أجمع أهل العلم أن الطهارة بالماء جائز (^١).
وأجمعوا على أن الاغتسال والوضوء لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ (^٢)؛ فإنهم اختلفوا في الطهارة به عند فقد الماء.
فقالت طائفة: لا يجوز الوضوء إلا بالماء خاصة، فإن لم يجد الماء تيمم، لا يجزئه غير ذلك، هذا مذهب مالك (^٣)، وقال مالك: لا يتوضأ بالنبيذ ونحو ذلك (^٣)، وكذلك قال الشافعي (^٤)، وأبو عبيد (^٥)، وأحمد بن حنبل (^٦)، ويعقوب (^٧)، وكان الحسن يقول: لا يتوضأ بلبن ولا نبيذ (^٨).
وفيه للحسن قول ثان: وهو أن لا بأس به (^٩)، وكره عطاء الوضوء باللبن (^١٠)، وكره أبو العالية الاغتسال بالنبيذ (^١١).
_________________
(١) "الإجماع" للمصنف (٨).
(٢) "الإجماع" للمصنف (٩).
(٣) "المدونة" (١/ ١١٤ - في الوضوء بما الخبز والنبيذ والإدام).
(٤) "الأم" (١/ ٤٢ - كتاب الطهارة).
(٥) "الطهور" لأبي عبيد (ص ٣١٧).
(٦) "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٤٢).
(٧) "المبسوط" للسرخسي (١/ ٢١٥ - باب الوضوء والغسل).
(٨) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٦٩٤)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٧٩ - في الوضوء باللبن).
(٩) انظر: "الطهور" لأبي عبيد (٢٦٧).
(١٠) انظر: "سنن أبي داود" (٨٧)، و"مصنف عبد الرزاق" (٦٩٥).
(١١) رواه البخاري معلقًا (١/ ٤٢١)، وانظر: "سنن أبي داود" (٨٨)، و"سنن الدارقطني" (١/ ٧٨)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٣٩ - في الوضوء بالنبيذ).
[ ١ / ٣٥٩ ]
وروينا عن ابن عباس أنه سئل عن الوضوء باللبن فقال: لا يتوضأ باللبن إذا لم يجد الماء أحدكم فليتيمم بالصعيد.
١٧٠ - حدثنا محمد بن نصر، نا يحيى بن يحيى قال: قرأت على شريك، عن [مرزوق] (^١)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٢)، فذكر ما تقدم عنه.
وقد روينا عن علي بإسناد لا يثبت، أنه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ (^٣)، وبه قال الحسن (^٤) والأوزاعي (^٥).
وقالت طائفة: النبيذ وضوء لمن لا يجد الماء، روي هذا القول عن عكرمة (^٦). وقال إسحاق: إن ابتلي توضأ بالنبيذ حلوًا، كما وصف أبو العالية: تمرات ألقيت في الماء حتى غير اللون، فهو أحب إلي من التيمم، وجمعهما أحب إلي (^٧).
_________________
(١) في "الأصل": مورق. وهو تصحيف، وهو مرزوق أبو بكير التيمي، روى عن سعيد بن جبير، وروى عنه شريك بن عبد الله، وهو من رجال "التهذيب".
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الطهور" (ص ٢٦٨)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٧٩ - في الوضوء باللبن). كلاهما من طريق شريك.
(٣) انظر: "الطهور" لأبي عبيد (ص ٢٦٦)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٣٩ - في الوضوء بالنبيذ)، وقال ابن حجر في "الفتح" (١/ ٤٢٢ - باب: لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر): وروي عن علي وابن عباس ولم يصح عنهما قلت: وآفته الحارث الأعور وهو كذاب.
(٤) انظر: "الطهور" لأبي عبيد (ص ٢٦٧).
(٥) ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١/ ٤٢٢).
(٦) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٣٩ - في الوضوء بالنبيذ).
(٧) "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٤١).
[ ١ / ٣٦٠ ]
١٧١ - حدثنا إسماعيل، نا أبو بكر (^١)، نا أبو معاوية، عن الحجاج، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنَّه كان لا يرى بأسًا بالوضوء بالنبيذ.
وفيه قول رابع: قاله النعمان (^٢)، لا يجزئ أن يتوضأ بشيء من الأشربة إلا بنبيذ التمر، وحكي عنه أنه قال: ليس له أن يتوضأ بنبيذ الزبيب، والعسل، ولا بأس بسائر الأنبذة، ووافقه زفر على مقالته.
وقال محمد بن الحسن (^٢): يتوضأ به ثم يتيمم، وقول محمد هذا، قول خامس.
وقد احتج بعض من يجيز الوضوء بالنبيذ بحديث رواه ابن مسعود، في إسناده مقال، فيه أنه قال: كنت مع النبي ﷺ ليلة الجن، فحضرت صلاة الفجر، فسألني فقال: "معك وضوء؟ " فقلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ. فقال: "تمرة طيبة، وماء طهور، فتوضأ وصلى الفجر".
١٧٢ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله، عن سفيان، عن أبي فزارة العبسي، عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبد الله بن مسعود (^٣).
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٣٩ - في الوضوء بالنبيذ)، وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ٧٨)، وأبو عبيد في "الطهور" (٢٦٦) كلاهما من طريق أبي معاوية به، وقال الدارقطني: تفرد به حجاج بن أرطاة لا يحتج بحديثه. قلت: والحارث أيضًا وهو أشد ضعفًا.
(٢) انظر: "المبسوط" للسرخسي (١/ ٢١٥ - ٢١٦ - باب: الوضوء والغسل).
(٣) أخرجه ابن ماجة في "سننه" (٣٨٤)، وأحمد في "مسنده" (١/ ٤٤٩) كلاهما من طريق سفيان به، وأخرجه أبو داود (٨٥)، والترمذي (٨٨)، وأحمد في "مسنده" (١/ ٤٠٢، ٤٥٠) كلهم من طريق أبي فزارة به. وقال الترمذي: أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا يُعرف له رواية غير هذا الحديث.
[ ١ / ٣٦١ ]
ودفع هذا الحديث غير واحد من أصحابنا، وقالوا: حديث ابن مسعود لا يثبت؛ لأن الذي رواه، أبو زيد (^١)، وهو مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله، ولا بالسماع منه، ولا يجوز ترك ظاهر الكتاب، وأخبار النبي ﷺ لرواية رجل مجهول، مع أن علقمة قد أنكر أن يكون عبد الله كان مع النبي ﷺ ليلة الجن (^٢).
١٧٣ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا عمرو بن عون، نا خالد بن عبد الله، عن خالد، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول الله ﷺ، ووددت أني كنت معه (^٣).
_________________
(١) أبو زيد القرشي المخزومي الكوفي، مولى عمرو بن حريث، انظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (٧٣٧٥)، و"تهذيب التهذيب" (٩٦٠٩).
(٢) قال الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٣٨): وقد ضعف العلماء هذا الحديث بثلاث علل: أحدها: جهالة أبي زيد. والثاني: التردد في أبي فزارة هل هو راشد بن كيسان أو غيره. والثالث: أن ابن مسعود لم يشهد مع النبي ﷺ ليلة الجن، ثم فصل الكلام حول هذِه العلل ثم قال في بيانه للعلة الثالثة بعد أن خرج حديث ابن مسعود الآتي: وهذا الحديث يدفع تأويل من جمع بين الأخبار الدالة على أنه شهد وأنه لم يشهد بأنه كان معه، وأجلسه في الحلقة، وعند مخاطبته للجن لم يكن معه. قال البيهقي في "دلائل النبوة": وقد دلت الأحاديث الصحيحة على أن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، وإنما كان معه حين انطلق به وبغيره يريهم آثارهم وآثار نيرانهم.
(٣) أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" (٣٧٩١) من طريق عمرو بن عون به، وأخرجه مسلم (٤٥٠/ ١٥٢) من طريق خالد بن عبد الله به.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وقد احتج من لا يجيز الوضوء بالنبيذ بظاهر قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (^١) افترض الله الطهارة بالماء، وفرض على من لا يجد الماء من المرضى والمسافرين التيمم بالصعيد؟ فليس يجوز طهارة إلا بالماء، أو الصعيد إذا لم يجد الماء، وجاء الحديث [عن النبي] (^٢) ﷺ بالدلالة على ذلك.
١٧٤ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^٣)، عن الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ أنه قال: "الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليُمسِسْه بشرته، فإن ذلك خير" (^٤).
_________________
(١) النساء: ٤٣، المائدة ٦.
(٢) في "الأصل": بالنبي. والمثبت من "د، ط".
(٣) "المصنِّف" (٩١٣)، وأخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ١٥٥) قال: حدثنا عبد الرزاق به.
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ١٨٠)، والترمذي (١٢٤)، وأبو داود (٣٣٦)، وابن حبان في "صحيحه" (١٣١١)، والدارقطني في "سننه" (١/ ١٨٦)، والحاكم في "مستدركه" (١/ ١٧٠) والبيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ٢٢٠) وغيرهم كلهم عن خالد الحذاء به. قال الترمذي: هكذا روى غير واحد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن عمرو بن بجدان عن أبي ذر. وقد روى هذا الحديث أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر عن أبي ذر ولم يسمه. وهذا حديث حسن صحيح. قلت: وصححه الحاكم، وابن حبان، وابن الملقن في "البدر المنير" (٢/ ٦٥٠) ونقل الألباني في "الإرواء" (١٥٣) تصحيحه أيضًا عن الدارقطني والذهبي والنووي. قلت: ذكر الدارقطني في "علله" (٦/ ٢٥٢ رقم ١١١٣) اختلاف طرقه ثم قال: والقول قول خالد الحذاء. ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ١٤٨ - ١٤٩) تضعيفه عن ابن القطان إذ =
[ ١ / ٣٦٣ ]
١٧٥ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، ثنا هوذة بن خليفة، نا عوف، نا أبو رجاء العطاردي، نا عمران بن حصين قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فدعا بوضوء، ثم نودي بالصلاة فصلى بالناس، فانفتل من صلاته، فإذا رجل معتزل لم يصل في القوم، فقال النبي ﷺ: "ما منعك يا فلان أن تصلي في القوم؟ " فقال: يا رسول الله، أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" (^١).
قال أبو بكر: ولو كانت الطهارة تجزئ بغير الماء لأشبه أن يقول له عند قوله: أصابتني جنابة، ولا ماء: اطلب نبيذ كذا، أو شراب كذا، فدل ظاهر الكتاب والسنة على أن الوضوء لا يجزئ إلا بالماء، فإن لم يجد الماء فالتيمم.
_________________
(١) = قال: وهذا حديث ضعيف بلا شك إذ لابد فيه من عمرو بن بجدان، وعمرو بن بجدان لا يعرف له حال، وإنما روى عنه أبو قلابة واختلف عنه … وتعقبه الشيخ تقي الدين فقال: ومن العجب كون ابن القطان لم يكتف بتصحيح الترمذي في معرفة حال عمرو بن بجدان، مع تفرده بالحديث، وهو قد نقل كلامه: هذا حديث حسن صحيح. وأي فرق بين أن يقول: هو ثقة أو يصحح له حديثًا انفرد به، وإن كان توقف عن ذلك لكونه لم يرو عنه إلا أبو قلابة، فليس هذا بمقتضى مذهبه، فإنه لا يلتفت إلى كثرة الرواة في نفي جهالة الحال، فكذلدً لا يوجب جهالة الحال بانفراد راو واحد عنه بعد وجود ما يقتضي تعديله وهو تصحيح الترمذي … قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١/ ٢١٦) بعد أن نقل كلام ابن دقيق العبد: وهذا الذي حققه ابن دقيق العيد بديع ممتع، وهو الصواب المطابق لأصول هذا الفن.
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٤)، والنسائي (٣٢٠)، وأحمد في "مسنده" (٤/ ٤٣٤)، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢٧١)، وابن حبان في "صحيحه" (١٣٠١) كلهم من طريق عوف به، وأخرجه مسلم (٦٨٢/ ٣١٢) من طريق أبي رجاء العطاردي به.
[ ١ / ٣٦٤ ]