تميز هذا السفر النفيس بعدة خصائص وميزات جعلته يتربع بين أمهات المراجع الإسلامية الفقهية والحديثية ونستطيع أن نجمل هذا في نقاط:
- يعد من أمهات كتب السنة النبوية إذ حوى بين دفيته قدرًا عظيمًا من الأحاديث المسندة فلا غنى لأهل الحديث عنه.
- يعد المصدر الثالث بعد المصَنَّفَيْنِ (عبد الرزاق وابن أبي شيبة) في ذكر الآثار عن الصحابة والتابعين.
وقد انفرد بعدة آثار لم يذكرها غيره، ومن ذلك ما ذكره في كتاب أحكام السراق - باب ذكر الخيانة؛ ساق بإسناده أثرًا عن جابر قال: "أضاف رجل رجلًا فأنزله في مشربة له فوجد عنده متاعًا له قد احتازه فأتى به أبا بكر .. ".
ونقله ابن الملقن في "البدر المنير" (٦٨٠) تبعًا للرافعي، ثم قال: وهذا الأثر غريب لا يحضرني من خرجه.
وقال الحافظ في "التلخيص" (٤/ ٧٠): لم أجده ا هـ. فليستدرك.
وقال ابن الملقن في "البدر المنير" أيضًا (٨/ ٢٦٢).
عن ابن عمر ﵄ أنه قال: وقعت في نفسي جارية من سبي
[ ١ / ١٥٢ ]
جلولاء فنظرت إليها، فإذا عنقها مثل إبريق الفضة فلم أتمالك أن وثبت عليها فقبلتها والناس ينظرون، ولم ينكر عليه أحد.
قال: وهذا الأثر لم أر من أخرجه عنه إلا ابن المنذر؛ فإنه ذكره في "إشرافه" (١/ ٢٩١) بغير إسناد فقال: وقد رويناه عن ابن عمر "أنه قبل جارية وقعت في سهمه يوم جلولاء".
وأسنده في كتابه "الأوسط" ومنه نقلت بعد أن لم أظفر به إلا بعد عشرين سنة من تبييض هذا الكتاب فاستفده ولله الحمد. ا هـ.
- هو العمدة عند الفقهاء في نقل مذاهب العلماء ولا أبالغ إن قلت: هو أرفع كتاب فقه مقارن، ولو تتبعت المصنفات الموضوعة في هذا الباب إلى زمن ابن المنذر فلن ترى من صنع مثل صنيعه اللهم إلا ما قاله الترمذي باختصار شديد عقب روايته للحديث، أما صاحبنا فقد بلغ الذروة في ذلك.
قال ابن حزم في "الأحكام" (٥/ ٦٩٦):
ثم أخبرني أحمد بن الليث الأنسري، أنه حمل إليه وإلى القاضي أبي بكر، يحيى بن عبد الرحمن بن واقد كتاب "الاختلاف الأوسط لابن المنذر"، فلما طالعاه قالا له: هذا كتاب من لم يكن عنده في بيته، لم يشم رائحة العلم، قال: وزادني ابن واقد أن قال: ونحن ليس في بيوتنا، فلم نشم رائحة العلم.
وقال أيضًا في "الإحكام" (٥/ ٦٧٤):
الأئمة المتقدمين من أهل الثبات على السنن الأول، ولكنهم ليسوا في أعداد أهل الأمصار، منهم خراسانيون، ومنهم من سكن بغداد.
قال أبو محمد: عبد الله بن المبارك الخراساني، ونعيم بن حماد، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي بغدادي وأحمد بن محمد بن حنبل مروزي سكن بغداد، وإسحاق بن راهويه نيسابوري
[ ١ / ١٥٣ ]
سكن بغداد، وأبو عبيد القاسم بن سلام اللغوي كوفي سكن بغداد، وسليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وحسين بن علي الكرابيسي بغدادي وكان أبو خيثمة زهير بن حرب يجري مجراهم، ولم يكن له اتساعهم، وأبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي صليبة، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازيان، وكان هشيم بن بشير له اختيارات.
وكان بعد هؤلاء: داود بن علي، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ثم محمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري.
وفي "المجموع" (١/ ٧٢):
المزني وأبو ثور وأبو بكر بن المنذر أئمة مجتهدون وهم منسوبون إلى الشافعي: فأما المزني وأبو ثور فصاحبان للشافعي حقيقة وابن المنذر متأخر عنهما.
وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٧/ ٢٠١):
ذكر لابن حزم قول من قال: أجل المصنفات "الموطأ" فأنكر ذلك، وقال: أولى الكتب بالتعظيم "الصحيحان"، وكتاب سعيد بن السكن، و"المنتقى" لابن الجارود، و"المنتقى" لقاسم بن أصبغ، ثم بعد هذِه الكتب "كتاب أبي داود" و"كتاب النسائي"، و"مصنف قاسم بن أصبغ"، و"مصنف الطحاوي"، و"مسند البزار"، و"مسند ابن أبي شيبة"، و"مسند أحمد"، و"مسند ابن راهويه"، و"مسند الطيالسي"، و"مسند أبي العباس النسوي"، و"مسند ابن سنجر"، و"مسند عبد الله بن محمد المسندي"، و"مسند يعقوب بن شيبة" و"مسند ابن المديني"، و"مسند ابن أبي غرزة"، وما جرى مجرى هذِه الكتب التي أفردت لكلام رسول الله
[ ١ / ١٥٤ ]
ﷺ صرفًا، وللفظه نصًا، ثم بعد ذلك الكتب التي فيها كلامه ﵇، وكلام غيره مثل "مصنف عبد الرزاق"، و"مصنف ابن أبي شيبة"، و"مصنف بقي بن مخلد"، وكتاب محمد بن نصر المروزي، وكتابي ابن المنذر الأكبر والأصغر.
- الكتاب يعتبر نسخة مساعدة لضبط النصوص؛ فقد نقل عن الأئمة من مصنفاتهم بإسناده:
فحديث الشافعي أخذه عن الربيع عنه.
والحميدي من طريق حاتم بن إسماعيل عنه
وأبو عبيد من طريق علي بن عبد العزيز عنه.
وعبد الرزاق من طريق إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، ومحمد بن علي النجار ومحمد بن يحيى، ومحمد بن مهل عنه.
وابن وهب من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عنه.
وسعيد بن منصور من طريق محمد بن علي عنه.
وابن أبي شيبة من طريق موسى بن هارون وإسماعيل بن قتيبة.
وخلال دراستنا للكتاب تبين قدر التصحيف الواقع في النسخ المطبوعة خاصة من المُصَنَّفَيْن (عبد الرزاق، وابن أبي شيبة) وقد نبهنا على عدة مواضع ولم نشترط التعليق على التصحيفات في هذِه المصادر، فلو فعلنا لعظمت حواشي الكتاب بقدر ممل.
- تميز ابن المنذر بأنه تكلم على الأحاديث والآثار صحة وضعفًا، وعلى الرجال جرحًا وتعديلًا.
ونرى العلماء في كتب العلل يعتمدون على قوله كالحال مع أحمد والبخاري وغيرهما.
ولذا وضعنا في فهارس الكتاب أحكامه على الأحاديث والآثار
[ ١ / ١٥٥ ]
والرجال لمن أراد الوقوف على أحكامه وانتقاداته.
- نقل في كتابه عن مصنفات لم تصل إلينا، ونقل أقوالًا عن علماء ذهبت مصنفاتهم.
فنقل كلام الأوزاعي بتوسع شديد في معظم مواضع الكتاب.
والأوزاعي إمام صاحب مذهب معتبر، ونقل عن أبي ثور كلامًا طويلًا لم نجده إلا عنده، وعن الشافعي في القديم، وقد عانينا كثيرًا في ضبط هذِه النقولات، إذ لم نجد من نقل كلام هؤلاء بتمامه فكان من أعسر ما قابلناه في كتابنا، وفي فهرس الكتاب سنشير إلى المصادر التي نقل عنها في كتابه، وكذلك نقل عن يعقوب في كتاب "الإملاء" أقوالًا هامَّة.
ففي (كتاب الرضاع - باب ذكر الرجل يذكر أن فلانًا أمره أن يعقد عليه نكاح امرأة فيجحد فلان ذلك):
قال أبو بكر: ورأيت يعقوب قال في "الإملاء": إذا كان ذلك فسخ القاضي النكاح بينهما ويطلقها للتزويج.
[ ١ / ١٥٦ ]