قال أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابورى ﵀: أوجب الله تعالى الطهارة للصلاة في كتابه فقال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^١).
وقال جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (^٢).
ودلت الأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ على وجوب فرض الطهارة للصلاة.
واتفقوا - علماء الأمة - أن الصلاة لا تجزئ إلا بها، إذا وجد السبيل إليها (^٣).
_________________
(١) المائدة: ٦.
(٢) النساء: ٤٣.
(٣) انظر: "الإجماع" للمصنف (١)، و"الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (٢٦٨، ٢٦٩).
[ ١ / ٢١٩ ]
١ - قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: نا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني سليمان. قال: حدثني كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلول" (^١).
٢ - قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: نا عفان، قال: نا أبو عوانة، قال: نا سماك، عن مصعب بن سعد، قال: دخل عبد الله بن عمر على عبد الله بن عامر يعوده فقال: ما لك لا تدعو لي؟ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول". وقد كنت على البصرة (^٢).
٣ - قال: حدثنا محمد بن علي النجار، قال: أنا عبد الرزاق (^٣)،
_________________
(١) أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" (٦٤٠) قال: حدثنا الربيع بن سليمان به، وابن خزيمة (١٠) من طريق كثير به، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨): رواه البزار، وفيه كثير بن زيد الأسلمي وثقه ابن حبان وابن معين في رواية، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وضعفه النسائي، وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: ثقة. قلت: وقال أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم: صالح ليس بالقوي يُكتب حديثه، ولخص الحافظ القول فيه فقال: صدوق يخطئ. وعلى هذا فإن حديثه يحسن إذا لم يثبت خطؤه، وقد توبع على متن الحديث كما سيأتي.
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٤)، والترمذي (١)، وأحمد (٢/ ٧٣)، وأبو يعلى في "مسنده" (٥٧٥٠)، وأبو عوانة في "مستخرجه" (٦٣٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٣٦٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٤/ ١٩١) كلهم من طريق أبي عوانة به، وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن. ولم يذكر الترمذي وأبو عوانة قصة دخول عبد الله بن عمر.
(٣) "المصنف" (٥٣٠).
[ ١ / ٢٢٠ ]
قال: أنا معمر، عن همام بن مُنبِّه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضأ إذا أحدث" (^١).
قال أبو بكر: وظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ (^٢) الآية، يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، فدل قيام رسول الله ﷺ إلى الصلاة وصلوات بوضوء واحد، على أن فرض الطهارة على من قام إلى الصلاة محدثًا، دون من قام إليها طاهرًا.
٤ - قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: نا عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه توضأ يوم الفتح فصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر بن الخطاب: لقد صنعت شيئًا ما كنت تصنعه؟! قال: "عمدًا صنعته يا عمر" (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٥، ٦٩٥٤)، ومسلم (٢٢٥)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٧٦)، وأحمد (٢/ ٣١٨)، وابن خزيمة (١١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ١٦٠، ٢٢٩) كلهم من طريق عبد الرزاق به، ولكن بلفظ: "إذا أحدث حتى يتوضأ".
(٢) المائدة: ٦.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٧)، والترمذي (٦١)، وأبو داود (١٧٤)، والنسائي في "الكبرى" (١٣٣)، وأحمد (٥/ ٣٥٠، ٣٥١، ٣٥٨)، والدارمي في "سننه" (٦٥٩)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١٢) كلهم من طريق سفيان به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١ / ٢٢١ ]
٥ - قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبد الرزاق (^١)، قال: أنا معمر وابن جريج، قالا: أنا محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قُرِّبَ لرسول الله ﷺ[خبز ولحم] (^٢)، ثم دعا بوَضُوءٍ فتوضأ ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال: ثم دخلت مع أبي بكر فقال: هل من شيء؟ فوالله ما وجدوا، فقال: أين شاتكم؟ فأتي بها فاعتقلها، فحلبها، فصنع لنا لبَأ (^٣)، فأكلنا، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ، ثم دخلت مع عمر، فوضعت هاهنا جفنة فيها خبز ولحم، وهاهنا جفنة فيها خبز ولحم، فأكل عمر، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ (^٤).
قال أبو بكر: وصلى رسول الله ﷺ بعرفة الظهر والعصر بوضوء واحد، وكذلك فعل بالمزدلفة، جمع بين المغرب والعشاء بوضوء واحد (^٥)، ولم تزل الأئمة تفعل ذلك بعده (^٦)، وقد قام إلى العصر وإلى
_________________
(١) "المصنف" (٦٣٩)، وعنه أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٣٢٢).
(٢) في "الأصل": جبنًا ولحمًا. ولا يستقيم، وفي "د، ط": خبزًا ولحمًا. والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) اللِّبَأ: أول اللبن في النتاج. "لسان العرب" مادة (لبأ).
(٤) أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١١٣٠) من طريق إسحاق بن إبراهيم به، وأخرجه أبو داود (١٩٣) من طريق ابن جريج به مختصرًا، وأخرجه الترمذي (٨٠)، وابن ماجه (٤٨٩) كلاهما من طريق محمد بن المنكدر به مختصرًا. وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على الحديث في "سنن الترمذي" (١/ ١١٧ - ١١٨) وصححه هناك ودفع الضعف عنه.
(٥) كما في حديث جابر الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" (١٢١٨).
(٦) انظر: "الإجماع" للمصنف (١٨٦، ١٩٠)، و"الإقناع في مسائل الإجماع" لابن القطان (١٥٥٣، ١٥٥٧).
[ ١ / ٢٢٢ ]
العشاء ولم يذكر أحد أنه أحدث لذلك طهارة، والأخبار في هذا المعنى تكثر.
فدل كل ما ذكرناه على أن المأمور بالطهارة، من قام إلى الصلاة محدثًا (^١)، دون من قام إليها طاهرًا.
وقد أجمع أهل العلم (^٢) على أن لمن تطهر للصلاة أن يصلي ما شاء بطهارته من الصلوات إلا أن يحدث حدثًا ينقض طهارته (^٣).
وكان زيد بن أسلم يقول: نزلت الآية يعني قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (^٤) يعني إذا قمتم من المضاجع، يعني النوم.
* * *
_________________
(١) قال ابن القطان في "الإقناع في مسائل الإجماع" (٢٦٧) بعد ما ذكر الآية: المعنى إن قام محدثًا، وهذا مجمع عليه، ولا خلاف اليوم بين العلماء فيه.
(٢) "الإقناع في مسائل الإجماع" (٣٣٨).
(٣) ذكر ابن حزم في "مراتب الإجماع" (ص ٤٣) أنهم اختلفوا في هذا، وكذا ذكر الخلاف النووي في "شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٧٧)، وذكر الخلاف أيضًا ابن حجر في "فتح الباري" (١/ ٢٨٠).
(٤) المائدة: ٦.
[ ١ / ٢٢٣ ]