- منهجه في الشذوذ وزيادة الثقة:
- الترجيح بين الروايات المختلفة للكثرة.
في (كتاب النكاح - باب ذكر اثبات الخيار للأمة إذا أعتقت وهي تحت زوج).
قال، بعد أن أخرج حديث عائشة أنَّها اشترت بريرة لتعتقها .. قال الأسود: وكان زوجها حرًّا. فقال ابن المندر: فالظاهر أن قوله: "كان زوجها حرًّا" من كلام الأسود مع أن عروة والقاصم رويا عن عائشة ﵂ أن زوجها كان عبدًا، ورواية الاثنين أولى من رواية الواحد.
ومع أنَّا لو سمحنا فلم نقل أن ذلك من كلام الأسود مقام رواية القاسم وعروة لرجع الأمر إلى أن الأخبار يختلف فيها عن عائشة ﵂ وإذا اختلفت الأخبار عن عائشة ﵂ وتكافأت وجب الوقوف عن القول بها، وانفرد حينئذ خبر ابن عباس، وهو خبر لا معارض له من الأخبار بأن زوج بريرة كان عبدًا، لخبر ابن عباس بروايته وباسم العبد ومواليه، وقد أحاطت العلل بخبر الأسود من حيث ذكرناه رواية عروة والقاسم أولى من رواية الأسود عن عائشة ﵂ لأن عائشة عمة أحدهما وخالة الآخر،
[ ١ / ١١٣ ]
وقد كانا يدخلان عليها في الليل والنهار بغير حجاب بينهما وبينها، ويقيمان ببلدها وهما محرماها، والأسود سماعه منها من وراء حجاب.
قلت: وبهذا الترجيح ذهب البخاري وأحمد وغيرهما (^١).
- تقديم أصحاب الشيخ على من دونهم في الترجيح.
في كتاب الصلاة - باب ذكر الرخصة في الجمع بين المغرب والعشاء في السفر) قال:
وليس يخلو خبر العمري، عن نافع من أحد أمرين، إما أن يكون فعل ذلك في حال وجمع بين الصلاتين في حال، فلا تكون صلاته كل صلاة لوقتها خلافًا لجمعه بين الصلاتين إذ كل ذلك مباح جائز فعله، أو يتحامل متحامل فيقول: إن في رواية العمري، عن نافع، عن ابن عمر نفيًا؛ لأن يكون ابن عمر جمع في حال، وهذا يبعد لأن الذي روى عن نافع عن ابن عمر أنه كان يجمع بين الصلاتين أتقن من عبد الله وأحفظ منه للرواية مع أن عبد اللّه إذا انفرد برواية عن نافع عن ابن عمر فليس بحجة، فإذا انفرد غيره ممن رووا عن نافع عن ابن عمر أنه جمع بين الصلاتين، فروايته حجة والذين رووا ذلك عن نافع جماعة كلهم متقن لحديث نافع ضابط له منهم: أيوب، وعبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، ويحيى الأنصاري، وروى ذلك عن نافع طبقة ثانية: محمد بن إسحاق، وعبد العزيز بن أبي رواد، وعمر بن نافع، مع أن عبدة بن سليمان قد خالف عبد الرزاق في روايته عن عبيد اللّه بن عمر:
روى إسحاق بن راهويه، عن عبدة بن سليمان، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه جد به السير فأخر المغرب حتى غاب الشفق
_________________
(١) وانظر تعليقنا على الحديث في موضعه.
[ ١ / ١١٤ ]
ثم نزل فجمع بينهما".
قال أبو بكر: وبالأخبار الثابتة عن رسول الله ﷺ أقول ولا معنى لكراهية من كره ما سنه رسول الله ﷺ لأمته إذ ما قالوا من ذلك خلاف السنن الثابتة، والسنة إذا ثبتت استغني بها عن كل قول.
- زيادة الثقة مقبولة:
قال في كتاب (طهارات الأبدان والثياب - باب ذكر النهي عن الصلاة في المقبرة والحمام):
أسند حديث أبي سعيد مرفوعًا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام"، ثم قال: روى هذا الحديث حماد بن سلمة.
قال أبو بكر: إذا روى الحديث ثقة أو ثقات مرفوعًا متصلًا وأرسله بعضهم يثبت الحديث برواية من روى موصولًا عن النبي ﷺ ولم يوهن الحديث تخلف من تخلف عن إيصاله وهذا السبيل في الزيادات في الأسانيد والزيادات في الأخبار وكثير من الشهادات.
وفي كتاب (الأذان - باب ذكر الأذان للصلاة بعد خروج وقتها):
قال أبو بكر: والزيادة في الأخبار إذا ثبتت يجب استعمالها إذ الزيادة في الخبر في معنى حديث تفرد به الراوي، فكما يجب قبول ما ينفرد به الثقة من الأخبار كذلك يجب قبول الزيادة منه.
وفي كتاب (الصلاة - باب رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع):
قال أبو بكر: فأما حديث علي الذي احتجوا به، فقد ثبت عن علي، عن النبي ﷺ أنه "كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع"، وأما ابن عمر فالمشهور عنه بالأسانيد الجياد من
[ ١ / ١١٥ ]
وجوه شتى رفع يديه في الصلاة في ثلاثة مواضع كفعل أصحابه، روى عنه ذلك سالم، ونافع، وهما كانا يفعلان ذلك، وهما أعلم به من غيرهما.
وفي ثبوت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما قد ذكرناه عنه في أول الباب مستغنى عن قول من سواه، فإن اعتل معتل بخبر روي عن ابن مسعود أنه كان يرفع إذا افتتح الصلاة، فلو ثبت هذا عن ابن مسعود، لم يكن حجة على الأخبار التي ذكرناها، لأن عبد اللّه إذا ما حفظ، وحفظ علي بن أبي طالب وابن عمر، وغيرهما، وأبو حميد في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ الزيادة التي ذكرناها عنهم، فغير جائز ترك الزيادة التي حفظها هولاء من أجل أن ابن مسعود لم يحفظها، خفيت تلك الزيادة عليه كما خفي عليه السنة في وضع اليدين على الركبتين، وكان يطبق يديه على فخذيه، وتبعه عليه أصحابه، والسنة التي نقل الناس إليها وضع اليدين على الركبتين. فلما جاز أن يخفى مثل هذِه السنة التي عليها المسلمون اليوم جميعًا، لا نعلمهم اليوم يختلفون فيه على ابن مسعود، ليجوز أن يخفى عليه ما حفظه أولئك، وأقل ما يجب على من نصح نفسه أن ينزل هذا الباب منزلة اختلاف أسامة وبلال في صلاة النبي ﷺ في الكعبة، وأثبت بلال صلاة رسول الله ﷺ في الكعبة، ونفى ذلك أسامة، وحكم الناس لبلال؛ لأنه شاهد، ولم يحكموا لأسامة؛ لأنه نفى شيئًا حفظه غيره، وكذلك يجب أن يكون حال حديث ابن مسعود في اقتصاره على ما حفظه، وحال من حفظه ما لم يحفظه ابن مسعود، إن تثبت الزيادة التي زادوها؛ لأنهم حفظوا ما لم يحفظ عبد الله بن مسعود، وهذا الذي قلناه بيِّن واضح لمن وفقه الله للقول بالصواب واتباع السنن.
وفي (كتاب الصلاة أيضًا - باب فضل قراءة فاتحة الكتاب):
قال أبو بكر: وإذا زاد الحافظ في الحديث حرفًا وجب قبوله، وتكون
[ ١ / ١١٦ ]
زيادة كحديث يتفرد به، وهذا مذهب كثير من أهل العلم في كثير من أبواب الشهادات.
وفي كتاب (الدعاوى والبينات - باب جماع أبواب الحكم باليمين مع الشاهد) وذكر وجوب الحكم باليمين مع الشاهد الواحد في الأموال ساق حديث جابر: "أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد".
ثم قال: الصحيح جعفر بن محمد عن أبيه عن النبي ﷺ مرسل، كذلك رواه مالك والثوري.
قلت: وهذا يدل على أن قبول الزيادة ليس لازمًا على الإطلاق؛ فالعبرة بحفظ من زاد، وهنا لم يقبل الزيادة؛ لأن من لم يذكرها أحفظ ممن زادها.
وراجع تعليقنا على هذا الحديث في الكتاب. والصواب من مذاهب أهل العلم في قضية زيادة الثقة ما ذهب إليه نقاد أهل الحديث والعلل من أن الزيادة لا تقبل مطلقًا، كما هو قول الفقهاء ولا ترد مطلقًا والقبول والرد مبني على ثقة من زاد، فإن كان أحفظ ممن لم يذكرها قبلت، وإن كان دونه فإنها ترد، وكل حديث يخضع لاجتهاد محققه. والله أعلم.
- تليينه صحيفة عمرو بن شعيب:
قال في (كتاب الوديعة - باب تلف الوديعة): مثنى ضعيف، وقد تكلم فيما يرويه الثقات، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وفي القول به.
قلت: وهذا القول لا ينزلها عن مرتبة القبول، ولذا عدها أهل الأصول في السلاسل الحسنة.
- تعريف المجهول وهل يحتج به:
وفي كتاب (الاستبراء - باب إباحة وطئها بعد الاستبراء)
[ ١ / ١١٧ ]
قال أبو بكر: مالك والشافعي يخالفان الثوري في هذا، ويقولان: قد تكون أقصى مدة الحمل أربع سنين، وقد احتج بعض أصحاب الرأي بحديث واهي الإسناد من حديث ابن جريجٍ، عن جميلة بنت سعد، عن عائشة أنَّها قالت: "ما تزيد المرأة في الحمل على سنتين، قدر ما يتحول ظل عود المغزل".
قال أبو بكر: ولكن التي روت امرأة مجهولة لا تعرف.
في كتاب (التفليس - باب ذكر الميت يجد عنده الذي باعه سلعته بعينها):
قال أبو بكر: أبو المعتمر بن عمرو بن رافع مجهول لم يرو عنه غير ابن أبي ذئب، وسبيل من لم يرو عنه إلا واحد عند أكثر أصحابنا سبيل المجهول من الرجال، وليس تقوم الحجة بخبر من هذا سبيله.
وقال في (باب ذكر أولياء الدم الذين لهم القصاص والعفو):
قال أبو بكر: حصن الذي روى هذا الحديث لا يعرف له حديث غير هذا الحديث وهو مجهول ليس بمشهور تجب الحجة بروايته.
وفي (الاستحاضة - تحث باب ذكر الخبر الثالث المختلف في ثبوته):
قال أبو بكر: والمجهول لا يجوز الاحتجاج بحديثه إذ هو في معنى المنقطع الذي لا تقوم به الحجة.
وكذا قال بنحو ذلك في كتاب البيوع تحت باب ذكر خبر مجهول الإسناد لا يصح من جهة النقل.
- دقته الحديثية:
في كتاب (الدعاوى والبينات - باب الدعوى في الحائط) (^١)
_________________
(١) وانظر تعليقنا عليه في موضعه.
[ ١ / ١١٨ ]
قال أبو بكر: جاء الحديث عن النبي ﷺ بإسناد مجهول لا يثبت من جهة النقل أنه قضى في الخص يتداعاه الرجلان يدعيه كل واحد منهما أنه للذي يليه القِمْط.
٦٦٤٣ - حدثنا أحمد بن داود، قال: حدثنا هدبة بن خالد ومحمد بن الصباح وأبو كريب قالوا: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن دَهْثَم بن قرَّان، عن نمران بن جارية، عن أبيه "أن قومًا اختصموا إلى رسول الله ﷺ في خص فبعث معهم حذيفة يقضي بينهم، فقضى للذي يليه القِمْط فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره بخبر فقال: أحسنت".
قال أبو بكر: دهثم بن قران مجهول، ونمران بن جارية وأبوه غير معروفين، ولا يدرى هل لجارية صحبة أم لا، والإسناد إذا كان هذا سبيله فالاعتماد عليه غير جائز، وإنما حملني على ذكره، لئلا أخفي أمره على من يجهل معرفة الحديث فيغتر به.
وفي باب ذكر الأخبار الدالة على أن القضاء بذلك يجب إذا منع الجار جاره أن يغرز خشبة في جداره.
قال أبو بكر: وهذِه اللفظة "لا ضرر ولا ضرار" يرددها كثير من أهل العلم في كتبهم ولا أعلم ذلك يثبت متصلًا، ولا يجوز أن يطلق فيقال: قال رسول الله ﷺ إلا أن يكون ذلك موجودًا بإسناد جيد.