افترق أهل العلم فيما يجب على المستحاضة من الطهارة خمس فرق فقالت فرقة: تتوضأ لكل صلاة، روينا هذا القول عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة، وعروة.
٥٠ - حدثنا إسحاق، أنا عبد الرزاق (^٤)، نا معمر وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: إذا رأت المرأة ما يريبها بعد الطهر مثل غسالة (^٥) اللحم، أو مثل غسالة السمك، أو مثل قطرة الدم (من) (^٦) الرعاف، فإنما تلك ركضة من ركضات الشيطان في الرحم، فلتنضح بالماء، ولتتوضأ ولتصل (^٧).
_________________
(١) "الإقناع في مسائل الإجماع" (٢٨٤).
(٢) بتر بالأصل، وما أثبتناه من "د، ط".
(٣) في "الأصل": طهارة. وضرب عليها الناسخ وكتب في الحاشية: نجاسة. والمثبت من "د، ط".
(٤) "المصنف" (١١٦١).
(٥) غسالة كل شيء ماؤه الذي يغسل به، والغسالة: ما غسلت به الشيء. "لسان العرب" مادة "غسل".
(٦) في "المصنف": قبل.
(٧) أخرجه الدارمي في "سننه" (٨٧٣) من طريق إسرائيل به، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١١٦ - في المرأة تطهر ثم ترى الصفرة بعد الطهر) من طريق أبي إسحاق به.
[ ١ / ٢٦٤ ]
٥١ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا أبو عبيد، نا هاشم بن القاسم، عن شعبة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس، سئل عن الأستحاضة فقال: إنما هو عرق عائد، أو ركضة من الشيطان، فلتدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتوضأ لكل صلاة، قيل: وإن سال؟ قال: وإن سال مثل هذا المثعب (^١) (^٢).
٥٢ - وحدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله، عن سفيان، عن بيان، عن الشعبي، عن قمير، عن عائشة قالت: المستحاضة تجلس أيام أقرائها، ثم تغتسل غسلًا واحدًا، وتتوضأ لكل صلاة (^٣).
_________________
(١) المَثْعَبُ - بالفتح -: واحد مثاعب: الحياض، وانثعب الماء جرى في المثعب. "لسان العرب" مادة (ثعب).
(٢) أخرجه الدارمي (٧٨٨) من طريق شعبة بنحوه، وليس فيه: "توضأ لكل صلاة".
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١١٧٠)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٥١ - المستحاضة كيف تصنع؟) من طريق قمير عن عائشة به، وضعفه، وذكر رواية الشعيي عن حديث قمير، عن عائشة: "توضأ لكل صلاة" وذكر خمس روايات أخرى موقوفة، ضعف بعضها، واستثنى منها أثر قمير عن عائشة، وأخرجه الدارمي (٨١٤) من طريق الشعبي به، "أن عائشة قالت في المستحاضة: تغتسل كل يوم مرة". وأخرجه أبو داود (٣٠٣) عن أم كلثوم عنها بلفظ (تغتسل - تعنى مرة واحدة ثم توضأ إلى أيام أقرائها). وأخرجه في (٣٠٤) عن ابن شبرمة عن امرأة مسروق عنها مثله، وأم كلثوم وامرأة مسروق وقمير بنت عمرو؛ واحد وانظر "التحفة" للمزى (١٢/ ٤٣٢) قال أبو داود بعد أن ساقه جملة من الآثار في ذلك: ورواه ابن داود عن الأعمش مرفوعًا أوله، وأنكر أن يكون فيه الوضوء عند كل صلاة، ودل على ضعف حديث حبيب هذا أن رواية الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "فكانت تغتسل لكل صلاة" في حديث المستحاضة. وروى أبو اليقظان عن عدي بن ثابت عن أبيه عن علي ﵁ وعمار مولى بني هاشم =
[ ١ / ٢٦٥ ]
وبه قال مالك (^١) وأصحابه عبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن سلمة، وأبو مصعب، وهكذا قال الثوري فيمن تبعه من أهل العراق، وحكي ذلك عن ابن المبارك، وعبد الرحمن بن مهدي، وكذلك قال الشافعي (^٢)، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، غير أن أحمد وإسحاق (^٣) اختارا لها أن تغتسل لكل صلاة، فإن لم تفعل جمعت بين الصلاتين بغسل، فإن لم تفعل، وتوضأت لكل صلاة أجزأتها.
وقالت فرقة: تغتسل لكل يوم غسلًا واحدًا. وقال بعضهم: وتتوضأ لكل صلاة، روينا عن عائشة رواية ثانية أنها قالت: تغتسل لكل يوم غسلًا وتصلي. وقال ابن المسيب: تغتسل من ظُهْرٍ إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة (^٤).
_________________
(١) = عن ابن عباس، وروى عبد الملك بن ميسرة وبيان والمغيرة وفراس ومجالد عن الشعبي عن حديث قمير عن عائشة (توضئي لكل صلاة)، ورواية داود وعاصم عن الشعبي عن قمير عن عائشة (تغتسل كل يوم مرة)، وروى هشام بن عروة عن أبيه (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)، وهذِه الأحاديث كلها ضعيفة إلا حديث قمير، وحديث عمار مولى بني هاشم، وحديث هشام بن عمرو عن أبيه، والمعروف عن ابن عباس الغسل.
(٢) انظر: "المدونة" (١/ ١٥٢ - في الحائض والمستحاضة)، "الموطأ" (١/ ٧٨ - باب المستحاضة).
(٣) "الأم" (١/ ١٣٣ - باب المستحاضة).
(٤) "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٨٢٠).
(٥) أخرجه: أبو داود (٣٠٥)، والدارمي (٨٠٨، ٨٠٩)، وقال أبو داود بعد ما ذكر من روي عنه "تغتسل من ظهر إلى ظهر" ومن قال به، قال: وقال مالك: إني لأظن حديث سعيد بن المسيب إنما هو "من طهر إلى طهر"، (ولكن الوهم دخل فيه. ورواه مسور بن عبد الملك بن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع: "من طهر إلى طهر" =
[ ١ / ٢٦٦ ]
وكذلك قال الحسن البصري، وقال الشعبي: إذا اغتسلت كل يوم غسلًا أجزأها.
٥٣ - حدثنا خشنام بن إسماعيل، نا محمد بن يحيى، نا وهب بن جرير، عن شعبة، عن داود وعاصم، عن الشعبي، عن قمير امرأة مسروق، عن عائشة أنها قالت في المستحاضة: تمسك عن الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل لكل يوم غسلًا وتصلي (^١).
وقالت فرقة ثالثة: تغتسل لكل صلاة، روي هذا القول عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير.
٥٤ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^٢)، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير، أن سعيد بن [جبير] (^٣) أخبره قال: أرسلت امرأة مستحاضة إلى ابن الزبير غلامًا لها - أو مولى لها - أني مبتلاة لم أصل منذ كذا وكذا - حسبت أنه قال: منذ سنتين - وإني أنشدك الله إلا ما بينت لي في ديني، قال: وكتبت إليه أني أفتيت أن أغتسل لكل صلاة. فقال ابن الزبير: ما أجد لها إلا ذلك. ثم جاء ابن عمر وابن عباس فقالا: ما نجد لها إلا ذلك.
٥٥ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله، عن سفيان، عن عبد الله بن
_________________
(١) = فلقنها الناس: "من ظهر إلى ظهر" (١/ ٢٩٩) وانظر: "معالم السنن" للخطابي المطبوع مع "مختصر سنن أبي داود" (١/ ١٩٢ - ١٩٣)، و"المنتقى شرح الموطأ" للباجي (١/ ١٤٥).
(٢) أخرجه الدارمي (٨١٤) من طريق داود به بلفظ: "تغتسل كل يوم مرة".
(٣) "المصنف" (١١٧٩) وليس فيه قول ابن عمر وابن عباس.
(٤) في "الأصل": المسيب. تحريف، والمثبت من "المصنف".
[ ١ / ٢٦٧ ]
مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن امرأة جاءت فقالت: إني استحضت منذ كذا وكذا، وقد حدثت أن عليًا قال: تغتسل لكل صلاة. فقال ابن عباس: ما أجد لها إلا ما قال علي (^١).
وقالت فرقة رابعة: تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، وتجمع بين المغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر غسلًا، روي هذا القول، عن ابن عباس وهي الرواية الثالثة عنه.
٥٦ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^٢)، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير: أن امرأة من أهل الكوفة كتبت إلى ابن عباس كتابًا، فإذا في الكتاب: إني امرأة (^٣) أصابني بلاء [وضر] (^٤) وإني (^٥) أدع الصلاة الزمان الطويل، وإن علي بن أبي طالب سئل عن ذلك، فأفتاني أن أغتسل عند كل صلاة، قال: فقال ابن عباس: اللهم لا أجد لها إلا ما قال علي، غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا.
وبه قال عطاء بن أبي رباح (^٦)، وإبراهيم النخعي (^٧) وكان الأوزاعي
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (١١٧٨)، والدارمي (٨٩٧) عن سفيان الثوري، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن سعيد بن جبير به، وابن أبي شيبة في "مصنفه" «١/ ١٥٢ - المستحاضة كيف تصنع؟) من طريق سعيد بن جبير به.
(٢) "المصنف" (١١٧٣).
(٣) زاد في "المصنف": مستحاضة.
(٤) في "الأصل": وظنا. تحريف، والمثبت من "المصنف".
(٥) زاد في "الأصل": لا. وهي زيادة مقحمة لا تناسب السياق.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١١٧١).
(٧) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (١١٧٢).
[ ١ / ٢٦٨ ]
يعجبه هذا القول، فإن أخبرته أنها لا تقوى على ذلك، أمرها أن تغتسل من ظهر إلى ظهر، وتتوضأ لكل صلاة.
وقد حكي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قول خامس (^١): (وهو) (^٢) أن لا وضوء على المستحاضة لكل صلاة إلا أن يصيبها حدث بعد وضوئها من بول أو ريح أو ما أشبه ذلك مما ينقض الوضوء.
وقد روينا عن النبي ﷺ أربعة أخبار يوافق كل خبر منها قولًا من هذِه الأقاويل، غير قول ربيعة، وقد تُكلم في أسانيدها (^٣)، والنظر دال على ما قال ربيعة، إلا أنه قول لا أعلم أحدًا سبقه إليه، وإنما قلت النظر يدل عليه، لأنه لا فرق بين الدم الذي يخرج من المستحاضة قبل الوضوء، والذي يخرج في أضعاف (^٤) الوضوء، والدم الخارج بعد الوضوء؛ لأن دم المستحاضة إن كان يوجب الوضوء، فقليل ذلك وكثيره - في أي وقت كان - يوجب الوضوء، فإذا كان هكذا وابتدأت المستحاضة في الوضوء فخرج منها دم بعد غسلها [بعض] (^٥) أعضاء الوضوء، وجب أن ينتقض ما غسلت من أعضاء الوضوء؛ لأن الدم الذي يوجب الطهارة في قول من أوجب على المستحاضة الطهارة
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣١٠)، قال الخطابي: وقول ربيعة شاذ، وليس العمل عليه. "معالم السنن" (المطبوع مع "مختصر سنن أبي داود" (١/ ١٩٤).
(٢) تكررت في "الأصل".
(٣) انظر تفصيل هذِه الطرق في "نصب الراية" (١/ ٢٠٢) و"البدر المنير" (٣/ ١٢١)، بتحقيقنا.
(٤) أي: أثناء. "لسان العرب" مادة (ضعف).
(٥) في "الأصل، ط": بعد. خطأ، والمثبت من "د".
[ ١ / ٢٦٩ ]
قائم، وإن كان ما يخرج منها بين أضعاف الوضوء وما خرج منها قبل أن تدخل الصلاة، وما حدث في الصلاة منه [لا ينقض طهارة، وجب كذلك أن ما خرج منها بعد فراغها من الصلاة] (^١) لا ينقض طهارة إلا بحدث غير دم الاستحاضة، هذا الذي يدل عليه النظر، ومع أنا قد روينا عن مالك (^٢) أنه استحب لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة إلا أن يكون البرد يؤذيه، فإذا أذاه قال: رجوت أن لا يكون عليه الضيق في ترك الوضوء.
وقد زعم يعقوب أن القياس في الجرح السائل، والمستحاضة أن لا تتوضأ، قال: ولكنا تركنا القياس للأثر، وقد ذكرت في المختصر الذي اختصرت هذا الكتاب منه الآثار التي رويت في هذا الباب وعللها، فمن أراد [أخذ] (^٣) معرفة ذلك نظر في ذلك الكتاب - إن شاء اللّه.
* * *