أجمع أهل العلم على أن الضحك في غير الصلاة لا ينقض طهارة، ولا يوجب وضوءًا (^١)، وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة ينقض الصلاة (^٢).
واختلفوا في نقض طهارة من ضحك في الصلاة، فأوجبت طائفة عليه الوضوء، وممن روي ذلك عنه: الحسن، والنخعي (^٣)، وبه قال: الثوري (^٤)، وأصحاب الرأي (^٥).
واحتج محتجهم بحديث منقطع لا يثبت.
١٣٠ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أنا عبد الله بن بكر، ثنا هشام، عن حفصة، عن أبي العالية؛ أن رجلًا ضرير البصر جاء والنبي ﷺ يصلي بالنَّاس، فتردى في حفرة في المسجد فضحك طوائف من القوم، فأمر رسول الله ﷺ من ضحك أن يعيد الوضوء ويعيد الصلاة (^٦).
_________________
(١) انظر: "الإجماع" للمصنف (٥).
(٢) انظر: "الإجماع" للمصنف (٤٩).
(٣) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٣٧٦٤)، "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٤٢٥ - من كان يعيد الصلاة والوضوء).
(٤) انظر: "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٩٠).
(٥) "المبسوط" للسرخسي (١/ ١٩٨ - باب الوضوء والغسل).
(٦) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣٧٦٠)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١٤٦) من طريق هشام به، وقال البيهقي: هذا حديث مرسل، ومراسيل أبي العالية ليست بشيء، كان لا يبالي عمن أخذ حديثه، كذا قال محمد بن سيرين، وقد روي عن الحسن البصري، وإبراهيم النَّخعيُّ، والزهري مرسلًا. اهـ وأخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ١٦٩) من طريق حفص بن سليمان عن حفصة به، وقال: =
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقالت طائفة: ليس على من ضحك في الصلاة وضوء، روي هذا القول عن: جابر بن عبد الله، وأبي موسى الأشعري، والقاسم (^١)، وعطاء (^٢)، والزهري (^٣)، وعروة (^٤).
وروي ذلك عن: مكحول، ويحيى بن أبي كثير، وبه قال: مالك (^٥)، والشَّافعيّ (^٦)، وأحمد، وإسحاق (^٧)، وأبو ثور، وكان الأوزاعي يقول كقولهم، ثم رجع بعد ذلك فقال كما قال الثوري.
١٣١ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: يعيد الصلاة، ولا يعيد
_________________
(١) = روى هذا الحديث هشام بن حسان عن حفصة، عن أبي العالية مرسلًا، حدث به عنه جماعة منهم: سفيان الثوري، وزائدة بن قدامة، ويحيى بن سعيد القطان، وحفص بن غياث، وروح بن عبادة، وعبد الوهاب بن عطاء وغيرهم، فاتفقوا عن هشام، عن حفصة، عن أبي العالية، عن النبي ﷺ، ورواه خالد بن عبد الله الواسطي، عن هشام، عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار، عن النبي ﷺ، ولم يسم الرجل ولا ذكر أله صحبة أم لا، ولم يصنع خالد شيئًا، وقد خالفه خمسة أثبات ثقات حفاظ، وقولهم أولى بالصواب. اهـ وانظر: "نصب الراية" للزيلعي (١/ ٥٠ - ٥١).
(٢) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٣٧٦٨، ٣٧٦٩)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٤٢٤ - من كان يعيد الصلاة من الضحك).
(٣) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٣٧٧٠ - ٣٧٧٣)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٤٢٤ - من كان يعيد الصلاة من الضحك).
(٤) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٣٧٦٥)، "سنن الدارقطني" (١/ ١٦٦ - ١٦٧).
(٥) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٤٢٤ - من كان يعيد الصلاة من الضحك).
(٦) "المدونة" (١/ ١٩٠ - الضحك والعطاس في المسجد).
(٧) "الأم" (١/ ٧٠ - باب الكلام والأخذ من الشارب).
(٨) "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٨٩).
[ ١ / ٣٣١ ]
الوضوء (^١).
١٣٢ - حدثنا محمد، ثنا سعيد، نا هشيم، أنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال قال: صلى أبو موسى بأصحابه، فرأوا شيئًا فضحكوا منه، فقال أبو موسى حيث انصرف من صلاته: من كان ضحك [منكم] (^٢) فليعد الصلاة (^٣).
قال أبو بكر: إذا تطهر المرء فهو على طهارته، [ولا يجوز نقض طهارة مجمع عليها، إلا بسنة أو إجماع، أو حجة مع من نقض طهارته] (^٤) لما ضحك في الصلاة، وحديث أبي العالية مرسل، والمرسل من الحديث لا تقوم به الحجة.
وإذا كانت الأحداث التي لا اختلاف فيها مثل: الغائط، والبول، والنوم، وخروج المذي، والريح، تنقض الطهارة في الصلاة وفي غير الصلاة، فالضحك لا يخلو في نفسه أن يكون حدثًا كسائر الأحداث، فاللازم لمن جعل ذلك حدثًا أن ينقض طهارة المرء إذا ضحك في الصلاة وفي غير الصلاة، أو لا يكون حدثًا؛ فغير جائز إيجاب الطهارة منه، فأمَّا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٤٢٤ - من كان يعيد الصلاة من الضحك)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٣١٣)، والدارقطني في "سننه" (١/ ١٧٢ - ١٧٣)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١٤٤) من طريق الأعمش به، وذكره البخاري معلقًا (١/ ٣٣٦) وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": هذا التعليق وصله سعيد بن منصور والدارقطني وغيرهما، وهو صحيحٌ من قول جابر. اهـ.
(٢) في "الأصل": منهم. والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) أخرجه الدارقطني في "سننه" (١/ ١٧٤) من طريق محمد بن علي به، وأخرجه البيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١٤٥) من طريق هشيم به.
(٤) سقط من "الأصل"، والمثبت من "د، ط".
[ ١ / ٣٣٢ ]
أن يجعله مرة حدثًا، ومرَّة ليس بحدث، فذلك تحكم من فاعله.
ومن قول أصحاب الرأي: أن المحدث في صلاته يتوضأ ويبني عليها، ولا تفسد صلاته (^١)، ومن تكلم في الصلاة، بطلت صلاته، وعليه أن (يستقبلها) (^٢).
وأوجبوا على الضاحك في الصلاة حكمًا ثالثًا: جعلوا عليه إعادة الوضوء، وإعادة الصلاة (^٣)، فلا هم جعلوه كحكم [الكلام] (^٤) الذي هو به أشبه، ولا كحكم سائر الأحداث التي من أصابه ذلك بنى إذا تطهر على صلاته. وقالوا: إذا جلس في آخر صلاته مقدار التشهد من قبل أن يسلم، ثم ضحك من قبل أن يسلم، فقد تمت صلاته هذِه، وعليه أن يتوضأ لصلاة أخرى.
وليس يخلو الضاحك في (هذِه) (^٥) الحال أن يكون في صلاة، فعليه أن يعيدها، أو لا يكون في صلاة، فلا وضوء عليه في مذهبهم، فأما أن يكون في صلاة وعليه أن يتوضأ وليس في صلاة؛ لأنه لا إعادة عليه، فهذا غير معقول.
وقد أجمع أهل العلم [على] (^٦) أن من قذف في صلاته، فلا وضوء
_________________
(١) "المبسوط" للسرخسي (١/ ٣٢٤ - باب الحدث في الصلاة).
(٢) في "د، ط": يستأنفها. وهو تصحيف، والمثبت من "الأصل"، و"المبسوط" للسرخسي (١/ ٤٢٦ - باب الحدث في الصلاة).
(٣) "المبسوط" للسرخسي (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨ - باب الحدث في الصلاة).
(٤) سقط من "الأصل"، والمثبت من "د، ط".
(٥) تكررت في "الأصل".
(٦) من "د، ط".
[ ١ / ٣٣٣ ]
عليه، فجعلوا حكم الضحك أعظم من حكم القذف، [و] (^١) لا يجوز أن يوصف أصحاب رسول الله ﷺ الذين وصفهم الله في كتابه بالرحمة فقال: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٢) وخبر النبي ﷺ بأن خير الناس القرن الذي هو فيهم (^٣)، بأنهم ضحكوا بين يدي الله تعالى خلف رسول الله ﷺ في صلاتهم، ولو وصفوهم بضد ما وصفوهم به كان أولى بهم. والله أعلم.
* * *