وَأُرِقَّ فَلَمْ يُخَدِّرْ كَثِيرُهُ وَيُفَتِّرُ وَلَا جُنَاحَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّهُمَا رَغِبَا عَنْ فَضِيلَةٍ وَمَثُوبَةٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵌ نَهَى عَنْ كُلِّ مُفْتِرٍ كما نهى على الْمُفْدَمِ وَالْمُعَصْفَرِ وَكَمَا نَهَى عَنِ الْقَسِّيِّ وَهِيَ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ بِحَرِيرٍ وَكَمَا نَهَى عَنِ الْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ وَهِيَ مَرَاكِبُ كَانَتْ لِلْعَجَمِ مِنْ ديباج
[ ٢٤٧ ]
وَمَثَلُ الْأَشْرِبَةِ الَّتِي فِي التَّنْزِيلِ الَّذِي نَزَّلْنَاهَا بِهِ الْمَيْسِرُ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكِتَابِ وَحَرَّمَتِ السُّنَّةُ النرد وأحل للناس الرهان والنظال وهما قمار ويرخص للناس باللعب بِالْجَوْزِ وَالشَّهَارِدَةِ وَمَثَلُ الِاسْتِقْسَامُ بِالْأَزْلَامِ وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَفْصِلُوا بَيْنَ مُشْتَبَهَيْنِ أَوْ يَخْتَارُوا أَحَدَ أَمْرَيْنِ أَوْ يَتَعَرَّفُوا الحظ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مُجْتَمِعٌ مُخْتَلِفٌ اسْتَقْسَمُوا بِالْقِدَاحِ فَمَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ عُمِلَ بِهِ فَحَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكِتَابِ وَأَحَلَّ لَنَا الْقُرْعَةَ وَجَعَلَهَا بَابًا مِنَ الْحُكْمِ وَهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالِاسْتِقْسَامِ وَمَثَلُ ذَلِكَ الْغِنَاءُ يَكْرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْهُ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنْ رَقِيقِهِ وَأَهْزَاجِهِ وَتَرْجِيعِهِ وَإِطْرَابِهِ وَيُرَخِصُّونَ فِي الْحُدَاءِ وَغِنَاءِ الرُّكْبَانِ والنصت.
فَتَفَهَّمْ رَحِمَكَ اللَّهُ مَا قُلْنَاهُ وَتَدَبَّرْهُ وَلَا تَتَأَوَّلْ عَلَيْنَا فِي الْمُفْتِرِ أَنَّهُ الْمُسْكِرُ وَلَا فِي الصُّلْبِ أَنَّهُ مَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ النَّاسُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُؤْتُوا فِي شرب ما يحرم إلا الْغَلَطِ فِي الْكَيْفِيَّةِ إِذْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ لَمْ يَجِدْ فِي الرَّقِيقِ حَدًّا وَلَا فِي الْمَتِينِ حَدًّا وَلَا قِيلَ مَا صُبَّ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ سِتَّةٌ وَسَبْعَةٌ هُوَ الْحَلَالُ وَلَا مَا صُبَّ فِيهِ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ هُوَ الْحَرَامُ.
وسمعوا بِأَنَّ خِيَارَ الصَّحَابَةِ شَرِبُوا الصُّلْبَ وَشَرِبُوا النَّبِيذَ فَتَوَهَّمُوا أَنَّهُمْ شَرِبُوا الْمُسْكِرَ وَوَجَدُوا مَحَبَّةً مِنَ النُّفُوسِ لِذَلِكَ وَمُشَايَعَةً مِنَ الْهَوَى وَإِنَّمَا الصُّلْبُ الَّذِي شَرِبُوهُ مَا زَايَلَتْهُ الْحَلَاوَةُ فَصَارَ صُلْبًا بِمُفَارَقَةِ لِينِ الْحَلَاوَةِ وَعُذُوبَتِهَا وَهُوَ فِي نَفْسِهِ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ لَا يَكُونُ مِنْهُ إِذَا شَرِبَ الرَّجُلُ مَا فِي وُسْعِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَشْرَبَ مِثْلَهُ أطباق في الْعَقْلِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْإِكْثَارِ مِنْهُ خَدَرٌ يَعْتَرِي الْوَجْهَ وَيَنْشَطُ.
وخير لَكَ إِنْ كُنْتَ تَخَافُ أَنْ يَدَعُوَكَ مَا رُخِّصَ لَكَ فِيهِ إِلَى مَا حُرِّمَ عَلَيْكَ أَنْ
[ ٢٤٨ ]
تَدَعَهُ كُلَّهُ فَإِنَّ حَاتِمَ الطَّائِيَّ كَانَ يَقُولُ: إِذَا كَانَ الشَّيْءُ يَكْفِيكَهُ التَّرْكُ فَاتْرُكْهُ. وَقَالُوا: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يربك وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلى بعض عماله: إن استظعت أَنْ تَدَعَ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ يَكُونُ حَاجِزًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا حَرَّمَ عَلَيْكَ فَافْعَلْ فَإِنَّ مَنِ اسْتَوْعَبَ الْحَلَالَ كُلَّهُ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى الْحَرَامِ وَالسَّلَامُ.
تم كتاب الأشربة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين
[ ٢٤٩ ]
وجد في آخر المخطوطة البغدادية ما يأتي: لأبي الهندي وقد منع من شراب وتوعد عليه فحج فلما كان في مكة شرب وقال:
رضيع مدام فارق الراح روحه فأضحى عليها مستهل المدامع
أدير علي الكأس أني فقدتها كما فقد المفطوم در المراضع
[ ١٣٤ ]