في كتاب (البيوع - باب ذكر الخبر الدال على أن البيع لا يتم بالعقد دون التخيير ومفارقة أحد البيعين صاحبه) ساق في آخر الباب حديث "ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه".
قال: أي ليس بمؤمن مستكمل الإيمان. هذا وما أشبهه كثير موجود في السنن.
قلت: وهذا هو التفسير المعتمد عند أهل السنة.
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٢٥٧) " .. كلهم - أي أئمة أهل السنة - متفقون على أن الفسَّاق الذين ليسوا منافقين معهم شيء من الإيمان يخرجون به من النار، وهو الفارق بينهم وبين الكفار والمنافقين، لكن إذا كان معه بعض الإيمان لم يلزم أن يدخل في الاسم المطلق الممدوح، وصاحب الشرع قد نفى الاسم عن هؤلاء فقال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ". وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". وقال: "لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه". وأقسم على ذلك مرات، وقال: "المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم".
والمعتزلة ينفون عنه اسم الإيمان بالكلية واسم الإسلام أيضًا ويقولون: ليس معه شيء من الإيمان والإسلام، ويقولون: ننزله منزلة بين منزلتين، فهم يقولون: إنه يخلد في النار لا يخرج منها بالشَّفاعة، وهذا هو الذي أنكر عليهم، وإلا لو نفوا مطلق الاسم وأثبتوا معه شيئًا
[ ١ / ٦٨ ]
من الإيمان يخرج به من النار لم يكونوا مبتدعة، وكل أهل السنة متفقون على أنه قد سلب كمال الإيمان الواجب فزال بطض إيمانه الواجب لكنه من أهل الوعيد.
وقال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٤٥٩): تحت شرح الحديث رقم (٦٠١٦):
قال ابن بطال: .. وفيه نفي الإيمان عمن يؤذي جاره بالقول أو بالفعل ومراده الإيمان الكامل، ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان.
وقال النووي: عن نفي الإيمان في مثل هذا جوابان.
أحدهما: أنه في حق المستحل.
والثاني: أن معناه ليس مؤمنًا كاملًا.
أقول: وفي هذا رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، والمعتزلة الذين يحكمون بخلود العصاة في النار، والمرجكة الذين يقولون لا تضره المعصية حتى الكبيرة في نقص إيمانه؛ فبان بهذا التأويل استقامة الإمام ذي التبجيل.
وفي كتاب البيوع تحت باب النهي عن الغش والخداع قال: واختلف أهل العلم في معنى قوله: "من غشنا فليس منا"، فقال قائل: ليس من أهل ديننا. وقال آخر: ليس مثلنا.
وحدثني علي، عن أبي عبيد أنه قال: ليس من أخلاقنا، ولا من فعلنا، إنما يعني أن يكون الغش ليس من أخلاق الأنبياء، والصالحين وقال آخر: لم يتبعنا على أفعالنا، واحتج بقوله ﷿: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال: يخبر أنه من تبعه فإنه منه، ومن لم يتبعه فليس منه. قال: فكذلك معنى قول النبي ("ليس مني" أي: لم يتبعني على فعلي.
[ ١ / ٦٩ ]
قال أبو بكر: وهذا حسن، ولا معنى لقول من قال: أن معناه ليس من أهل ديننا؛ إذ لا معنى لإخراج رجل من الدين بأن أدخل في بعض البيوع غشًا. وكذلك لا معنى لقول القائل: أن معناه ليس كمثلنا؛ إذ ليس أحد كرسول الله ﷺ.
وفي كتاب البيوع أيضًا تحت باب (ذكر الخبر الدال على أن البيع لا يتم بالعقد دون التخيير ومفارقة أحد البيِّعين صاحبه): قال بعد أن ساق حديث ابن عمر مرفوعًا "كل بيِّعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا، إلا بيع الخيار".
يعني: لا بيع بينهما تامّ حتى يتفرقا؛ لقول النبي ﵇: "ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه" أي: ليس بمؤمن مستكمل الإيمان، هذا وما أشبهه كثير موجود في السنن.
* رده على الخوارج: (نجماعة التكفير، والمتهورين من غير تحرير): في كتاب (البيوع - باب ذكر النهي عن الغش والخداع) ساق حديث: "من غشنا فليس منا .. " ثم قال:
واختلف أهل العلم في معنى قوله "من غشنا فليس منا" فقال: ليس من أهل ديننا، وقال آخر: ليس مثلنا ..
ثم قال: ولا معنى لقول من قال: أن معناه ليس من أهل ديننا؛ إذ لا معنى لإخراج رجل من الدين بأن أدخل في بعض البيوع غِشًّا، وكذلك لا معنى لقول القائل: أن معناه ليس كمثلنا؛ إذ ليس أحد كرسول الله ﷺ.
وفي كتاب (المحاربين - باب ذكر قتال الرجل عن نفسه وماله): قال: والذي عليه عوام أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله إذا أريد ظلمًا؛ للأخبار التي رويت عن النبي ﷺ أنه قال: "من قتل
[ ١ / ٧٠ ]
دون ماله فهو شهيد" ولم تخص وقتًا دون وقت، ولا حالًا دون حال، إلا السلطان فإن كل من نحفظ عنهم من علماء أهل الحديث كالمجمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه؛ للأخبار التي جاءت عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم وترك قتالهم والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة.
ثم ختم هذا الكتاب بتبويب هام فقال: ذكر الأخبار التي رويت في النهي عن الخروج على السلطان (^١).
_________________
(١) ما أعذبه من منهج وأقومه من سبيل، فلو تمسك به المسلمون ساعة نزول الفتن لعصمهم الله من الزلل. ونحن نرى اليوم بعض المتهورين والمتحمسين والمتحذلقين قد خالفوا هذا المنهج الصافي، ورفعوا السيف على الأمة وفجروا وقتلوا وأرهبوا المسلمين بحجة إنكار المنكر وما فعلوه هو المنكر بعينه. وحتى يُتَبعوا على ذلك رَمَوْا العلماء بالجبن والتقاعس والميل للسلطان لينفِّروا الناس عنهم، وهذا مسلك قديم خبيث. وهذِه حوادث التاريخ تترى ولكن لا نعتبر. فهل اعتبروا بما جرى لعبد الرحمن بن الأشعث بخروجه على الحجاج، وقتل الآلاف من العلماء وهل اعتبرنا بالواقع الذي نحياه من تضييق على المسلمين في بلاد الغرب بل وقتلهم واتهام المسلمين في بلاد الإسلام بالتطرف والإرهاب. ذهب جماعة إلى الحسن البصري أيام يزيد بن المهلب وهمُّوا بالخروج فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ويغلقوا عليهم أبوابهم. ثم قال: والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبروا، ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون إليه، ووالله ما جاءوا بيوم خير قط ثم تلا ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ "الشريعة" للآجري (٦٢). وهذا الإمام المبتلى من السلطان أحمد بن حنبل جلدوه وحبسوه ومنعوه من الحديث فهل رفع السيف عليهم؟!. =
[ ١ / ٧١ ]
وفي أبواب إحلال المطلقة ثلاثًا تحت باب (ذكر طلاق الثلاث للتي تنكح زوجًا ثم لم يدخل بها) صَدَّر البابَ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ وقال:
وكان ظاهر مخرج هذِه الآية يبيح للزوج الذي يطلقها ثلاثًا إذا نكحت زوجًا غيره وفارقها أن ينكحها الأول. ونقل إجماع أهل العلم على ذلك.
ثم قال: وروي عن سعيد بن المسيب قال: أما الناس فيقولون حتى يجامعها، وأما أنا فأقول إذا تزوجها تزويجًا صحيحًا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول. وهذا قول ما نعلم أحدًا من أهل العلم وافقه عليه، وإنما قال مثل قول سعيد طائفة من أهل الخوارج، والسنة الثابتة يستغنى بها عما سواها.
وفي كتاب النكاح (باب ذكر نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها) قال:
ولست أعلم في ذلك اليوم اختلافًا، وإنما عدل عن القول بما ذكرنا فرقة من الخوارج، وإذا ثبت الشيء بالسنة وأجمع أهل العلم عليه لم يضره خلاف من خالفه.
_________________
(١) = روى الخلال بإسناده عن أبي الحارث الصائغ قال: سألت أبا عبد الله في أمر كان حدث ببغداد، وهَمَّ قومٌ بالخروج فقلت: يا أبا عبد الله: ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟ فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول: سبحان الله. الدماء الدماء. لا أرى ذلك ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال، وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه يعني أيام الفتنة. فقلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؛ قال: وإن كان، فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمت الفتنة وانقطعت السبل. الصبر على هذا ويسلم لك دينك خير لك. "السنة" للخلال (١٣٣). وقد بينت المسألة كاملة في كتابي "حكم المظاهرات في الإسلام" نشر دار الفلاح بالفيوم، فانظره.
[ ١ / ٧٢ ]
قلت: ونقل الحافظ في "الفتح" (٩/ ٦٦) كلام ابن المنذر ثم قال: وكذا نقل الإجماع ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي، لكن استثنى ابن حزم عثمان البتي وهو أحد الفقهاء القدماء من أهل البصرة .. واستثنى النووي طائفة من الخوارج والشيعة واستثنى القرطبي الخوارج، ولفظه: اختار الخوارج الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها، ولا يعتد بخلافهم؛ لأنهم مرقوا من الدين.
قال الحافظ: وفي نقله عنهم الجمع بين الأختين غلط بيِّنٌ .. ونقل ابن دقيق العيد تحريم الجمع بين المرأة وعمتها عن جمهور العلماء ولم يعين المخالف.