أجمع أهل العلم على أن الماء القليل أو الكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت النجاسة للماء طعمًا، أو لونًا، أو ريحًا؛ أنه نجس ما دام كذلك، ولا يجزئ الوضوء والاغتسال به (^٢).
وأجمعوا على أن الماء الكثير مثل الرِّجْل من البحر (^٣) ونحو ذلك إذا وقعت فيه نجاسة، فلم تغير له لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا؛ أنه بحاله في الطهارة، قبل أن تقع فيه النجاسة (^٤).
_________________
(١) = إسحاق بالتحديث عند ابن حبان، وأخرجه الترمذي (١٦٩٢)، وأحمد (١/ ١٦٥)، وأبو يعلى (٦٧٠) وغيرهم عن ابن إسحاق به، وليس عندهم ذكر علي والمهراس. قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق. وصحح البوصيري إسناده في "إتحاف الخيرة المهرة" (٣/ ٤٥٦٣). قلت: وآخر الحديث أصله عند البخاري (٤٠٧٤) من قوله (اشتد غضب الله ) من حديث ابن عباس ﵁.
(٢) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٥٨ - في الوضوء بالماء الآجن)، و"الطهور" لأبي عبيد (ص ٢٦٠).
(٣) انظر: "الإجماع" للمصنف (١١).
(٤) الرجل من البحر: خليجه عن كراع، وهو مجاز. "تاج العروس" مادة: (رجل).
(٥) انظر: "الإجماع" للمصنف (١٢).
[ ١ / ٣٦٨ ]
واختلفوا في الماء القليل تحل فيه نجاسة، لم تغير للماء لونًا، ولا طعمًا، ولا ريحًا، فقالت طائفة: إذا كان الماء قلتين [لم] (^١) يحمل خبثًا، روي ذلك عن ابن عمر، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وبه قال الشافعي (^٢)، وأحمد، وإسحاق (^٣)، وأبو عبيد، وأبو ثور.
١٧٧ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا أبو نعيم، عن عبد السلام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: إذا كان الماء قدر قلتين لم ينجسه شيء (^٤).
واختلفوا في قدر القلتين، ففي الحديث الذي ذكره ابن جريج، قال: رأيت قلال هجر، فإذا القلة تسع قربتين، أو قربتين وشيئًا (^٥).
وفيه قول ثان: قاله الشافعي: قال: والاحتياط أن تكون القلة قربتين [ونصفًا] (^٦)، فإذا كان الماء خمس قرب لم يحمل نجسًا في (جر كان) (^٧) أو غيره، وقرب الحجاز كبار، ولا يكون الماء الذي لا يحمل النجاسة إلا بِقِرَب كبار (^٨).
_________________
(١) سقط من "الأصل"، والمثبت من (د).
(٢) "الأم" (١/ ٤٣ - الماء الراكد).
(٣) "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٣٢، ٣٣)، وفيها قال أحمد: أما القلتان فأخشى عليه من البول، وأما في غير البول فلا ينجسه شيء.
(٤) أخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ٢٣) من طريق ليث به مرفوعًا وموقوفًا، وقال: موقوفًا هو الصواب.
(٥) انظر: "مسند الشافعي" (ص ١٦٥).
(٦) في "الأصل": نصف. والمثبت من "د"، و"الأم".
(٧) في "الأم": جريان.
(٨) "الأم" (١/ ٤٣ - ٤٤ - الماء الراكد).
[ ١ / ٣٦٩ ]
وفيه قول ثالث: حكي عن أحمد قولان: أحدهما: أن القلة قربتان (^١)، والآخر: أن القلتين خمس قرب (^٢)، ولم يقل بأي قرب.
وفيه قول رابع: قاله إسحاق قال: أما الذي نعتمد عليه إذا كان الماء قلتين، وهما نحو ست قرب؛ لأن القلة نحو الخابية (^٣).
وفيه قول خامس: وهو أن القلتين خمس قرب، ليس بأكبر القرب ولا بأصغرها، هذا قول أبي ثور.
وفيه قول سادس: وهو أنَّها الحباب (^٤)، وهي قلال هجر، معروفة مستفيضة، سمعنا ذلك في أشعارهم، ولم يجعل لذلك حدًّا، [هذا] (^٥) قول أبي عبيد (^٦).
وفيه قول سابع: وهو أن القلة الجرة، وكذلك قال عبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم (^٧)، ولم يجعلوا لذلك حدًّا يوقف عليه.
وفيه قول ثامن: وهو أن القلة قد يقال: للكوز، حكى قبيصة أن الثوري صلى خلفه في شهر رمضان، ثم أخذ نعله وقلة معه ثم خرج.
وفيه قول تاسع: قاله بعض أهل اللغة، قال: والقلة التي جعلت
_________________
(١) "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج (٣٣).
(٢) "مسائل أحمد برواية ابن هانئ النيسابوري" (٢٤).
(٣) الخابية: الحُبُّ، وهي الجرة الكبيرة. "تاج العروس" مادة (خبأ).
(٤) الحباب: مفردها الحُبُّ: الجرة الضخمة، وهي فارسي معرب. "لسان العرب" مادة (حبب).
(٥) سقط من "الأصل"، والمثبت من "د".
(٦) "الطهور" لأبي عبيد (ص ٢٣٨).
(٧) انظر: "السنن الكبرى" (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ٣٧٠ ]
مقدارًا بين ما ينجس [من] (^١) الماء، وما لا ينجس، هي مأخوذة من استقل فلان بحمله، وأقله إذا أطاقه وحمله، وإنما سميت الكيزان قلالًا؛ لأنَّها تقل بالأيدي، وتحمل فيشرب فيها.
قال (^٢): والقلة تقع على الكوز الصغير، والجرة اللطيفة والعظيمة، والحُبُّ اللطيف إذا كان القوي من الرجال يستطيع أن يقله، قال جميل بن معمر:
فَظَلِلنا بنعمةٍ واتكأنا … وشربنا الحلالَ مِن قُلَلِه
قال أبو بكر: وقد روينا عن الأوائل ممن قال بالتحديد في الماء أربعة أقوال سوى ما ذكرناه.
أحدها: عن عبد اللّه بن عمرو أنه قال: إذا بلغ الماء أربعين قلة فلا ينجسه شيء.
١٧٨ - حدثنا علي بن الحسن، ثنا عبد الله، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن عمرو قال: إذا كان الماء أربعين قلة، فلا ينجسه شيء (^٣)، وكذلك قال محمد بن المنكدر (^٤).
والقول الثاني: إذا كان الماء [كُرًّا] (^٥) لم ينجسه شيء، روينا ذلك عن
_________________
(١) سقط من "الأصل"، والمثبت من (د).
(٢) انظر: "لسان العرب" مادة: (قلل).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٦٩ - الماء إذا كان قلتين أو أكثر) من طريق سفيان به.
(٤) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٦٩ - الماء إذا كان قلتين أو أكثر).
(٥) في "الأصل": كثيرًا. والمثبت من "د"، ومصادر التخريج، والكُرُّ: مكيال لأهل العراق، والكُرُّ: ستة أوقار حمارٍ، وهو عند أهل العراق ستون قفيزًا، قال =
[ ١ / ٣٧١ ]
مسروق (^١)، وقال محمد بن سيرين: إذا كان الماء [كرًّا] (^٢) فإنه لا يحمل الخبث (^٣).
وذكر أبو عبيد حديث ابن سيرين هذا، قال: وبه يأخذ بعض أهل الحديث (^٤).
وروينا عن ابن عباس أنه قال: إذا كان الماء ذنوبين لم يحمل الخبث.
١٧٩ - حدثنا محمد بن نصر، حدثني أحمد بن عمرو، نا أبو داود، عن زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا كان الماء قدر ذنوبين لم يحمل خبثًا (^٥).
وقال عكرمة: ذنوبًا أو ذنوبين (^٦).
وقد روي عن أبي هريرة قول رابع: وهو أن الماء إذا كان [أربعين] (^٧) دلوًا، لم ينجسه شيء.
_________________
(١) = الأزهري: والكُرُّ اثنا عشر وسقًا، كل وسق ستون صاعًا. "لسان العرب" مادة (كرر).
(٢) أخرجه الطبري في "تهذيب الآثار" (١٠٩٦، ١٠٩٧).
(٣) في "الأصل": كثيرًا. والمثبت من "د"، ومصادر التخريج، والكُرُّ: مكيال لأهل العراق، والكُرُّ: ستة أوقار حمارٍ، وهو عند أهل العراق ستون قفيزًا، قال الأزهري: والكُرُّ اثنا عشر وسقًا، كل وسق ستون صاعًا. "لسان العرب" مادة (كرر).
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الطهور" (ص ١٧٤)، والطبري في "تهذيب الآثار" (١٠٩٩).
(٥) "الطهور" لأبي عبيد (ص ٢٣٢ - ٢٣٣).
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٦٩ - الماء إذا كان قلتين أو أكثر) من طريق سلمة بن وهرام به.
(٧) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٢٦١).
(٨) في "الأصل": أربعون. والمثبت من "د". وهو الجادة.
[ ١ / ٣٧٢ ]
١٨٠ - حدثنا محمد بن نصر، نا أبو الوليد، نا الوليد، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو، عن أبي هريرة أنه قال: إذا كان الماء أربعين دلوًا لم ينجسه شيء (^١).
وقالت فرقة خلاف [أكل] (^٢) ما ذكرناه، فقالت في الماء الراكد إذا كان في الموضع: إذا حرك منه جانب اضطرب الماء، وخلص اضطرابه إلى الجانب الآخر، فما وقع فيه من نجاسة، نَجَّس لوقوعها فيه، وإن لم تتبين النجاسة فيه، وإن كان الماء في غدير واسع، أو مصنعة (^٣) واسعة عظيمة، إذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر، ولم يخلص بعض الماء إلى بعض، لم ينجسه ما وقع فيه من النجاسات إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، حكي هذا القول عن أصحاب الرأي (^٤).
وقالت طائفة: قليل الماء وكثيره لا ينجسه شيء إلا أن يغلب عليه النجاسة بطعم أو لون أو ريح، هذا قول يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي.
وقد روينا [أخبارًا] (^٥) عن الأوائل تدل على أن الماء لا ينجسه شيء،
_________________
(١) ذكره البيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ٢٦٣) من طريق ابن لهيعة به.
(٢) من "د".
(٣) المصنعة: كالصنع الذي هو الحوض أو شبه الصهريج يجمع فيه ماء المطر، قال الأصمعي: وهي مساكات لماء السماء يحتفرها الناس فيملؤها ماء السماء يشربونها. "لسان العرب" مادة صنع.
(٤) "المبسوط" للسرخسي (١/ ١٩٠ - باب الوضوء والغسل).
(٥) في "الأصل": أخبار. والمثبت هو الجادة.
[ ١ / ٣٧٣ ]
روينا عن ابن عباس أنه قال: الماء لا ينجس، وروينا ذلك عن ابن المسيب، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن زيد (^١).
وروينا عن حذيفة أنه قال: الماء لا يجنب، وعن أبي هريرة أنه سئل عن السؤرة في الحوض يصدر عنها الإبل، ويردها السباع، ويلغ فيها الكلاب، ويشرب منها الحمار، هل نطهر منه؟ قال: لا يحرم الماء شيء.
١٨١ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج، نا حماد، عن الحجاج، عن يحيى بن عبيد البهراني قال: قلت لابن عباس: أتطهر من ماء الحمام فإنه يغتسل منه الجنب وغير الطاهر؟ فقال: إن الماء لا ينجس (^٢).
١٨٢ - وحدثنا علي، نا أبو غسان، نا إسرائيل، عن الزبرقان بن عبد الله، عن كعب بن عبد الله قال: خرجنا - أو كنا - مع حذيفة فانتهينا إلى غدير تطرح فيه الميتة، وتغتسل فيه الحائض، فقال حذيفة: توضئوا منه فإن الماء لا يخبث (^٣).
١٨٣ - حدثنا علي، نا أبو عبيد (^٤)، نا ابن أبي عدي، عن حبيب بن
_________________
(١) انظرهم في "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٦٨ - من قال الماء طهور لا ينجسه شيء).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٣١ - في الغسل من ماء الحمام).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٦٧ - من قال الماء طهور لا ينجسه شيء)، من طريق يحيى بن عبيد به، وأبو عبيد في "الطهور" (ص ١٥٥) كلاهما من طريق إسرائيل به.
(٤) "الطهور" لأبي عبيد (ص ١٥٦)، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٦٧ - من قال الماء طهور لا ينجسه شيء). من طريق حبيب بن شهاب به.
[ ١ / ٣٧٤ ]
شهاب العبدي، عن أبيه قال: قلت لأبي هريرة: السؤرة في الحوض، تصدر عنها الإبل، تردها السباع، وتلغ فيها الكلاب، ويشرب منها الحمار؟ قال: لا يحرم الماء شيء.
قال أبو بكر: وقد احتج بعض من يقول بهذا القول بحجج ست:
أحدها: قوله جل ذكره: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (^١) قال: فالطهارة على ظاهر الكتاب بكل ماء [تجب] (^٢) إلا ماء منع منه كتاب أو سنة أو إجماع، والماء الذي منع الإجماع من الطهارة به الماء الذي يغلب عليه النجاسة بلون أو طعم أو ريح.
ومنها الحديث الذي فيه أمر النبي ﷺ بصب ذنوب من ماء على بول الأعرابي.
١٨٤ - حدثنا محمد بن عبد الوهاب، أنا جعفر بن عون، نا يحيى.
وحدثنا إبراهيم بن عبد الله، نا يزيد بن هارون، نا يحيى الأنصاري أن أنسًا أخبره أن أعرابيًا أتى النبي ﷺ فقضى حاجته ثم قام إلى جانب المسجد فبال فيه، فصاح به الناس، فكفهم النبي ﷺ حتى فرغ الأعرابي، ثم أمر بذنوب من ماء فصب على بول الأعرابي (^٣).
ومنها حديث ابن عباس.
١٨٥ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن
_________________
(١) النساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٢) من "د".
(٣) أخرجه البخاري (٢٢١)، ومسلم (٢٨٤/ ٩٩)، والترمذي (١٤٨)، والنسائي (٥٤، ٥٥)، وأحمد في "مسنده" (٣/ ١١٠، ١٦٧)، والدارمي في "سننه" (٧٤٠) كلهم من طريق يحيى بن سعيد به بنحوه.
[ ١ / ٣٧٥ ]
سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن امرأة من نساء النبي ﷺ استحمت من جنابة، فجاء النبي ﷺ يستحم من فضلها. فقالت: إني اغتسلت منه، فقال النبي ﷺ: "إن الماء لا ينجسه شيء" (^١).
ومنها حديث أبي سعيد.
١٨٦ - حدثنا محمد بن نصر، نا هارون بن عبد الله، نا أبو أسامة، نا الوليد بن كثير المخزومي، ثنا محمد بن كعب القرظي، عن عبيد اللّه بن عبد الله بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول اللّه، أنتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها لحوم الكلاب، والحيَضُ؟ فقال: "الماء طهور، لا ينجسه شيء" (^٢).
_________________
(١) أخرجه النسائي (٣٢٥)، وابن ماجة (٣٧١)، وأحمد في "مسنده" (١/ ٢٣٥، ٢٨٤، ٣٠٨)، والدارمي في "سننه" (٧٣٥)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٠٩)، وابن حبان في "صحيحه" (١٢٤٢) كلهم من طريق سفيان به، وأخرجه أبو داود (٦٩)، والترمذي (٦٥) وغيرهما من طريق سماك به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قلت: إسناده ضعيف وآفته أن حديث سماك عن عكرمة مضطرب كذا قال علي بن المديني ويعقوب بن شيبة وقال الحافظ: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة. وانظر ترجمته في "تهذيب المزي" (٢٥٦٤) وللفائدة انظر: "البدر المنير" (١/ ٣٩٤).
(٢) أخرجه أبو داود (٦٧)، والترمذي (٦٦)، وأحمد في "مسنده" (٣/ ٣١) كلهم من طريق أبي أسامة به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد. قلت: وقد صححه أئمة الفن. قال ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٣٨٧): صححه الأئمة المتقدمون الترمذي وأحمد، ويحيى بن معين، والحاكم، وهم أئمة هذا الفن، والمرجوع إليهم، وصححه الألباني في "الإرواء" (١٤)، وانظر: "التلخيص الحبير" (١/ ١٢).
[ ١ / ٣٧٦ ]
فهذا جواب النبي ﷺ في الماء جوابًا عامًا (^١) يقع على كل ماء، وإن قلَّ.
ومنها: أنَّهم مجمعون على أن الماء القليل طاهر قبل أن يحل فيه النجاسة، ولم يجمعوا على أن النجاسة إذا حلت فيه، ولم تغير للماء لونًا، ولا طعمًا، [ولا ريحًا] (^٢) أنه نجس، فالماء المحكوم له بالطهارة طاهر حتى يثبت له حكم النجاسة بخبر، أو إجماع.
ومنها: أن أهل العلم مجمعون على أن الثوب النجس إذا غسل بالماء ثلاث مرات فهو طاهر، ولو كان الماء القليل إذا اختلط (بالنجاسة) (^٣) وهو غالب عليها [نجسًا] (^٤)؛ ما طهر على هذا القول ثوب أبدًا إلا إن يغسل في مصنعة عظيمة أو [ماء جار، وذلك] (^٥) أن الثوب إذا طرح في الإناء وصب عليه الماء اختلطت النجاسة التي في الثوب بالماء المصبوب في الإناء، فإذا عصر بقي الثوب نجسًا على حاله، ثم أن طرح الثوب النجس الذي هذا سبيله في الإناء ثانيًا، اختلط الماء المصبوب في الإناء بالنجاسة، وكذلك لو فعل ذلك به ثالثًا، أو رابعًا، ولا يطهر ثوب في قول من نجس الماء القليل بوقوع النجاسة فيه على ما ذكرناه أبدًا، ولما أجمعوا على أن الثوب يطهر بالغسلة الثالثة، إذا لم يبق فيه أثر لم يذهبه الماء، دل ذلك على أن الماء إذا غلب على النجاسة كان طاهرًا بكل حال.
_________________
(١) منصوب على القطع، كما في قوله تعالى: " ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾.
(٢) سقط من "الأصل"، والمثبت من "د".
(٣) تكررت في "الأصل".
(٤) في "الأصل": نجسه. والمثبت من "د".
(٥) في "الأصل": ما جاوز ذلك. والمثبت من "د".
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقد احتج بعض أصحابنا القائلين بالقلتين بحديث ابن عمر.
١٨٧ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنا عاصم بن المنذر قال: كنا في بستان له أو لعبيد الله بن عبد الله بن عمر فحضرت الصلاة، فقام إلى [مَقْرى] (^١) البستان فتوضأ منه، وفيه جلد بعير، فقلت: أتوضأ منه وفيه جلد هذا البعير؟ فقال: حدثنى أبي أن رسول الله ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم ينجس" (^٢).
قال أبو بكر: فحديث ابن عمر حجة من قال بالقلتين (^٣)، وقد دفع
_________________
(١) في "الأصل": نهر. والمثبت من "د"، ومصادر التخريج، والمقرى: الحوض الذي يجتمع فيه الماء. "النهاية في غريب الحديث" مادة (قرا).
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ١٠٧) قال: حدثنا عفان به، وأخرجه أبو داود (٦٦)، وابن ماجة (٥١٨)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ٢٣) كلهم من طريق حماد بن سلمة به، دون قصة البستان، وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ٢٢)، وأبو عبيد في "الطهور" (١٦٦) من طريق حماد به.
(٣) تنازع أهل العلم في قبول حديث القلتين أو رده، وقد فند ابن القيم في "تهذيب السنن" (١/ ٥٩) أقوال الناس فيه، وقد ذكر أربعة عشر اعتراضًا، ثم ذهب إلى تضعيف الحديث، وضعفه أيضًا: ابن عبد البر، وإسماعيل القاضي، وابن دقيق العيد وغيرهم. وذهب إلى تصحيحه جماعة ومنهم ابن خزيمة وابن حبان والطحاوي والبيهقي، والحاكم، والنووي والحافظ وابن الملقن وقال: قال الخطابي: يكفي شاهدًا على صحة هذا الحديث أن نجوم أهل الحديث صححوه، وقالوا به، واعتمدوه في تحديد الماء وهم القدوة وعليهم المعول في هذا الباب، فممن ذهب إليه الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وأبو عبيد وابن خزيمة وغيرهم. وقال عبد الحق: حديث صحيح وقال النووي في كلامه على "سنن أبي داود": هذا الحديث حسنه الحفاظ وصححوه، ولا تقبل دعوى من ادعى اضطرابه. وللفائدة انظر: "البدر المنير" (١/ ٤٠٤، و"التلخيص" (١/ ١٦) و"نصب الراية" (١/ ١٠٤ - ١١٢)، وللعلائي رسالة حول هذا الحديث فانظرها.
[ ١ / ٣٧٨ ]
بعض أصحابنا أن يكون هذا الحديث دافعًا لقول النبي ﷺ: "الماء لا ينجسه شيء"؛ لأن قوله: "الماء لا ينجسه شيء" يأتي على ما دون القلتين، وعلى ما فوقهما، وخصوصية النبي ﷺ القلتين ينفي النجاسة عنهما، وإثبات الطهارة لهما زيادة زادها القلتين (^١)، وما دون القلتين، وما فوق القلتين داخل في قوله: "الماء لا ينجسه شيء"، قال: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ (^٢) فأمر بالمحافظة على الصلوات، والصلوات داخلة في جملة قوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ ثم خص الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها فقال: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٢) فلم تكن خصوصية الوسطى بالأمر بالمحافظة عليها، مخرجًا سائر الصلوات من الأمر العام الذي أمر فيه بالمحافظة على الصلوات، وكذلك قول النبي ﷺ "الماء لا ينجسه شيء" وقع على جميع المياه، كما كان قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ واقعًا على جميع الصلوات، ثم قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا"، فكانت هذِه المقالة زيادة زادها القلتين من غير أن يكون ذلك مخرجًا لما دونهما، مع أن حديث القلتين يدفعه ابن المبارك ويقول: ليس بالقوي، ولو ثبت حديث القلتين، لوجب أن يكون على قول من يقول بعموم الأخبار على كل قلة صغرت أو كبرت (^٣).
_________________
(١) أي: حديث القلتين.
(٢) البقرة: ٢٣٨.
(٣) قال ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٤١٣): وقد حكم الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي الحنفي بصحة هذا الحديث لكنه اعتل بجهالة قدر القلتين. وتبعه على ذلك الشيخ تقي الدين فقال في "شرح الإلمام" هذا الحديث قد صحح بعضهم إسناد بعض طرقه وهو - أيضًا - صحيح على طريقة الفقهاء؛ لأنه وإن كان =
[ ١ / ٣٧٩ ]
فأما تحديد من حدد القلتين بخمس قرب، أو بأربع قرب وشيء، أو بكبار القرب، أو بأوساطها، أو بست قرب، أو قول من قال إنها الحباب، أو إنها الجرة، أو ما يقله المرء من الأرض، فتلك تحديدات واستحسانات من قائلها، لا يرجع القائل منهم في ذلك إلى حجة من كتاب، أو سنة، ولا إجماع، وحديث ابن جريجٍ مرسل، لا يثبت.
١٨٨ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^١)، عن ابن جريجٍ قال: حُدِّثْتُ أن النبي ﷺ قال: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجسًا ولا بأسًا"، قال ابن جريجٍ: زعموا أنَّها قلال هجر (^٢).
_________________
(١) = حديثًا مضطرب الإسناد مختلفًا فيه في بعض ألفاظه وهي علة عند المحدثين إلا أنه يجاب عنها بجواب صحيح فإنه يمكن أن يجمع بين الروايات، ويجاب عن بعضها بطريق أصولي وينسب إلى التصحيح. وانظر: "نصب الراية" (١/ ١١٠).
(٢) "المصنف" (٢٥٨، ٢٥٩).
(٣) وأخرجه الشافعي في "الأم" (١/ ٤٣ - الماء الراكد) وعنه البيهقي في "الكبرى" (١/ ٢٦٣) من طريق مسلم بن خالد عن ابن جريج قال الشافعي: بإسناد لا يحضرني من ذكره فساقه. وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ٢٤ - ٢٥) والبيهقي (١/ ٢٦٣) من وجه أخر عن ابن جريجٍ قال: أخبرني محمد أن يحيى بن عقيل أخبره أن يحيى بن يعمر أخبره فرفعه. قال ابن التركماني في "الجوهر النقي": في هذا الحديث أشياء: أحدها: أن مسلم بن خالد ضعفه جماعة. والثاني: أن الإسناد الذي لم يحضره ذكره مجهول الرجال فهو كالمنقطع ولا تقوم به حجة. والثالث: أن قوله وقال في الحديث بقلال هجر يوهم أنه من لفظ النبي ﷺ والذي وجد في رواية ابن جريجٍ أنه قول يحيى بن عقيل كما بينه البيهقي …، ويحيى هذا ليس بصحابي فلا تقوم بقوله حجة. ا هـ بتصرف. وقال ابن الملقن في "البدر المنير" (١/ ٤١٥) عقب طريق البيهقي الثاني: وهذا الحديث مرسل فإن يحيى بن يعمر تابعي مشهور روى عن ابن عباس وابن عمر.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فالحديث في نفسه مرسل، لا تقوم به حجة، وقد فصل ابن جريجٍ بين الحديثين، وبين من قال برأيه، حيث قال: زعموا، وقوله: زعموا، حكاية عمن لم يسمه، ولو سماه بعد أن يكون من أهل عصره، لم يكن حجة، ولو كان الذي أخبره ثقة، وذكر عبد الرزاق عن ابن جريجٍ أنه قال: زعموا، أنَّها قلال هجر، قال الذي أخبرني عن القلال: فرأيت قلال هجر بعد، فأظن كل قلة تأخذ قربتين، فذكر ابن جريجٍ أن الذي أخبره ظن أن كل قلة تأخذ قربتين، فالظن غير واجب قبوله، وقوله: قربتين، ليس بلازم الأخذ به، ونقل ذلك إلى أن يجعل [قربتين ونصف كل قلة، غير جائز، وحكى ذلك إلى أن يجعل] (^١) بكبار القرب أو بصغارها أو بأوساطها، أبعد من ذلك كله، فإثبات أن يجعل القلة قربتين غير واجب، والشيء الذي شك فيه ابن جريجٍ، ليس بثابت، ولو ثبت لاحتمل أن يكون جزءًا من مائة جزء، وأقل وأكثر، وإذا كان ذلك كذلك، فغير جائز أن يحتاط فيجعل نصفًا، ثم يفرض على الناس ما سمي احتياطًا، والقلل محيطة بهذا التحديد، ولزوم ظاهر كتاب الله تعالى، والأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ يجب، وترك الانتقال إلى القول بالمراسيل، ودفع القوم بعموم الأخبار، وقد ذكرت في هذا الباب كلامًا كثيرًا، ومعارضات وحججًا، وهو مثبت في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب.
قال أبو بكر: قد ذكرنا بعض ما حضرنا من اختلاف قول من قال في الماء بالتحديد، وقد أنكر ذلك بعض أهل العلم، حكى عبد الملك مذهب
_________________
(١) سقط من "الأصل"، والمثبت من "د".
[ ١ / ٣٨١ ]
مالك في الماء، فقال: رأيته من مالك فإنما هو أمر يتبين ويفتي به الناس بعد ما يقع فيجده معروفًا بعينه، فأما أن يوضع فيه أصل ويفتي به الناس مما لم يكن بعد، ليكتفي به فيما يحدث ويكون، فلم أر مالكًا يريده، ولا يرخص منه في شيء.
وحكى غيره عن مالك (^١) أنه قال في الذي يغتسل بالماء قد وقعت فيه الميتة، قال: أرى أن يغتسل، وإن ذهب الوقت ولا يعيد صلاة صلاها به إلا في الوقت.
وكان الأوزاعي يقول (^٢): في رجل توضأ من قلة فيها فأرة ميتة لا يعلم بها ثم علم، ولم يجد رائحة ولا طعمًا قال: مضت صلاته.
وكان الثوري يقول في الجيفة تقع في الماء قال (^٣): ما لم يغير ريحًا، ولا طعمًا يتوضأ به.
وحكى أحمد بن يونس، عن الثوري أنه قال: لم نجد في الماء أو لم نر في الماء إلا الرخصة.
* * *