ثَبَتَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلَا غَائِطٍ، وَلَكِنْ شَرِّقُوا، أَوْ غَرِّبُوا».
[ ٣٢٤ ]
٢٥٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا، وَلَكِنْ لِيُشَرِّقْ، أَوْ لِيُغَرِّبْ». قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ وَجَدْنَا مَرَاحِيضَ قَدْ جُعِلَتْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ، فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ.
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ مَرَاحِيضَ، وَأَحَدُهَا مِرْحَاضٌ، وَهِيَ الْمَذَاهِبُ بِبِنَاءٍ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَرَافِقَ، يَعْنِي الْكُنُفَ، وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ نُزُلٌ، وَأَبْعَدَ فِي الْمَذْهَبِ، كُلُّ هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ مَوْضِعِ الْغَائِطِ.
٢٦٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَيُّوبَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ أَوِ الْبَوْلَ فَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بِفَرْجِهِ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ، فَقَالَتْ: طَائِفَةٌ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ قَالَتْ: لَا يَجُوزُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَلَا اسْتِدْبَارُهَا بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ فِي الْبَرَارِي وَالْمَنَازِلِ، هَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَوَقَّى فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبُيُوتِ، وَكَرِهَ مُجَاهِدٌ،
[ ٣٢٥ ]
وَالنَّخَعِيُّ ذَلِكَ.
وَحُجَّةُ هَذِهِ الْفِرْقَةِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا النَّهْيُ عَنِ الْعُمُومِ.
وَرَخَّصَتْ طَائِفَةٌ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ. هَذَا قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ يَقُولُ: وَأَيْنَ أَنْتَ مِنْهَا، وَقَدْ حُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ يُوَافِقُ هَذَا الْقَوْلَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ.
٢٦١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا حَجَّاجٌ، ثنا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنِي خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذَكَرُوا اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِالْفُرُوجِ، فَقَالَ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ بِفُرُوجِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ فَعَلُوهَا اسْتَقْبَلُوا بِمِقْعَدِي إِلَى الْقِبْلَةِ».
وَبِأَحَادِيثَ قَدْ ذَكَرْنَا أَسَانِيدَهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ فِي هَذَا الْبَابِ مُخْتَلِفَةٌ، وَلَا يُعْرَفُ نَاسِخُهَا مِنْ مَنْسُوخِهَا، فَوَجَبَ إِيقَافُ الْخَبَرَيْنِ وَحَمْلُ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْإِبَاحَةِ الَّتِي كَانَتْ لَمَّا خَفِيَ النَّاسِخُ مِنَ الْخَبَرَيْنِ.
وَفَرَّقَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ بَيْنَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا فِي الصَّحَارِي وَالْمَنَازِلِ فَنَهَتْ عَنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارِي، وَرَخَّصَتْ فِيهِ فِي الْمَنَازِلِ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنِ
[ ٣٢٦ ]
الشَّعْبِيِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ هَذَا الْمَعْنَى. حُكِيَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِلْغَائِطِ أَتَرَى الْبُيُوتَ مِثْلَ الصَّحَارِي؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَرَى فِي الْبُيُوتِ شَيْئًا. وَحُكِيَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبُيُوتِ: أَحَبُّ عِنْدِي.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارِي بِخَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ، وَاحْتَجَّ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ فِي الْمَنَازِلِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
٢٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا يَحْيَى، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَيَقُولُ نَاسٌ: إِذَا قَعَدْتَ لِلْغَائِطِ فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَالِسًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
وَدَفَعَ أَبُو ثَوْرٍ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِأَنْ قَالَ: خَالِدُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ.
[ ٣٢٧ ]
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ، فَإِنَّ مَخْرَجَهُ حَسَنٌ وَقَالَ غَيْرُ أَحْمَدَ: خَالِدٌ مَعْرُوفٌ، قَدْ رَوَى عَنْهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، وَوَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَصَحُّ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ مَذْهَبُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّحَارِي وَالْمَنَازِلِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْعُمُومِ إِلَّا مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ، فَيَكُونُ مَا خَصَّتْهُ السُّنَّةُ مُسْتَثْنًى مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ. وَإِنَّمَا تَكُونُ الْأَخْبَارُ مُتَضَادَّةً إِذَا جَاءَتْ جُمْلَةً فِيهَا ذِكْرُ النَّهْيِ، يُقَابِلُ جُمْلَةَ مَا فِيهَا ذِكْرُ الْإِبَاحَةِ، فَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَّا بِطَرْحِ مَا ضَادَّهَا، وَسَبِيلُ هَذَا كَسَبِيلِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ جُمْلَةً، ثُمَّ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، فَبَيْعُ الْعَرِيَّةِ مُسْتَثْنًى مِنْ جُمْلَةِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالثَّمَرِ، وَكَذَلِكَ نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَ الْمَرْءِ وَإِذْنُهُ فِي السَّلَمِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ مَوْجُودٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ السُّنَنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ نَهْيًا عَامًّا وَاسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مُسْتَدْبِرًا الْكَعْبَةَ، كَانَ إِبَاحَةُ ذَلِكَ فِي الْمَنَازِلِ مَخْصُوصٌ مِنْ جُمْلَةِ النَّهْيِ.
[ ٣٢٨ ]