واختلفوا في الوضوء من القلس، فرأت طائفة فيه الوضوء، [فممن] (^٢) رأى أن فيه الوضوء: عطاء (^٣)، وقتادة (^٤)، والنخعي (^٥)، والشعبي (^٦)، والحكم (^٦)، وحماد (^٦)، وروي ذلك عن: مجاهد (^٧)، والقاسم (^٦)، وسالم (^٦).
وسُئِلَ الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز عن القلس فقالا: إذا قلست فظهر على لسانك استأنفت الوضوء والصلاة، وقال إسحاق (^٨): يُعيد الوضوء من قليله وكثيره.
وقالت طائفة: ليس في (^٩) القلس وضوء، هذا قول الحسن
_________________
(١) القلس: أن يبلغ الطعام إلى الحلق ملء الحلق أو دونه، ثم يرجع إلى الجوف. وقيل: هو القيء، وقيل: هو القذف بالطعام وغيره، وقيل: هو ما يخرج إلى الفم من الطعام والشراب، والجمع: أقلاس. انظر: "لسان العرب" مادة: (قلس).
(٢) في "الأصل": فمن. والمثبت من "د، ط".
(٣) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٥١٦ - ٥١٩)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٥٦ - في القلس في الوضوء).
(٤) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٥٢٠).
(٥) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٥٢٠)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٥٦ - في القلس في الوضوء).
(٦) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٥٦ - في القلس في الوضوء).
(٧) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٥٢١).
(٨) "مسائل أحمد وإسحاق بن راهويه برواية الكوسج" (٧٣).
(٩) زاد في "الأصل": وضوء. ولعله سبق قلم.
[ ١ / ٢٩٣ ]
البصري (^١)، وبه قال مالك (^٢)، والشافعي (^٣)، [وأبو ثور] (^٤)، وحُكِي عن الزهري، وعمرو بن دينار أنهما قالا: ليس في القلس وضوء (^٥).
وفيه قول ثالث: وهو أن لا وضوء في قليله، وإذا كان كثيرًا توضأ، هذا قول حماد بن أبي سليمان (^٦)، وقد ذكرت قول أصحاب الرأي (^٧) في هذِه المسألة في باب القيء.
واختلف فيه عن أحمد بن حنبل (^٨)، فحكى إسحاق بن منصور (^٨) عنه أنه قال في القلس: إذا كان قليلًا فلا وضوء عليه، وإذا كثر حتى يكون مثل القيء فنعم. وحكى أبو داود (^٩) عنه أنه قال في القلس: مثل ما خرج من [السبيلين] (^١٠).
وروينا من حديث حجاج بن أرطاة عن عطاء والنخعي (^١١) أنهما قالا في القلس: إذا ازدَرَده (^١٢) فلا يتوضأ، وإن لفظه يتوضأ. وعن
_________________
(١) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٥٢٣)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٥٦ - من كان لا يرى في القلس وضوء).
(٢) "المدونة" (١/ ١٢٦ - ما جاء في القيء والحجامة والقلس والوضوء منها).
(٣) "الأم" (١/ ٦٦ - الوضوء من الغائط والبول والريح).
(٤) في الأصول الخطية الثلاثة: وأبي ثور، ولا يستقيم لغة.
(٥) انظر: "المحلى" (١/ ٢٥٩).
(٦) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٥٧ - من كان لا يرى في القلس وضوء).
(٧) "المبسوط" للسرخسي (١/ ١٩٥ - باب الوضوء والغسل).
(٨) "مسائل أحمد وإسحاق بن راهويه برواية الكوسج" (٧٣).
(٩) "مسائل أحمد برواية أبي داود" (ص ٢٣).
(١٠) في "الأصل": سلس البول. والمثبت من "د، ط"، و"مسائل أحمد".
(١١) انظر الروايات عنهما في "مصنف عبد الرزاق" (١/ ١٣٦ - ١٣٧).
(١٢) زَرِدَ الشيء واللقمة - بالكسر - زردًا، وَزَرده وازدرده زردًا: ابتلعه. انظر: "لسان =
[ ١ / ٢٩٤ ]
الحسن البصري (^١) أنه كان لا يرى في القلس الحبة ونحو ذلك وضوءًا.
قال أبو بكر: أجمع أهل العلم في سائر الأحداث مثل البول، والمذي، والغائط، والريح أن الوضوء يجب من قليل ذلك وكثيره (^٢)، والقلس نفسه لا يخلو أن يكون حدثًا كسائر الأحداث - ولا فرق بين قليله وكثيره - أو لا يكون حدثًا، فلا معنى للتفريق بين القليل والكثير.
وقد احتج أحمد (^٣) وغيره من أصحابنا في إيجابهم الوضوء من القيء بحديث ثوبان.
٨٢ - حدثنا إبراهيم بن مرزوق، نا عبد الصمد بن عبد الوارث، نا أبي، عن حسين المعلِّم، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن (مِعْدَان بن طلحة) (^٤)، عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قاء فأفطر (^٥)، قال: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فذكرت ذلك له، فقال: أنا صببت له وضوءًا (^٦).
_________________
(١) = العرب" مادة (زرد).
(٢) أخرجه بنحوه عبد الرزاق (٥٢٣)، وابن أبي شيبة (١/ ٥٦ من كان لا يرى في القلس وضوء).
(٣) انظر: "الإجماع" لابن المنذر (٢).
(٤) قال في "المغني" (١/ ٢٤٧ - مسألة والقيء الفاحش)، قيل لأحمد: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم.
(٥) ويقال معدان بن أبي طلحة، قال الترمذي (١/ ١٤٥): وابن أبي طلحة أصح. وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال"، وأنه يقال له: ابن طلحة، وابن أبي طلحة.
(٦) زاد الترمذي: فتوضأ.
(٧) أخرجه الترمذي (٨٧)، والنسائي في "الكبرى" (٣١٢١)، وأحمد في "مسنده"=
[ ١ / ٢٩٥ ]
قال أبو بكر: وليس يخلو هذا الحديث من أحد أمرين: إما أن يكون ثابتًا، فإن كان ثابتًا فليس فيه دليل على وجوب الوضوء منه؛ لأن في الحديث أنه توضأ، ولم يُذكر أنه أمر بالوضوء منه كما أمر بالوضوء من
_________________
(١) = (٦/ ٤٤٣)، والدارمي في "سننه" (١٧٢٨)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١٤٤) كلهم من طريق عبد الصمد به، وقال الترمذي: وقد جوَّد حسين المعلم هذا الحديث. وقال البيهقي: وإسناد هذا الحديث مضطرب واختلفوا فيه اختلافًا شديدًا. وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٣١٢٢)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٩٥٦)، وابن حبان في "صحيحه" (١٠٩٧)، والحاكم في "مستدركه" (١/ ٥٨٨) كلهم من طريق عبد الصمد به، إلا أنهم قالوا: يعيش بن الوليد عن معدان، وأسقطوا الوليد أبا يعيش من بينهما، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه لخلاف بين أصحاب عبد الصمد فيه، قال بعضهم عن يعيش بن الوليد عن أبيه عن معدان، وهذا وهم عن قائله. ا هـ. وانتصر ابن خزيمة لتقوية هذا الوجه فساقه ثانية بإثبات أبيه ثم قال: والصواب ما قال أبو موسى إنما هو يعيش عن معدان عن أبي الدرداء ثم قال: ويعيش بن الوليد سمع من معدان وليس بينهما أبوه. قال ابن الملقن في "البدر" (٥/ ٦٦٣): قال البيهقي في "سننه" (٤/ ٢٢٠): هذا حديث مختلف في إسناده قال: فإن صح فهو محمول على القيء عامدًا، وكأنه ﷺ كان صائمًا تطوعًا وقال في أوائل "سننه": إسناد هذا الحديث مضطرب واختلفوا فيه اختلافًا شديدًا قال ابن الملقن: وخالفه - أي البيهقي - في ذلك جماعات. ثم نقل كلام الحاكم وقال: وقال أبو عبد الله بن منده: إسناده متصل صحيح على رسم أبي داود والنسائي، وتركه الشيخان لاختلاف في إسناده، وصححه ابن حبان كما سلف، وسكت الترمذي عنه. ونقل الشيخ تقي الدين في "الإمام" عن الأثرم أنه قال لأحمد: قد اضطربوا في هذا الحديث. فقال: حسين المعلم يجوده. ثم نقل كلام تقي الدين في الجواب عن اختلاف إسناده فانظره هناك.
[ ١ / ٢٩٦ ]
سائر الأحداث، وإن كان غير ثابت، فهو أبعد من أن يجب [به] (^١) فرض. وكان أحمد (^٢) يُثبت الحديث، وقال غير واحد من أصحابنا: إن ثبت اشتهار يعيش وأبيه بالعدالة جاز الاحتجاج بحديثهما، قال: ولم يثبت ذلك عندنا بعد (^٣)، واستحب هذا - القائل - الوضوء منه.
قال أبو بكر: فإن ثبت الحديث لم يُوجب فرضًا؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به فيما نعلم، والله أعلم.
* * *