قال أبو بكر: وجوب الوضوء من النوم مأخوذ من أخبار رسول الله ﷺ.
٣٤ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^١)، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فقال: ما حاجتك؟ قلت: جئت ابتغاء العلم. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من خارج يخرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت الملائكة أجنحتها رِضًا بما يصنع" قال: قلت: جئت أسألك عن المسح على الخفين. قال: نعم كنت في الجيش الذي بعثه رسول الله ﷺ فأمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهور، ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة (^٢).
٣٥ - أخبرنا الربيع، أنا الشافعي (^٣)، أنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (^٤).
_________________
(١) "المصنف" (٧٩٣).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) "مسند الشافعي" (ص ١٤).
(٤) أخرجه: البخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٧٨)، ومالك في "الموطأ" (١/ ٤٩ - باب وضوء النائم إذا قام إلى الصلاة)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ٤٦٥)، وابن حبان في "صحيحه" (١٠٦٣)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ٤٥، ١١٨) كلهم من طريق أبي الزناد به.
[ ١ / ٢٥٠ ]
قال أبو بكر: وظاهر هذا الحديث يوجب الوضوء على كل نائم؛ لأنه لم يخص نائمًا على حال دون حال، وكذلك الوضوء يجب على كل نائم على ظاهر حديث صفوان بن عسال؛ لأن النبي ﷺ لما قرن النوم إلى الغائط والبول، وأجمع أهل العلم أن الغائط والبول حدثان يوجب كل واحد منهما الطهارة على أي حال كان ذلك (^١)، وجب أن يكون المقرون إليهما، وهو النوم يوجب الوضوء على أي حال كان النوم، الأخبار عند أصحابنا على العموم، لا يجوز الخروج عن ظاهر الحديث إلى باطنه، ولا عن عمومه إلى خصوصه إلا بكتاب أو سنة أو إجماع، ولا حجة من حيث ذكرنا مع من أوجب الوضوء على النائم في حال، وأسقطه عنه في حال أخرى.
وقد أحتج بعض [من] (^٢) مذهبه إيجاب الوضوء على كل نائم أن قال: لا يخلو النوم في نفسه من أن يكون حدثًا ينقض الطهارة، أو غير حدث، فإن كان النوم حدثًا كالغائط والبول، فعلى النائم الوضوء على أي جهة كان النوم كسائر الأحداث، أو لا يكون النوم حدثًا يوجب الوضوء، فليس يجب على نائم الطهارة على أي جهة كان النوم منه حتى يكون معه حدث يوجب الوضوء.
واحتج بحجة أخرى، وهو أن أهل العلم مجمعون على إيجاب الوضوء على من زال عقله بجنون أو أغمي بمرض إذا أفاق على أي حال كان ذلك منه (^١)، قال: فكذلك النائم، عليه ما على المغمى عليه؛ لأنه زائل العقل، مع أن الأخبار مستغنى بها عن كل قول.
_________________
(١) انظر: "الإجماع" للمصنف (٢)، و"الاقناع في مسائل الإجماع" (٢٧٨).
(٢) سقط من "الأصل"، والمثبت من "د، ط".
[ ١ / ٢٥١ ]
وقد احتج بعضهم بظاهر حديث علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ" (^١).
٣٦ - حدثنا علي بن الحسن، نا إسحاق، نا بقية بن الوليد، نا الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ قال: "إنما العين وكاء السَّه، فمن نام فليتوضأ" (^٢).
قال: حدثنا علي، عن أبي عبيد قوله: "السه" يعني حلقة الدبر، و"الوكاء" أصله الخيط، أو السير الذي يشد به رأس القربة، فجعل
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" (٤/ ٩٧)، والدارمي (٧٢٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٩/ ٣٧٢ رقم ٨٧٥)، والدارقطني في "سننه" (١/ ١٦٠)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١١٨) من حديث معاوية، وذكر الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٤٦) أنه أُعلَّ بوجهين: أحدهما: الكلام في أبي بكر بن أبي مريم، قال أبو حاتم وأبو زرعة: ليس بالقوي. والثاني: أنه روي موقوفًا. وسئل أبو حاتم عن حديث علي ومعاوية، فقال: ليسا بقويين. "العلل" (١٠٦)، وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (٢/ ٧٦) وهما ضعيفان لا حجة فيهما من جهة النقل. وانظر: "البدر المنير" (٢/ ٤٢٥ - ٤٣٢).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٠٥)، وابن ماجه (٤٧٧)، وأحمد في "مسنده" (١/ ١١١)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١١٨) من طريق بقية به، وذكر الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٤٥) أنه أُعلَّ بوجهين: أحدهما: أن بقية والوضين فيهما مقال، والثاني: الانقطاع. وقال أبو زرعة في "العلل" (١٠٦)، و"المراسيل" (٤٤٦): ابن عائذ عن علي مرسل. وقال عبد الحق في "الأحكام الوسطى" (١/ ١٤٦): هذا الحديث ليس بمتصل. وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ٨) ليس بمتصل. وقال البيهقي في "الخلاقيات" (٢/ ١٣٢): قال أحمد - فيما بلغنا عنه - حديث علي الذي يرويه الوضين بن عطاء أثبت من حديث معاوية في هذا الباب، وانظر: "البدر المنير" (٢/ ٤٢٥ - ٤٣٢).
[ ١ / ٢٥٢ ]
اليقظة للعين مثل الوكاء للقربة، يقول: فإذا نامتا العين (استطلق) (^١) ذلك الوكاء، فكان منه الحدث (^٢).
قال أبو بكر: وقد اختلف أهل العلم وافترقوا في الوضوء من النوم ست فرق.
فقالت فرقة: بظاهر هذِه الأخبار، فأوجبت الوضوء على كل نائم، روينا عن أبي هريرة أنه قال: من استحق النوم فعليه الوضوء.
وروينا عن أنس بن مالك أنه قال: إذا وجد الرجل طعم النوم جالسًا كان أو غيره فعليه الوضوء.
وروينا عن ابن عباس أنه قال: وجب الوضوء على كل نائم، إلا من خفق (^٣) برأسه خفقة.
٣٧ - حدثنا علي بن الحسن، نا عبد الله، أخبرني سفيان، حدثني يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسم، عن ابن عباس أنه قال: وجب الوضوء على كل نائم، إلا من خفق برأسه خفقة (^٤).
_________________
(١) في "غريب الحديث" لأبي عبيد: استرخى.
(٢) "غريب الحديث" لأبي عبيد (٣/ ٨٢).
(٣) خفق برأسه من النعاس: أماله، وقيل: هو إذا نعس نعسة ثم تنبه. "لسان العرب" مادة (خفق).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤٧٩)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٥٧ - من قال: ليس على من نام ساجدًا أو قاعدًا وضوء) كلاهما من طريق يزيد بن أبي زياد به. وقد أخرجه الدارقطني في "العلل" (٨/ ٢١٠) مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وقال: وإنما يروى هذا عن ابن عباس من قوله. وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١١٩) من طريق سفيان، وقال: رواه جماعة عن يزيد بن أبي زياد موقوفًا، وروي ذلك مرفوعًا ولا يثبت رفعه.
[ ١ / ٢٥٣ ]
٣٨ - حدثنا علي بن عبد العزيز، نا حجاج، نا حماد، عن سعيد الجُرَيري، عن خالد بن [غلاق] (^١)، عن أبي هريرة قال: إذا استحق أحدكم نومًا، فليتوضأ (^٢).
٣٩ - حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^٣)، عن جعفر بن سليمان وغيره، عن سعيد الجريري، عن هلال العبسي، عن أبي هريرة قال: من استحق [النوم] (^٤) فعليه الوضوء.
٤٠ - حدثنا موسى بن هارون، نا شريح بن يونس، نا أبو معاوية، عن عاصم، عن أنس قال: إذا وجد الرجل طعم النوم جالسًا كان أو غير ذلك، فعليه الوضوء.
قال أبو بكر: وكان الحسن البصري يقول: إذا خالط النوم قلب أحدكم فليتوضأ (^٥).
_________________
(١) في "الأصل"، و"مصنف ابن أبي شيبة": علاق - بالعين المهملة - وقال ابن حجر في "التقريب" (١٦٧٤): بالغين المعجمة على الصحيح. وقال في "تهذيب التهذيب" (١٩٥٨): وقال ابن ماكولا في علاق: يقال فيه بالعين المهملة والأول أكثر.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٥٨ - من كان يقول: إذا نام فليتوضأ)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١١٩) من طريق سعيد به، وقال البيهقي: قال إسماعيل بن علية: قال الجريري: فسألناه عن استحقاق النوم فقال: هو أن يضع جنبه. وقد روي ذلك مرفوعًا، ولا يصح رفعه. ا هـ. وقال الدارقطني في "علله" (٨/ ٣٢٨): الموقوف هو الصواب. وكذا قال ابن الملقن وقال: إسناده صحيح. انظر: "البدر المنير" (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤).
(٣) "المصنف" (٤٨١) إلا أنه قال فيه: عن هلال العبسي، عن أبيه، عن أبي هريرة.
(٤) في "الأصل": وضوءًا. والمثبت من "المصنف".
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٤٧٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٨ - من كان يقول: إذا نام فليتوضأ) في "مصنفيهما".
[ ١ / ٢٥٤ ]
وكذلك قال سعيد بن المسيب (^١)، وأبو رافع، وقال عطاء بن أبي رباح: إذا ملكك النوم فتوضأ، قاعدًا أو مضطجعًا (^٢).
وروينا عن عطاء (^٣)، وطاوس (١)، ومجاهد أنهم قالوا: من نام راكعًا أو ساجدًا فليتوضأ.
وقال إسحاق (^٤): كلما نام حتى غلبه على عقله توضأ. وبه قال القاسم بن سلام.
وقالت فرقة: إن نام قليلًا [قاعدًا] (^٥) لم ينتقض وضوءه، وإن تطاول ذلك توضأ، هذا قول مالك (^٦) وبه قال الزهري (^٧)، وربيعة.
وقال الأوزاعي: إذا استثقل نومًا قاعدًا توضأ، فأما من كان نومه غرارًا كما قال الزهري ينام ويستيقظ فلا وضوء عليه. وقال أحمد بن حنبل (^٨): النائم قاعدًا إذا أطال النوم، توضأ.
وقالت فرقة ثالثة: لا يجب على النائم الوضوء حتى يضع جنبه، هذا
_________________
(١) أنظر "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٥٨ - من كان يقول: إذا نام فليتوضأ).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤٧٥).
(٣) أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٥٧ - من قال: ليس على من نام ساجدًا أو قاعدًا وضوء) عن عطاء أنه قال: "من نام ساجدًا أو قائمًا أو جالسًا فلا وضوء عليه … ".
(٤) مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٢٨).
(٥) سقط من "الأصل"، وما أثبتناه من "د، ط".
(٦) "المدونة" (١/ ١١٩ - الوضوء من النوم).
(٧) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٤٨٠).
(٨) "مسائل أحمد برواية عبد الله" (٧٤)، وقال في "مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج" (٢٨)، و"مسائل أحمد رواية ابن هانئ" (٤٢): لا يتوضأ.
[ ١ / ٢٥٥ ]
قول الحكم (^١)، وحماد (^١)، وسفيان الثوري، وقال سفيان: إن نام قائمًا أو قاعدًا لم يعد وضوءه.
وقال أصحاب الرأي (^٢) في النوم: إذا كان قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو قاعدًا فلا ينقض ذلك الوضوء، فأما إذا نام مضطجعًا أو متكئًا فإن ذلك ينقض الوضوء. وقال يعقوب (^٣): كذلك إلا في الساجد في الصلاة، فإنه زعم أنه إن تعمد النوم وهو ساجد وجب عليه الوضوء، وفسدت صلاته، وإن غلبة النوم فلا وضوء عليه.
واحتج بعضهم بحديث روي عن ابن عباس (^٤)، لا يثبت (^٥)، من
_________________
(١) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٥٧ - من قال: ليس على من نام ساجدًا أو قاعدًا وضوء).
(٢) "المبسوط" للسرخسي (١/ ٩٨ - ١٩٩ - باب الوضوء والغسل).
(٣) "المبسوط" للسرخسي (١/ ٢٠١ - باب الوضوء والغسل).
(٤) أخرجه: أبو داود (٢٠٤)، والترمذي (٧٧)، وأحمد في (مسنده، (١/ ٢٥٦) من طريق عبد السلام بن حرب، عن أبي خالد الدالاني، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟! فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله".
(٥) قال أبو داود في "سننه" (١/ ٢٤٨): قوله: "الوضوء على من نام مضطجعًا" هو حديث منكر. وقال الترمذي في "علله" (٤٣) - المجلد المفرد - بعد أن ذكر الحديث بلفظه: سألت محمدًا - أي البخاري - عن هذا الحديث فقال: هذا لا شيء. وقال الدارقطني في "سننه" (١/ ١٦٠ - ١٦١) عقب ذكر الحديث: تفرد به أبو خالد عن قتادة، ولا يصح. وقال ابن الملقن في "البدر المنير": وممن صرح بضعفه من المتقدمين: أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والدارقطني، والحربي، والبيهقي، وغيرهم. انظر الكلام على هذا الحديث مطولًا في "البدر المنير" (٢/ ٤٣٤ - ٤٤٣).
[ ١ / ٢٥٦ ]
حديث أبي خالد الدالاني، وقد ذكرته وعلله في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب.
وممن روى عنه أنه كان ينام قاعدًا ولا يتوضأ: ابن عمر، وأبو أمامة الباهلي، وإبراهيم النخعي (^١)، وابن سيرين (^٢)، وسالم بن عبد الله، ومحمد بن علي، ونافع.
وحكي عن ابن المبارك أنه كان يقول فيمن نام وهو قاعد مستند: لا وضوء عليه.
٤١ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، أنا يزيد بن هارون، أنا يحيى بن سعيد، أن نافعًا أخبره، أن ابن عمر كان إذا نام قاعدًا لم يتوضأ، وإذا اضطجع فنام يتوضأ (^٣).
٤٢ - حدثنا محمد بن علي، نا سعيد، نا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد وشرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يكثر أن ينام قاعدًا حتى يميل، ثم يصلي ولا يتوضأ (^٤).
_________________
(١) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ١٥٧ - من قال: ليس على من نام ساجدًا أو قاعدًا وضوء).
(٢) السابق.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٤٨٤، ٤٨٥) من طريق نافع بنحوه، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٥٦ - من قال: ليس على من نام ساجدًا أو قاعدًا وضوء) من طريق يحيى بن سعيد بلفظ: "أنه كان لا يرى على من نام قاعدًا وضوء).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٥٧ - من قال: ليس على من نام ساجدًا أو قاعدًا وضوء) عن إسماعيل بن عياش به.
[ ١ / ٢٥٧ ]
٤٣ - حدثنا محمد بن علي، نا سعيد، نا عبد اللّه بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن حميد بن زياد، عن يزيد بن قُسَيْط، عن أبي هريرة قال: ليس على النائم القائم، ولا على المحتبي، ولا على الساجد النائم الوضوء (^١).
٤٤ - حدثنا محمد بن إسماعيل، نا إبراهيم، حدثني بن فليح، عن أبيه، عن شيبة بن الحارث أن أبا هريرة كان يفتي من نام مضطجعًا عليه الوضوء، ولا يأمر من نام (مضطجعًا) (^٢) بالوضوء.
وفرقت فرقة رابعة بين من نام ساجدًا في الصلاة أو غير صلاة، فقالت: إذا نام رجل ساجدًا في الصلاة فليس عليه الوضوء، وإذا نام ساجدًا في غير صلاة فعليه الوضوء (^٣)، هذا قول ابن المبارك (^٤). وقد ذكرنا عن يعقوب قوله، وقال يعقوب: وأما القائم والقاعد والراكع، فإن غلبه النوم أو تعمد له لم تنقض الصلاة غير أنه مسيء في التعمد.
وقد كان الشافعي - إذ هو بالعراق - يقول: إنما سقط الوضوء عن النائم جالسًا بالأثر، وعن النائم في الصلاة كيف كان للأثر (^٥).
وفي هذِه المسألة قول خامس، قاله الشافعي بمصر، قال الشافعي: وسواء الراكب السفينة والبعير والدابة، والمستوي بالأرض من زال عن
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٢٢ - ١٢٣) من طريق عبد الله بن المبارك به، وزاد: "حتى يضطجع، فإذا أضطجع توضأ".
(٢) كذا في "الأصل"، وهو خطأ، ولعله سبق قلم أو انتقال نظر من الناسخ، ولعل الصواب: قاعدًا، أو قائمًا ليستقيم السياق.
(٣) زاد في "د، ط": وإن تعمد النوم ساجدًا في الصلاة فعليه الوضوء.
(٤) انظر: "التمهيد" (١٨/ ٢٤٤).
(٥) انظر: "معرفة السنن والآثار" للبيهقي (١/ ٢٠٩) وقال فيه: جالسًا مستويًا.
[ ١ / ٢٥٨ ]
حد الاستواء [قاعدًا] (^١) أو نام قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا أو مضطجعًا؛ فعليه الوضوء؛ لأن النائم جالسًا يَكِلُّ (^٢) للأرض فلا يكاد يخرج منه شيء إلا انتبه به (^٣). وكان أبو ثور يقول: إن نام جالسًا لم يتوضأ، وإن نام مضطجعًا توضأ، قال: وذلك أن الجميع إذا أجمعوا على طهارة، ثم اختلفوا بعد أن نام جالسًا، فلا يجب أن تنقض طهارة مجمع عليها إلا بإجماع مثله.
قال أبو بكر: وهو كثير مما ندع هذا المثال، وأسعد الناس بهذا القول: من قال: ليس على من نام مضطجعًا وضوء حتى يوقن بحدث غير النوم، وقد بينت هذا مع غيره في [الكتاب] (^٤) الذي اختصرت منه هذا الكتاب.
٤٥ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله، نا وهب بن جرير، نا هشام، عن قتادة، عن أنس قال: كان أصحاب النبي ﷺ ينتظرون صلاة العشاء الآخرة، ينعشون حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون، ولا يعيدون الوضوء (^٥).
_________________
(١) في "الأصل": فغط. والمثبت من "د، ط، الأم".
(٢) كَلَّ يَكِلَّ كلالا وكَلَالَةً، والكَلُّ: العَيِّلُ والثِّقْلُ. "لسان العرب" مادة (كلل).
(٣) "الأم" (١/ ٦٢ - ما يوجب الوضوء وما لا يوجبه).
(٤) في "الأصل": المختصر. والمثبت من "د، ط".
(٥) أخرجه: أبو داود (٢٠٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١١٩) من طريق هشام الدستوائي به، وأخرجه مسلم (٣٧٦/ ١٢٥)، والترمذي (٧٨)، وأحمد في "مسنده" (٣/ ٢٧٧)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٢٠) من طريق قتادة به بلفظ: "كان أصحاب رسول الله ﷺ ينامون ثم يصلون ولا يتوضئون" وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٢٥٩ ]
وفي هذِه المسألة قول سادس، روينا عن أبي موسى الأشعري: أنه صلى الظهر ثم استلقى على قفاه فنام حتى سمعنا غطيطه، فلما حضرت الصلاة قال: هل وجدتم ريحًا، أو سمعتم صوتًا؟ قالوا: لا. فصلى العصر ولم يتوضأ.
٤٦ - حدثنا محمد بن نصر، نا إسحاق بن راهويه، نا الفضل بن موسى، عن حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن قيس بن عباد قال: رأيت أبا موسى صلى الظهر ثم استلقى على قفاه، فنام حتى سمعنا غطيطه، فلما حضرت الصلاة قام فقال: هل وجدتم ريحًا أو سمعتم صوتًا؟ قالوا: لا. فصلى العصر ولم يتوضأ (^١).
٤٧ - حدثنا يحيى بن محمد، نا الحجبي، نا أبو عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه قال: دخل ابن عمر المسجد، فرأيته يصلي قبل صلاة الفجر، ويتلفت كأنه يبادر الفجر، ثم ركع ركعتين مع الفجر أو قبله، ثم رأيته مستلقيًا على ظهره، حتى عرفت أنه قد نام، ثم قام فصلى (^٢).
٤٨ - حدثنا محمد بن نصر، أنا عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: كان أناس من أصحاب النبي ﷺ يضعون جنوبهم فينامون، فمنهم من يتوضأ، ومنهم من لا يتوضأ (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ١٥٨ - من قال: ليس على من نام ساجدًا أو قاعدًا وضوء) عن أبي موسى بنحوه.
(٢) روى عبد الرزاق في "مصنفه" (٤٨٦) عن ثابت بن عبيد قال: انتهيت إلى ابن عمر وهو جالس ينتظر الصلاة فسلمت عليه فاستيقظ فقال: أبا ثابت! قال: قلت: نعم قال: أسلمت؟ قال: قلت نعم. قال: إذا سلمت فأسمع، وإذا ردوا عليك فليسمعوك، ثم قال: فصلى وكان محتبيًا قد نام.
(٣) أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (٣١٩٩) من طريق سعيد به، وذكره الهيثمي في: =
[ ١ / ٢٦٠ ]
وروينا عن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مرارًا مضطجعًا ينتظر الصلاة، ثم يصلي، فلا يعيد الوضوء.
ومن حديث يعلى بن عطاء عن أبيه أنه قال: رأيت ابن عمر مستلقيًا علي ظهره حتى عرفت أنه نام [ثم قام] (^١) فصلى.
* * *