واختلفوا فيمن توضأ ثم أخذ من شعره وأظفاره، فقالت طائفة: لا شيء عليه، وهو على طهارته، هذا قول الحسن البصري (^١)، وعطاء، والحكم، والزهري (^٢)، وبه قال مالك (^٣)، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشَّافعيّ (^٤)، وإسحاق، والنعمان وأصحابه (^٥).
ولا أعلم أحدًا يوجب عليه اليوم وضوءًا، وقد ذكرت فيما مضى أن من تطهر فهو على طهارته إلا أن يحدث حدثًا يدل على انتقاض طهارته كتاب، أو سنة، أو إجماع، وليس مع من أمر بالوضوء من ذلك حجة، بل الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ دالة على أن أخذ الشارب والأظفار من الفطرة، وأنَّه أمر بقص الشارب وإعفاء اللحية.
١٤٣ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أبنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الفطرة خمس: الاختتان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط" (^٦).
_________________
(١) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٤٦٦، ٤٦٧)، و"مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٧٠).
(٢) انظر قول عطاء والحكم والزهري في "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٧٠، ٧١ - الرجل يأخذ من شعره أيتوضأ).
(٣) "المدونة الكبرى" (١/ ١٢٥ - جامع الوضوء وتحريك اللحية).
(٤) "الأم" (١/ ٧٠ - ٧١ - باب الكلام والأخذ من الشارب).
(٥) "المبسوط" للسرخسي (١/ ١٨٢ - باب الوضوء والغسل).
(٦) أخرجه مسلم (٢٥٧/ ٥٠)، والنسائي (٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٤٨٠) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخاري (٥٨٨٩، ٥٨٩١، ٦٢٩٧)، ومسلم (٢٥٧/ ٤٩)، وأبو داود (٤١٩٥)، والنسائي (١٠، ١١، ٥٢٢٥)، والترمذي =
[ ١ / ٣٤١ ]
حدثني علي، عن أبي عبيد (^١) أنه قال: فأمَّا الاستحداد، فهو حلق العانة، ونرى - والله أعلم - أن أصل الاستحداد إنما هو من الاستفعال، من الحديدة يعني الاستحلاق بها، وذلك أن القوم لم يكونوا يعرفون النورة.
١٤٤ - حدثنا محمد بن عبد الله، عن ابن وهب، أنا حنظلة بن أبي سفيان، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "الفطرة قص الأظفار، وأخذ الشارب، وحلق العانة" (^٢).
١٤٥ - وأخبرنا محمد بن عبد الله، عن ابن وهب قال: أخبرني مالك وعبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "أحفوا الشَّوارب وأعفوا اللحى" (^٣).
قال أبو بكر: والصحيح إنما هو: مالك عن أبي بكر بن نافع (^٤).
_________________
(١) = (٢٧٥٦)، وابن ماجه (٢٩٢)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ٢٢٩، ٢٣٩، ٢٨٣، ٤١٠) من طريق الزهري به.
(٢) "غريب الحديث" لأبي عبيد" (٢/ ٣٦ - ٣٧).
(٣) أخرجه النسائي (١٢) من طريق ابن وهب به، وأخرجه البخاري (٥٨٩٠)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ١١٨) من طريق حنظلة به.
(٤) أخرجه أحمد في "مسنده" (٢/ ١٥٦) من طريق مالك عن نافع به، وأخرجه البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩/ ٥٢)، والترمذي (٢٧٦٣)، والنسائي (١٥، ٥٢٢٦)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ١٦) من طريق عبيد الله بن عمر به.
(٥) قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٢٤/ ١٤٢) عقب رواية مالك: هكذا روى يحيى هذا الحديث، عن مالك، عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، وكذلك رواه جماعة الرواة عنه إلا أن بعض رواة ابن بكير رواه عن ابن بكير، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. وكذلك بعض رواة ابن وهب أيضًا رواه عن ابن وهب، عن مالك، عن نافع، عن=
[ ١ / ٣٤٢ ]
١٤٦ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصَّائغ، نا محمد بن حرب بن سليمان، نا مالك (^١)، عن أبي بكر بن نافع، عن نافع مولى ابن عمر، أن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بإحفاء الشَّوارب وإعفاء اللحى (^٢).
قال أبو بكر: وفي هذا الباب حديث كثير، وقد ذكرته في غير هذا الموضع، وروينا عن ابن عباس أنه قال: قص الشارب من الدين (^٣).
وروينا عن ابن عمر أنه قلم أظفاره، فقيل له: ألا تتوضأ؟ قال: ومم أتوضأ؟! لأنت أكيس من الذي سمته أمه كيسان (^٤).
وقالت طائفة: من قص أظفاره أو جز شاربه توضأ، روي ذلك عن مجاهد (^٥)، والحكم، وحماد بن أبي سليمان (^٦).
_________________
(١) = ابن عمر، وهذا لا يصح عند أهل العلم بحديث مالك وإنما هذا الحديث لمالك عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، هذا هو الصحيح عن مالك في إسناد هذا الحديث كما رواه يحيى، وسائر الرواة عن مالك. اهـ. وذكر الدارقطني في "علله" (١٢/ ٣٣٠): وقال: ورواه مالك في "الموطأ" عن أبي بكر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، وهو الصواب. قلت: فرحم الله ابن المنذر قد كان دقيقًا في كلامه وأحكامه.
(٢) "الموطأ" (٢/ ٧٢٢ - باب السنة في الشعر).
(٣) أخرجه مسلم (٢٥٩/ ٥٣)، وأبو داود (٤١٩٦)، والترمذي (٢٧٦٤)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٤٧٥) من طريق مالك به.
(٤) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٦٤٥٢).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١/ ٧١ - الرجل يأخذ من شعره أيتوضأ)، والبيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١٥٠).
(٦) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (١/ ٧١ - من قال يعيد الوضوء، ومن قال يجري …).
(٧) انظر: "مصنف عبد الرزاق" (٤٦٥).
[ ١ / ٣٤٣ ]
وقال آخرون: يمسه الماء، كذلك قال عطاء (^١)، والنخعي (^٢)، والشعبي (^٣)، والحكم (^٤).
* * *