اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الَّذِي يُخَالِطُهُ الطَّعَامُ
[ ٢٥٧ ]
وَالشَّرَابُ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِذَا كَانَ الْمَاءُ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ. كَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَاءُ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَقَعَ فِي الْمَاءِ أَلْبَانٌ أَوِ الْقَطْرَانُ. وَكَذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنْ ظَهَرَ رِيحُ الْقَطْرَانِ فِي الْمَاءِ لَمْ يُتَوَضَّأْ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ الْمَمْزُوجِ بِالْعَسَلِ، وَلَا بِالْمَاءِ الَّذِي يُبَلُّ فِيهِ الْخُبْزُ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ فِي كِسَرٍ بُلَّتْ فِي مَاءٍ غَيَّرَتْ لَوْنَهُ، أَوْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، قَالَ: يُتَوَضَّأُ بِهِ.
وَذُكِرَ عَنْ يَعْقُوبَ أَنَّهُ قَالَ فِي مَاءٍ غُلِيَ بِأُشْنَانٍ، أَوْ بَأْسٍ أَوْ
[ ٢٥٨ ]
بِشَيْءٍ مِمَّا يَتَعَالَجُ بِهِ النَّاسُ فَيَغْتَسِلُونَ وَيَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْبَابُونَجِ وَشِبْهِهِ، فَإِنَّ الْوُضُوءَ يَجْزِي بِذَلِكَ مَا لَمْ يَغْلِبْ ذَلِكَ فَيَكُونُ ثَخِينًا، فَإِذَا ثَخُنَ فَإِنَّهُ لَا يَجْزِي، وَلَيْسَ يَجْزِي الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمِيَاهِ تُطْبَخُ حَتَّى تَتَحَوَّلَ عَنْ حَالِهَا إِلَى حَالٍ غَيْرِهَا وَيُسَمَّى بِغَيْرِ اسْمِ الْمَاءِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَرَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فَمَا اخْتَلَطَ بِالْمَاءِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَلَمْ يُغَيِّرِ الْمَاءَ لَوْنًا، وَلَا طَعْمًا، وَلَا رِيحًا، فَالطَّهَارَةُ بِهِ جَائِزَةٌ، وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَمَا غَيَّرَ الْمَاءَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ حَتَّى لَا يُقَالَ لَهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ فَالْوُضُوءُ بِهِ غَيْرُ جَائِزٌ، وَذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ فِي الْمَاءِ مَا اخْتَلَطَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى لَا يُسَمَّى مَاءًا مُطْلَقًا.