قال الله - جل ذكره -: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ الآية (١).
أجمع أهل العلم (^٣) أن الملامسة حدث ينقض الوضوء.
واختلفوا في اللمس وفيما يجب على من لمس، فقالت طائفة: الملامسة: الجماع، كذلك قال عبد الله بن عباس، قال: الملامسة والمباشرة والإفضاء، والرفث والجماع: نكاح، ولكن الله تعالى كنَّى.
ورُوينا عن علي بن أبي طالب أنه قال: اللمس: الجماع، ولكن الله تعالى كنَّى عنه، وهذا قول عطاء بن أبي رباح (^٤)، والحسن البصري.
_________________
(١) النساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٢) انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد الهروي (١/ ١٥٦، ٢/ ١٢٦).
(٣) انظر: "الإجماع" للمصنف (٤)، و"الإقناع في مسائل الإجماع" (٢٧٠).
(٤) أخرج عبد الرزاق في "مصنفه" (٥٠٦) أن عطاء قال: هو اللمس والغمز. وأخرج الطبري في "تفسيره" (٥/ ١٠٢) أن عطاء قال: الملامسة ما دون الجماع. إلا أن ابن قدامة في "المغني" (١/ ٢٥٧)، والنووي في "المجموع" (٢/ ٣٤) =
[ ١ / ٢٢٧ ]
٦ - قال: حدثنا محمد بن نصر، قال: نا يحيى بن يحيى، قال: نا هشيم، عن أشعث، عن الشعبي، عن علي قال: اللمس هو الجماع، ولكن الله كنَّى عنه (^١).
٧ - قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: نا حجاج، قال: نا حماد، قال: أخبرني عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الملامسة، والمباشرة، والإفضاء، والرفث، والجماع: نكاح، ولكنَّ الله كنَّى (^٢).
٨ - قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، قال: نا علي بن عثمان اللاحقي (^٣)، قال: نا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الملامسة هي الجماع (^٤).
_________________
(١) = نقلا أنه رُوي عن عطاء أن اللمس لا ينقض بحال. وهذا يؤيد كلام ابن المنذر من أن عطاء يرى أن الملامسة الجماع.
(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٩٢) من طريق سفيان عن أشعث بنحوه مختصرًا، قال: الجماع. وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٩٢ - قوله "أو لامستم النساء") عن حفص، عن أشعث، عن الشعبي، عن أصحاب علي، عن علي قال: هو الجماع.
(٣) أخرجه ابن حجر في "تغليق التعليق" (٤/ ٢٠٣) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم به، وقال في "فتح الباري" (٨/ ١٢٢): رواه عبد بن حميد من طريق عكرمة عن ابن عباس به.
(٤) تصحف في النسخة المطبوعة إلى (الأخفى) وهو علي بن عثمان بن عبد الحميد بن لاحق الرقاشي اللاحقي، ترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ١٩٦) ووثقه أبو حاتم.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٩٢ - قوله: "أو لامستم النساء") من طريقين عن سعيد بن جبير به.
[ ١ / ٢٢٨ ]
٩ - قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: نا أبو بكر (^١)، قال: نا حفص، عن الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٢) قال: هو الجماع (^٣).
وقالت طائفة: اللمس ما دون الجماع، كذلك قال عبد الله بن مسعود، وقال عبد الله بن عمر: من قبَّل امرأته أو جسَّها (^٤)، بيده فعليه الوضوء.
١٠ - قال: أنا الربيع، قال: أنا الشافعي (^٥)، قال: أخبرنا مالك (^٦)، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: قبلة الرجل امرأته، وجسها بيده، ملامسة، فمن قبَّل امرأته أو جسَّها بيده، فعليه الوضوء.
١١ - قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: القبلة من اللمس، فيها الوضوء (^٧).
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٩٢ - قوله: "أو لامستم النساء").
(٢) النساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٣) قال ابن حجر في "فتح الباري" (٨/ ١٢٢): أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير بإسناد صحيح.
(٤) الجسُّ: اللمس باليد. "لسان العرب" مادة: (جسس).
(٥) "الأم" (١/ ٦٢ - ٦٣ - الوضوء من الملامسة والغائط)، "مسند الشافعي" (ص ١١).
(٦) "الموطأ" (١/ ٦٥ - باب الوضوء من قبلة الرجل امرأته)، وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ١٤٤) من طريق مالك به، وقال: صحيح.
(٧) أخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ١٤٥) من طريق الأعمش به، وقال: صحيح. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٢٤)، و"الخلافيات" (٢/ ١٥٨ - ١٦٠) من طريق الأعمش به، وقال في "الخلافيات": هكذا رواه جماعة: الثوري،=
[ ١ / ٢٢٩ ]
١٢ - قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، (قال: نا أبي) (^١)، قال: نا شعبة، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله بن مسعود قال: الملامسة ما دون الجماع (^٢).
واختلفوا في الوضوء من القبلة، فقالت طائفة: فيها الوضوء، كذلك قال ابن عمر، وروي ذلك عن ابن مسعود.
١٣ - قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (^٣)، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، أن ابن عمر كان يقول: من قبل امرأته وهو على وضوء؛ أعاد الوضوء.
١٤ - قال: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^٤)، عن معمر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، أن ابن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القُبلة إذا قبَّل امرأته، وكان يقول في هذِه الآية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٥) قال: هو الغمز.
_________________
(١) = وشعبة، وغيرهم عن الأعمش وفيه إرسال، أبو عبيدة لم يسمع من أبيه. انظر: "تاريخ ابن معين" (ص ١٥٠)، "المراسيل" لابن أبي حاتم" (٢٥٦ - ٢٥٧)، "علل الدارقطني" (٥/ ٣٠٨).
(٢) تكررت في "الأصل".
(٣) أخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١٢٤)، وفي "خلافياته" (٢/ ١٦٠) من طريق شعبة به، وقال: إسناد موصول صحيح.
(٤) "المصنف" (٤٩٦)، وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ١٤٤) من طريق عبد الرزاق به، وقال: صحيح.
(٥) "المصنف" (٤٩٩) وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، كما نبهنا على ذلك قريبًا.
(٦) النساء: ٤٣، المائدة: ٦.
[ ١ / ٢٣٠ ]
وممن رأى في القبلة الوضوء (^١): الزهري، وعطاء بن السائب، ومكحول، والشعبي، والنخعي، ويحيى الأنصاري، وزيد بن أسلم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، والشافعي (^٢).
وفيه قول ثان: وهو أن لا وضوء في القبلة (^٣) كذلك قال ابن عباس، وطاوس، والحسن، ومسروق، وعطاء بن أبي رباح.
وفيه قول ثالث: وهو أن إيجاب الوضوء على من قبل لشهوة، وإسقاطه عمن قبل لرحمة أو لغير شهوة (^٤)، هذا قول النخعي، والشعبي، والحكم، و[حماد] (^٥)، وبه قال مالك بن أنس (^٦)، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (^٧)، وإسحاق بن راهويه (^٨).
وفي المسألة قول رابع: وهو أن الرجل إذا قبَّل امرأته لشهوة، أو لمسها لشهوة، أو لمس فرجها لشهوة لم ينقض وضوءه، فإن باشرها
_________________
(١) انظر: "التمهيد" (٤/ ١٣١)، و"المغني" (١/ ٢٥٧)، و"المجموع" (٢/ ٣٤) وذكر النووي عطاء بن السائب وقال: رواية عن الشعبي والنخعي. ولم يذكرهم ابن عبد البر ولا ابن قدامة في كتابيهما.
(٢) "الأم" (١/ ٦٢ - ٦٣ الوضوء من الملامسة والغائط).
(٣) انظر: "المغني" (١/ ٢٥٧ - مسألة: وملاقاة جسم الرجل للمرأة لشهوة)، و"المجموع" (٢/ ٣٤ - باب: الأحداث التي تنقض الوضوء).
(٤) انظر: "المغني" (١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ - مسألة: وملاقاة جسم الرجل للمرأة لشهوة)، و"المجموع" (٢/ ٣٤ - باب: الأحداث التي تنقض الوضوء).
(٥) في "الأصل": الحكم. تحريف، والمثبت من "د، ط".
(٦) "المدونة" (١/ ١٢١ - ١٢٢ - ما جاء في الملامسة والقبلة).
(٧) انظر: "مسائل أحمد برواية ابنه عبد الله" (٦٦).
(٨) "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٢٩).
[ ١ / ٢٣١ ]
لشهوة وليس بينهما ثوب نقض وضوءه، وعليه أن يعيد الوضوء، هذا قول النعمان، ويعقوب.
وقال محمد (^١): لا وضوء عليه حتى يخرج منه مذي أو غيره.
وفيه قول خامس: رُوي عن عطاء، وهو: إن قبَّل حلالًا فلا إعادة عليه، وإن قبَّل حرامًا أعاد الوضوء (^٢).
قال أبو بكر: وقد احتج بعض من يوجب من اللمس والقبلة الوضوء بظاهر قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٣) قال: جائز أن يقال لمن قبَّل امرأته، أو لمسها بيده، قد لمس فلان زوجته، ويدل على أن اللمس قد يكون باليد قوله تعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ (^٤) ونهى النبي ﷺ عن الملامسة (^٥)، وهي لمس الرجل الثوب بيده، فظاهر الكتاب والسنة واللغة يدل على أن اللمس يكون باليد وغيرها.
وقال الشافعي بعد أن تلا الآية قال: فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط، وأوجبه من الملامسة، وإنما ذكرها [موصولة] (^٦) بالغائط بعد ذكره بالجنابة، فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد، والقبلة غير الجنابة (^٧).
_________________
(١) انظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ١٨٧ - باب الوضوء والغسل).
(٢) قال النووي في "المجموع" (٢/ ٣٤): حكاه ابن المنذر، وصاحب "الحاوي" عن عطاء، وهذا خلاف ما حكاه الجمهور عنه، ولا يصح هذا عن أحد - إن شاء الله - اهـ.
(٣) النساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٤) الأنعام: ٧.
(٥) أخرجه البخاري (٥٨٢٠)، ومسلم (١٥١٢) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٦) في الأصول الخطية: موصولًا. وما أثبتنا من "الأم".
(٧) "الأم" (١/ ٦٢ - الوضوء من الملامسة والغائط).
[ ١ / ٢٣٢ ]
واحتج (بعض) (^١) من يخالفهم، فقال: جائز في اللغة أن يقال لمن مس امرأته بيده: قد لمسها، ولكن الملامسة التي ذكرها الله في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٢) الجماع الموجب للجنابة دون غيره، استدللنا على ذلك بكتاب الله ﷿ وبالخبر عن رسول الله ﷺ، وبالنظر.
فأما الكتاب الذي يدل على معنى ما ذكرناه فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^٣)، يعني وقد أحدثتهم قبل ذلك، ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^٤)، فأوجب الله ﷿ غسل الأعضاء التي ذكرها بالماء ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٤) يريد الاغتسال بالماء، فأوجب الوضوء من الأحداث، والاغتسال بالماء من الجنابة، ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (^٤) يريد الجماع الذي يوجب الجنابة، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (^٤) تتوضؤون به من الغائط أو تغتسلون به من الجنابة، كما أمرتكم به في أول الآية، ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾، فإنما أوجب في آخر الآية التيمم على ما كان أوجب عليه الوضوء والاغتسال بالماء في أولها.
فأما قول من قال: إن الله تعالى لما ذكر طهارة الجنب في أول الآية ثم ذكر الملامسة في آخر الآية موصولًا بالغائط، استدللنا بذلك على أنها غير الجنابة، فإنما كان يكون ما قالوا دليلًا، لو كان أوجب على الملامس في آخر الآية الطهارة التي أوجبها على الجنب في أولها، فكان يكون
_________________
(١) تكررت في "الأصل".
(٢) النساء: ٤٣، المائدة: ٦.
(٣) المائدة: ٦.
(٤) المائدة: ٦.
[ ١ / ٢٣٣ ]
حينئذ ذلك دليلًا على أن اللمس غير الجنابة؛ لأنه قد أوجب الطهارة من الجنابة في أول الآية، فلم يكن إعادة إيجاب الطهارة منها في آخرها معنى يصح، ولكنه إنما أوجب عليه في أول الآية الاغتسال بالماء، وأوجب عليه في آخرها التيمم بدلًا من الماء، إذا كان مسافرًا لا يجد الماء، أو مريضًا، فهذا المعنى أصح وأبين - والله أعلم.
واحتج بعضهم بحديث عائشة:
١٥ - قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: نا يحيى بن يحيى، قال: أنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قال: قلت: ما هي إلا أنت، فضحكت (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١٨١)، والترمذي (٨٦)، وابن ماجه (٥٠٢)، وأحمد (٦/ ٢١٠) كلهم من طريق وكيع به، ونقل الترمذي عن علي بن المديني أنه قال: ضعَّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدًّا، وقال: هو شبه لا شيء. قال: وسمعت محمد بن إسماعيل - البخاري - يُضعِّف هذا الحديث. وأخرجه النسائي (١٧٠) من طريق إبراهيم التيمي عن عائشة، وقال الترمذي في "سننه" (١/ ١٣٨): حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة، وحديث إبراهيم التيمي عن عائشة لا يصح أيضًا، وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. وأخرجه أبو داود (١٨٢) عن الأعمش قال: أخبرنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث. قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان لرجل: احك عني أن هذين - يعني حديث الأعمش هذا عن حبيب، وحديثه بهذا الإسناد في المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة - قال يحيى: احك عني أنهما شبه لا شيء. قال أبو داود: وروى عن الثوري قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني. يعني لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشيء.
[ ١ / ٢٣٤ ]
قال أبو بكر: ويقال: إن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة شيئًا (^١). وقال بعضهم: للملامسة نظائر في الكتاب، من ذلك المباشرة، واللمس والمس واحد في المعنى، قال الله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (^٢) الآية، وقال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (^٤) فذكر - جل ذكره - المسيس في هذِه الآيات واللمس [والمس] (^٥) والملامسة والمماسة.
وقد أجمع أهل العلم على أن رجلًا لو تزوج امرأة [ثم مسَّها] (^٦) بيده، أو قبلها بحضرة جماعة، ولم يخل بها فطلقها، أن لها نصف الصداق إن كان سمى لها صداقًا (^٧)، والمتعة إن لم يكن سمى لها صداقًا، ولا عدة عليها.
_________________
(١) قاله أحمد ويحيى بن معين والبخاري. انظر: "بحر الدم" (ص ١٠٣)، و"المراسيل" لابن أبي حاتم (ص ٢٨)، و"سنن الترمذي" (١/ ١٣٥). قلت: والحديث أعله جماعة من النقاد. قال الدارقطني في "العلل" (١٥/ ٦٣): يرويه الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، وحبيب لم يسمع من عروة شيئًا، قال ذلك يحيى القطان عن الثوري، ثم ساق الخلاف في إسناده، وقال: والصواب عن وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة "أن النبي ﷺ كان يقبل وهو صائم". وضعفه البيهقي أيضًا في "سننه" وانظر: "نصب الراية" للزيلعي (١/ ٧٢).
(٢) البقرة: ٢٣٦.
(٣) الأحزاب: ٤٩.
(٤) البقرة: ٢٣٧.
(٥) سقطت من "الأصل"، والمثبت من "د، ط".
(٦) في "الأصل": لم يمسها. والمثبت من "د، ط".
(٧) انظر: "مراتب الإجماع" (١٢٣ - ١٢٤)، و"الإقناع في مسائل الإجماع" (٢٢٥٥).
[ ١ / ٢٣٥ ]
فدل إجماعهم على ذلك أن الله تعالى أراد في هذِه الآيات الجماع، فإذا كان كذلك حكمنا للمس بحكم المس إذا كانا في المعنى واحدًا.
قال أبو بكر: وقد أجمع كل من حُفظ عنه من أهل العلم على أن لا وضوء على الرجل إذا قبَّل أمه، أو ابنته، أو أخته إكرامًا [لهن] (^١) وبرًّا، عند قدوم من سفر، أو مس بعض بدنه بعض بدنها عند مناولة شيء إن ناولها.
إلا ما ذكر من أحد قولي الشافعي: فإن بعض المصريين من أصحابه حكى عنه في المسألة قولين: أحدهما إيجاب الوضوء منه (^٢)، والآخر كقول سائر أهل العلم، ولم أجد هذِه المسألة في كتبه المصرية التي قرأناها على الربيع، ولست أدري أيثبت ذلك عن الشافعي أم لا؛ لأن الذي حكاه لم يذكر أنه سمعه منه، ولو ثبت ذلك عنه لكان قوله الذي يوافق فيه المدني والكوفي وسائر أهل العلم أولى به.
_________________
(١) في "الأصل": لهم. والمثبت من "د، ط".
(٢) قال النووي في "المجموع" (٢/ ٣١ باب: الأحداث التي تنقص الوضوء): إذا لمس ذات رحم محرمًا ففي انتقاضه قولان مشهوران، ذكر المصنف دليلهما، قال القاضي أبو الطيب والمحاملي في كتابيه وصاحبا "الشامل" و"البحر" وآخرون: نصَّ عليهما الشافعي في حرملة، قال المحاملي في "المجموع": لم يذكر الشافعي هذِه المسألة إلا في حرملة، وقال الشيخ أبو حامد في التعليق: ظاهر قول الشافعي في جميع كتبه أنه لا ينتقض إلا أن أصحابنا قالوا: فيه قولان، ولست أعلم أن ذلك منصوص. وقال صاحب "الحاوي": في المسألة قولان، أصحهما وبه قال في "الجديد" و"القديم": لا ينتقض، فحصل من هذا أن المشهور عن الشافعي عدم الانتقاض، واتفق أصحابنا في جميع الطرق على أنه الصحيح إلا صاحب الإبانة فصحح الانتقاض، وهو شاذ ليس بشيء، وانظر: "الحاوي" للماوردي (١/ ١٨٨).
[ ١ / ٢٣٦ ]
وقد ثبت أن نبي الله ﷺ صلى وهو حامل أمامة بنت أبي العاص.
١٦ - قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: نا خالد بن مخلد، قال: نا مالك (^١)، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن عمرو بن سليم الزُّرقي، عن أبي قتادة قال: حمل رسول الله ﷺ أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
قال أبو بكر: في حمل رسول الله ﷺ أمامة بنت أبي العاص، دليل على صحة قول عوام أهل العلم، إذ معلوم متعارف أن من حمل صبية صغيرة لا يكاد يخلو أن يمس بدنه بدنها - والله أعلم - مع [أن] (^٢) إيجاب الطهارة من ذلك فرض، والفرائض لا يجوز إيجابها إلا بحجة، وما زال الناس في القديم والحديث يتعارفون أن يعانق الرجل أمه وجدته، و[يقبل] (^٣) ابنته في حال الصغر [قبلة] (^٤) الرحمة، ولا يرون ذلك ينقض الطهارة، ولا يوجب وضوءًا عندهم، ولو كان ذلك حدثًا ينقض الطهارة ويوجب الوضوء، لتكلم فيه أهل العلم، كما تكلموا في ملامسة الرجل امرأته، وقبلته إياها.
* * *
_________________
(١) "الموطأ" (١/ ١٥٥ - باب جامع الصلاة)، وأخرجه البخاري (٥١٦)، ومسلم (٥٤٣/ ٤١)، وأبو داود (٩١٤)، والنسائي في "سننه" (١٢٠٣)، وأحمد في "مسنده" (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦) كلهم من طريق مالك به.
(٢) سقط من "الأصل"، والمثبت من "د، ط".
(٣) في "الأصل": تقبيل. والمثبت من "د، ط".
(٤) في "الأصل": قبل. والمثبت من "د، ط".
[ ١ / ٢٣٧ ]