الناظر في مصنفات ابن المنذر الفقهية يجزم بأنه من أهل الحديث، ومن أصحاب الاعتقاد الصافي؛ فتقديمه للسنة في ترجيحاته واعتماده على أقوال الصحابة في بيان الراجح من الأقاويل. لهو أدلُّ دليلٍ على تبَنِّيه منهج الأوائل.
فمن ذلك ما قاله في "كتاب الولاء" تحت باب "ذكر ولاء المملوك قال:
وقد اختلفت الأخبار عن أصحاب رسول الله ﷺ في هذا الباب، وليس في أحد مع رسول الله ﷺ حجة.
وقال في كتاب (الإجارة - باب اختلاف أهل العلم في عسب الفحل): والسنة مستغنى بها عما سواها.
وكذا قال نفس العبارة في (كتاب الإجارة - باب اختلاف أهل العلم في عسب الفحل).
وفي كتاب (الصلاة - باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ إنما كان يُكَبِّرُ في بعض الرفع ..): ولا حجة في أحد مع رسول الله ﷺ.
وها هو يبين مدى تعظيمه للسنة؛ فقال في كتاب (البيوع تحت باب ذكر الخبر الذي احتج به من قال: إن الأشياء غير مشتبهة في أنفسها عند الجميع، وأنه إنما يشتبه منها الشيء بعد الشيء على بعضهم): لأن النبي ﵇ بُعث بالبيان، وقد بَيَّن كل ما بالناس الحاجة إليه.
وفي (كتاب الصلاة - باب ذكر وضع اليمين على الشمال في الصلاة):
ولا يجوز أن يجعل إغفال من أغفل استعمال السنة، أو نسيها، أو لم يعلمها حجة على من علمها وعمل بها.
[ ١ / ٦٤ ]
وبيَّن ﵀ أن طاعة رسول الله ﷺ واجبة:
فقال في كتاب (الطلاق تحت باب كتاب أبواب إحلال المطلقة ثلاثًا):
قال الله جل من قائل ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ الآية.
وكان ظاهر مخرج هذِه الآية يبيح للزوج الذي يطلقها ثلاثًا إذا نكحت زوجًا غيره وفارقها أن ينكحها الأول.
فلما ثبت أن نبي الله ﷺ منع من ذلك إلا بأن يجامعها الزوج الثاني وجب قبول ذلك من رسول الله ﷺ لما فرض الله من طاعته.
- اعتقاده في الصحابة:
الصحابة عنده هم أعلم الأمة بالكتاب والسنة، وأقوالهم مقدمة على قول غيرهم؛ لأنهم عاصروا زمن الوحي وجالسوا إمام الهدى ﷺ.
قال في (كتاب الجنائز - باب ذكر اختلاف أهل العلم في التسليم على الجنازة).
قال:
.. قال كثير من أهل العلم: يسلم تسليمة واحدة. روينا هذا القول عن علي وجابر بن عبد الله وواثلة بن الأسقع، وابن أبي أوفى، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، وأنس، وابن عباس، وابن عمر .. ثم قال: تسليمة أحب إليَّ؛ لحديث أبي أمامة بن سهل؛ ولأنه الذي عليه أصحاب رسول الله ﷺ وهم أعلم بالسنة من غيرهم؛ ولأنهم الذين حضروا صلاة رسول الله ﷺ، وحفظوا عنه.
[ ١ / ٦٥ ]
- تنزيهه الصحابة عن فعل المكروه.
في كتاب (الجنائز - باب ذكر اختلافهم في الدفن بالليل) قال: الدفن بالليل مباح؛ لأن سُكَينة توفيت على عهد النبي ﷺ فدفنت بالليل، ولم ينكر ذلك عليهم لما علم به؛ لأنهم أعلموه بذلك فأتى قبرها فصلى عليه، وقد دفن من ذكرنا من أصحاب رسول الله ﷺ ليلًا، ولو كان ذلك مكروهًا ما فعلوه.
- ثناؤه على الصحابة، وتقديم قولهم.
في كتاب (الطلاق - باب ذكر المطلقة دون الثلاث تنكح زوجًا ثم تعود إلى المطلق):
بعد أن نقل الخلاف قال: وكذلك أقول للعلل التي ذَكَرَتْها غير هذِه الفرقة؛ ولأن ذلك قول الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من الخلفاء الراشدين وغيرهم، وبه قال عوامُّ أهل العلم.
- ثئاؤه على عمر ﵁.
في كتاب (السرقة - باب سرقة العبد من مولاه)
قال أبو بكر: قال: فإن قال قائل: عمر أعلم بمعنى كتاب الله. قيل: كذلك هو، وقد يذهب عليه من السنة ما يعلمها غيره. وكذلك يذهب عليه من استدلال الكتاب ما يعلمه غيره، وليس ذلك بنقص له عن درجته وموضعه، وقد كان عمر حَكَم في الأصابع بالتفصيل، ثم رجع عنه إلى الخبر الذي ثبت عنده وقال: "لا ترث المرأة من دية زوجها" ثم رجع فورثها لما ثبت الخبر عنده.
- ذكر مناوأته لكل أهل البدع.
في كتاب (المرتد - باب ذكر استتابة القدرية وسائر أهل البدع)
[ ١ / ٦٦ ]
ونقل تحت هذا الباب أقوال الأئمة: الشافعي وأحمد وغيرهما، وبالنظر فيما نقله يتبين اعتقاده - في الفرق الضالة فضرب المثال بالقدرية والإباضية ووصفهم بالبدعة، فلم يثن عليهم ولا أقرهم على باطلهم، وإنما نقل كلام أهل السنة مقرًا لهم ومكتفيًا بما قالوه ولم يعقب عليهم.