ابن المنذر بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق فلا يتقيد بمذهب واحد كحال أتباع المذاهب من المتأخرين، لكن غالبًا يوافق اجتهاده اجتهاد الشافعي؛ لأنه على أصوله تخرج، ولهذا عُدَّ من الشافعية.
قال الذهبي في "السير": عداده في الفقهاء الشافعية.
وقال النووي في "التهذيب": لا يلتزم التقييد في الاختيار بمذهب أحد بعينه، ولا يتعصب لأحد ولا على أحد على عادة أهل الخلاف، بل يدور مع ظهور الدليل ودلالة السنة الصحيحة، ويقول بها مع من كانت، ومع هذا فهو عند أصحابنا معدود فهي أصحاب الشافعي، مذكور في جميع كتبهم في الطبقات.
وذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي صاحب "المهذب" في كتابه "طبقات الفقهاء" في أصحاب الشافعي.
وقال السبكي في "طبقاته" (٣/ ١٠٢): المحمدون الأربعة: محمد بن نصر، ومحمد بن جرير، وابن خزيمة، وابن المنذر من أصحابنا، وقد بلغوا درجة الاجتهاد المطلق، ولم يخرجهم ذلك عن كونهم من أصحاب الشافعي، المخرجين على أصوله، المتمذهبين بمذهبه، لوفاق اجتهادهم اجتهاده، بل قد ادعى من هو بعد من أصحابنا الخُلَّص كالشيخ أبي علي وغيره أنهم وافق رأيهم رأي الإمام الأعظم فتبعوه ونسبوا إليه، لا أنهم مقلدون فما ظنك بهؤلاء الأربعة؛ فإنهم وإن خرجوا عن رأي الإمام الأعظم، في كثير من المسائل، فلم يخرجوا في الأغلب، فاعرف ذلك، واعلم أنهم في أحزاب الشافعية معدودون، وعلى أصوله في الأغلب مخرجون، وبطريقه متهذبون، وبمذهبه متمذهبون.
[ ١ / ٧٥ ]
قلت: ولهذا يقول ابن المنذر في مواضع: "أصحابنا" ويقصد به الشافعي، وانظر مثلًا في كتاب (الكفالة - باب الكفالة بالنفس): .. فهولاء جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ قد رأوا الكفالة في الحدود ولا نعلم صحابيًّا خالفهم، وأصل قول معلمنا - يعني الشافعي - وقول العراقيين في جملة ما يعطون في الأصل أنهم لا يخالفون الصحابي إلا إلى قول مثله، فيلزمهم جميعًا على أصل مذهبهم أن يروا الكفالة في الحدود جائزة، فأما أن يروا كفالة النفس في غير الحدود ولا يعلم في صحابي أنه حكم به، ويبطلوا كفالة النفس في الحدود، وقد روي عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ فهو سهو وإغفال والله أعلم.
- وانظر إلى تفقه المُصَنِّف وعدم التزامه بقول واحد:
في كتاب الجنائز - باب ذكر ما يصنع بالذي يموت في البحر:
قال: إن كان البحر الذي مات فيه الميت الأغلب منه أن يخرج أمواجه إلى سواحل المسلمين يفعل به ما قاله الشافعي، فإن لم يكن كذلك فعل ما قاله أحمد.
وقال في (كتاب الدباغ - باب ذكر الأخبار التي خصت بالنهي عن أكل كل ذي ناب من السباع):
وفي أصول أصحابنا أن كل خبرين جاز إذا أمكن استعمالهما، أن لا يعطل أحدهما وأن يستعملا جميعا ما وجد السبيل إلى استعمالهما، فمما هذا مثاله في مذهبهم: نهى النبي ﷺ عن استقبال القبلة واستدبارها، قالوا: ذلك في الصحاري؛ لأن ابن عمر، قال: رأيت النبي ﷺ على لبنتين مستقبل بيت المقدس واستعملنا كل خبر في موضعه، فاستعملنا خبر ابن عمر في المنازل، وخبر أبي أيوب في
[ ١ / ٧٦ ]
الصحاري إذ لم نعطل واحدًا من الخبرين لإمكان أن يوجه لكل واحد منهما وجهًا غير وجه الآخر، وفعلوا مثل هذا في أبواب صلاة الخوف واستعملوا الأخبار فيها، ووجهوا لكل حديث منها وجهًا على سبيل ما قد ذكرناه في كتاب صلاة الخوف، فمن كان هذِه مذهبه وجب عليه أن يقول بالخبرين جميعا، ولا أحسب الشافعي لو دفع إليه خبر أبي المليح عن أبيه لقال به، ولم يخالفه، كما قال بالأخبار التي ذكرناها في مواضعها.
ومما يبرز اجتهاده أنه إذا وافق الشافعي فإن موافقته له مبنية على موافقة الشافعي للسنة الصحيحة.
وانظر إلى هذا المثال:
قال في كتاب الصلاة - باب ذكر إحداث النية عند دخول كل صلاة يريدها المرء فريضة كانت أو نافلة):
وبقول الشافعي أقول، وذلك لموافقته السنة الثابتة.
ولهذا قال الذهبي في "السير" (١٤/ ٤٩١):
ما يتقيد بمذهب إلا من هو قاصر في التمكن من العلم كأكثر علماء زماننا، أو من هو متعصب، وهذا الإمام فهو من حملة الحجَّة، جار في مضمار ابن جرير وابن سُريج وتلك الحلبة ﵏.
وإليك بعض الأمثلة في مخالفته للشافعي:
في (باب ذكر خبر احتج به من زعم أن معنى قول عمر: إلا بعض من تملكون من أرقائكم: أن الذين لا حق لهم في مال الفيء من العبيد من لم يشهد بدرًا دون من شهد بدرًا).
- قال أبو بكر: ووافق بعض أصحابنا الشافعي في عامة ما حكيناه عنه، وخالفه في إيجابه الخمس من الفيء، ولعمري لا نحفظ عن أحد
[ ١ / ٧٧ ]
قبل الشافعي أنه قال في الفيء: خمس كخمس الغنيمة، وإنما تلا الشافعي ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ الآية. فرأى أن القسمة إنما وقعت لهؤلاء فقط، ولم يعمل على أن الآيات بعد هذِه الآية معطوفة على هذِه، فلما كان التأويل عنده على هذا، ووجد الإجماع على أن أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية، وغير ذلك إنما هو من مال الفيء تأول أن الذي قسمه الله في الآية للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين هو الخمس؛ فجعل خمس الفيء واجبًا لهؤلاء كما أن لهم خمس الغنيمة، وجعل أربعة أخماس الفيء لجماعة المسلمين يقسم فيهم على سنة قسم الفيء كما يقسم أربعة أخماس الغنيمة من حضر الوقعة على سنة قسم الغنائم؛ فاتبع جمل أهل العلم عمر بن الخطاب لما تلا الآيات الثلاث يقول عند تلاوة كل آية منها: والله ما هو لهؤلاء وحده، واستعمل الناس ما رآه ولا نحفظ عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا التابعين، ولا من بعدهم من أهل العلم أنه أوجب من الفيء خمسًا كخمس الغنيمة قبل الشافعي؛ لأن الآيات التاليات لآية الفيء معطوفات على آية الفيء لقوله ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، فإذا كان من مذهب أصحابنا الامتناع من بيع أمهات الأولاد لقول عمر، وقد خالفه جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ويجب لقوله التفريق بين رجل وامرأته، وقد عقدا بينهما نكاحًا صحيحًا بكتاب وسنة وإجماع لعيب يجده بها من العيوب التي جعل عمر بن الخطاب للرجل الخيار إذا وجد بها عيبًا من العيوب، ثم يجعل قول عمر أصلًا تبنى عليه المسائل فيقال: وكذلك إذا وجدت به عيبًا من تلك العيوب كان لها الخيار كما كان له الخيار، ويجب التفريق بين العنِّين وبين زوجته اتباعًا لعمر،
[ ١ / ٧٨ ]
وفي ذلك كله اختلاف ويوجب في حمام مكة شاة، وإن كان ظاهر الكتاب لا يدل عليه بل يقال: إن ظاهر الكتاب يدل على أن لا جزاء من النعم في الحمام يقتل لا يصغر عن ذلك، فإذا أوجب موجب لقول عمر ما ذكرناه، فاتباع عمر فيما يدل عليه ظاهر الكتاب، وقول كل من نحفظ قوله من أهل العلم غير الشافعي أولى - والله أعلم.
وفي (كتاب آداب القضاء - باب ذكر إقامة الحدود في المساجد) ذكر اختلاف العلماء وقال: وكره الشافعي وأحمد وإسحاق إقامة الحدود في المساجد.
قال أبو بكر: أمر الله - جل ذكره - نبيه ﷺ أن يحكم بين الناس ولم يخص للحكم بينهم مكانًا دون مكان، فللحاكم أن يحكم بينهم إن شاء في المسجد وإن شاء في منزله، ليس لأحد أن يمنع الحاكم من الحكم في مكان دون مكان بغير حجة، فإن اعتلال من اعتل في منعه من ذلك بحضور الكافر والحائض فليس نعلم حجة تمنع الكافر من دخول المساجد سوى المسجد الحرام "قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ فأنزلهم في المسجد" وليس في منع الحائض من دخول المسجد خبر يثبت، و"أفلت" الذي روى خبر عائشة مجهول، وقد نظر نبي الله داود ﵇ بين الخصمين اللذين وعظ بهما في المحراب وهو المسجد، قال الله - جل ذكره -: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ قال ابن جريج في قوله: ﴿الْمِحْرَابَ﴾: المسجد. وهذا معروف في كل بلد أن محاريبهم تكون في مساجدهم.
وفي (كتاب الدعوى والبينات - ذكر استحلاف المدعي مع بينته والاختلاف فيه).
قال أبو بكر: قال الشافعي: إذا اعترف الرجل دابة في يد رجل، فإن
[ ١ / ٧٩ ]
جاء بالبينة أنها دابته لا يعلمون أنه باع ولا وهب أحلف صاحب الدابة بالله أن هذِه - لدابته - ما خرجت عن ملكه بوجه من الوجوه. وهذا اختلاف من قوله، وكان أحمد، وأبو عبيد، والنعمان يقولون: إذا جاء بالبينة فلا يمين عليه. قال أبو بكر: بهذا أقول.
قال أبو بكر في كتاب (التيمم) تحت (باب ذكر إثبات التيمم للجنب المسافر الذي لا يجد الماء):
وفي (كتاب الأذان والإقامة - ذكر التثويب في أذان الفجر)
قال أبو بكر: وما هذا إلا سهوًا منه ونسيانًا حيث كتب هذِه المسألة، لأنه حكى ذلك في الكتاب العراقي عن سعد القرظ، وعن أبي محذورة، وروي ذلك عن علي.
وقال في كتاب (الأذان والإقامة) (باب ذكر الأذان للصلاة بعد خروج وقتها) قال أبو بكر: قال الشافعي إذا جمع بين الصلاتين وقد ذهب وقت الأولى منهما أقام لكل واحدة منهما بلا أذان، وكذلك كل صلاة صلاها في غير وقتها كما وصفت. قال أبو بكر: هذا منه غلط؛ لأن النبي ﷺ قد من للجامع بين الصلاتين، في وقت الأولى منهما جمع بينهما أم في وقت الآخرة، أن يوذن للأولى من الصلاة ويقيم فيصليها، ثم يقيم للآخرة فيصليها، كذلك فعل بعرفة في حجته حين جمع بين الظهر والعصر.
قال أبو بكر في كتاب (صفة الصلاة) (باب ذكر السلام على النبي ﷺ ومسألة الله فتح أبواب الرحمة عند دخول المسجد): وبقول الشافعي أقول وذلك؛ لموافقته السنة الثابتة.
قال أبو بكر في (جماع أبواب التشهد) (باب ذكر الصلاة على رسول الله ﷺ):
ونحن نختار أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله
[ ١ / ٨٠ ]
ﷺ، من غير أن نوجبه ونجعل على تاركه الإعادة، وعلى هذا مذهب مالك وأهل المدينة، وسفيان الثوري، وأهل العراق من أصحاب الرأي وغيرهم، وهو قول جملة أهل العلم، إلا الشافعي، فإنه كان يوجب على المصلي إذا ترك الصلاة على النبي ﷺ في صلاة الإعادة. وكان إسحاق يقول: إذا فرغ من التشهد إمامًا أو مأمومًا صلى على النبي ﷺ، لا يجزيه غير ذلك، ثم قال: إن ترك ذلك ناسيًا رجونا أن يجزيه. قال أبو بكر: ولو كان ذلك فرضًا عنده كالركوع والسجود، وقراءة فاتحة الكتاب، لأوجب عليه الأعادة على كل حال، وقوله: رجونا أن يجزيه، إما أن يكون رجوعًا منه عن القول الأول، أو اختلافًا بين القول، وقد ذكرت الحديث الذي أغفل به الشافعي، وأن الذي رواه ليس ممن يجوز الاحتجاج بحديثه، في غير هذا الكتاب.
وفي (كتاب الطلاق - ذكر الطلاق الذي يكون مطلقه مصيبًا للسنة).
قال أبو بكر: وقال بمثل قول الشافعي: أبو ثور، وأحمد بن حنبل، ثم بلغني عن أحمد أنه رجع عن ذلك وقال بمثل قول مالك، وروي عن ابن سيرين والشعبي مثل قول الشافعي.
قال أبو بكر: فأما طلاق عبد الرحمن بن عوف وفاطمة بنت قيس، فإنما طلق فاطمة آخر تطليقة كانت بقية طلاقها، وكذلك عبد الرحمن بن عوف إنما طلق آخر التطليقات فليس في واحد من ذين حجة، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع، فبالقول الأول أقول للحجج التي بينتها في هذا الكتاب، وفي الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب.
وفي (كتاب (الطلاق) تحت باب (جماع أبواب الخيار وما فيها من الآثار والسنن):
قال أبو بكر: هذا أصح الأقاويل - يعني قول أبي عبيد -، والله أعلم.
[ ١ / ٨١ ]
قال أبو بكر: ما قاله أصحاب رسول الله ﷺ وعوام أهل العلم أولى.
وقال في (جماع أبواب كفارات الظهار: - ذكر أبواب العتق في الظهار):
قال أبو بكر: اختلفوا في عتق اليهودي والنصراني في كفارة الظهار.
فقالت طائفة: ذلك جائز. كذلك قال عطاء، وإبراهيم النخعي، وحكي ذلك عن طاوس، وبه قال سفيان الثوري، وأبو ثور، وأصحاب الرأي.
وقالت طائفة: لا يجزئ في شيء من الكفارات إلا عتق مسلم. هذا قول الحسن البصري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، والشافعي، وأبي عبيد، وحكي ذلك عن أحمد، وإسحاق.
وبالقول الأول أقول؛ وذلك لأن الله قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ والآية على ظاهرها، وغير جائز أن تقاس آية على أخرى؛ لأن لكل آية حكمها، ولما قال من خالفنا في قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ أنها مبهمة على العموم ولم يجعلوا حكمهن حكم الربائب فجعلوا إحداهما قياسًا على الأخرى وجب كذلك أن يكون لكل آية حكمها في باب الكفارات، وأحق الناس بهذا القول من مذهبه أن يقاس أصل على أصل.
وفي (كتاب اللعان - باب ذكر نفي الولد عن الزوج باللعان وإلحاقه بالأم):
قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في الوقت الذي يزول فيه فراش المرأة وتقع الفرقة بينهما.
فقالت طائفة: تقع الفرقة بينهما بإتمام اللعان، وذلك أن يلتعن الرجل والمرأة اللعان كله، وإذا كان ذلك وقعت الفرقة بينهما. هذا قول مالك بن أنس، وأبي عبيد، وأبي ثور، وقد روي ذلك عن ابن عباس، وبه قال
[ ١ / ٨٢ ]
ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن ..
وفيه قول ثان وهو: أن الفرقة تقع بإكمال الزوج اللعان قبل أن تلتعن المرأة وبه يزول الفراش، وإن مات أحدهما وقد أكمل الزوج اللعان لم يتوارثا. هذا قول الشافعي ..
قال أبو بكر: بقول مالك ومن وافقه أقول.
وفي (كتاب اللعان - ذكر وفاة الزوجين بعد القذف قبل أن يلتعن واحد منهما):
قال: واختلفوا في الزوج يلتعن دون المرأة يموت أحدهما.
فقالت طائفة: يتوارثان كذلك قال مالك، وأهل المدينة، وبه قال أصحاب الرأي، وأبو عبيد. وقال الشافعي: لا يتوارثان.
وبالقول الأول أقول، وذلك أن الزوجية قائمة حتى يأتي الوقت الذي علمنا رسول الله ﷺ لا سبيل له عليها، وإنما قال ذلك بعد التعانهما، ولا يجوز إزالة زوجية ثابتة قبل ذلك الوقت إلا بحجة، ولا حجة مع من ذكر أن التفريق بينهما يجب بالتعان الزوج وحده.
وفي (كتاب الغصب) تحت باب (ذكر اختلافهم في الشيء يغصب وله غَلَّة):
قال أبو بكر: قول الشافعي: المغصوب بالخيار غلط.
وفي (جماع أبواب الأذان في الخطبة في الجمعة ..) (باب ذكر ما تجزي الخطبة من الجمعة):
وأما الذي قاله الشافعي فلست أجد دلالة توجب ما قال، وقد عارض الشافعي غيره من أصحابنا فقال: يقال من قال بقوله: من أين أوجبت الجلسة بين الخطبتين فرضًا؟ أبطلت الجمعة بتركها وقد أتى بالجمعة والخطبتين، وليست الجلسة من الجمعة؛ لأن الجمعة فرضها ركعتان،
[ ١ / ٨٣ ]
كذلك في حديث عمر، والخطبة معروفة، والجلسة غير هذا، ولو كانت الجلسة واجبة لم يجز أن تبطل الجمعة بتركها؛ لأنها غير هذا، فإن اعتل بجلوس النبي ﷺ بين الخطبتين، فالفعل عنده وعند غيره لا يوجب فرضا، ولو ثبت أنه فرض لم يدل على إبطال الجمعة، ويقال له: وما الفرق بين الجلسة الأولى والجلسة بين الخطبتين؛ فإن اعتل بأن الجلسة بين الخطبتين من فعل النبي ﷺ، فكذلك الجلسة الأولى من فعل النبي ﷺ، وذكر كلامًا تركت ذكره هاهنا كراهية التطويل.
وفي (كتاب الاستبراء - باب ذكر استبراء العذراء):
قال: وقد اختلف في الرجل يقع في سهمه الجارية من السبي وهي حامل فيطأها.
قال أبو بكر: ولا أحسبهما وقع إليهما خبر أبي الدرداء.
وفي كتاب (السلَم) (باب باب ذكر بيع الأمة واستثناء ما في بطنها): قال أبو بكر: اختلف أهل العلم في بيع الأمة أو الناقة، ويستثني ما في بطنها.
فقالت طائفة: البيع جائز، والشرط لازم. كذلك قال النخعي، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقد أعتق ابن عمر جارية واستثنى ما في بطنها.
حدثنا موسى قال: حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا عباد بن عباد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر "أنه أعتق غلامًا له وامرأته واستثنى ما في بطنها".
وقال بمثل قول ابن عمر: النخعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
وقالت طائفة: إذا فعل ذلك فسد البيع. كذلك قال سفيان الثوري، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي.
[ ١ / ٨٤ ]
قال أبو بكر: البيع جائز؛ لأن الذي وقع عليه البيع معلوم، فلا يضرهما أن يجهلا ما لم يدخل في البيع، ولا أعلمهم يختلفون إذا بيع جارية قد أعتقت بما في بطنها، ولا فرق بين هذِه وتلك؛ لأن المبيع في المسألتين جميعًا الجارية دون الولد، والمدني والكوفي يريان فيما لا كتاب فيه ولا سنة تقليد الواحد من أصحاب النبي ﵇ وهذا لهم لازم على مذهبهم؛ لأن ذلك ثابت عن ابن عمر، ولا نحفظ عن أحد من الصحابة ﵃ خلاف قوله، ويلزم ذلك من قال بمثل قولهم في تقليد أصحاب رسول الله ﷺ.
وفي (كتاب الاستبراء - باب ذكر الجارية المشتراة تحيض وللبائع الخيار أو للمشتري أو لهما):
قال أبو بكر: واختلفوا في الرجل يكاتب جارية له، ثم تعجز فترجع إليه.
فقال الشافعي: لا يطؤها حتى يستبرئها؛ لأنها كانت ممنوعة الفرج منه، وإنما أبيح له فرجها بعد العجز.
وقال أبو ثور: ليس عليه أن يستبرئها.
قال أبو بكر: تحريم وطء المكاتبة ليس بإجماع يعتمد عليه.
[ ١ / ٨٥ ]
- وأكثر المصنف في كتابه انتقاده لأبي حنيفة وأصحابه، وإليك أمثلة على ذلك:
ففي (كتاب العارية - باب ذكر عارية الدواب): قال أبو بكر: القياس عنده حق، وقد ترك الحق على لسانه وقضى بغير الحق.
وفي (جماع الأبواب التي توجب الآداب - ذكر الوجه الثالث المختلف فيه وهو شبه العمد):
قال أبو بكر: جعل المقتول بالخنق وإن عمده في معنى الخطأ وجعل الدية على العاقلة، ثم زعم أنه إن وجده قد خنق غير مرة فعليه القود فجعله مثل العامد، يقال من يقول بقوله: هل رأيت بابًا من أبواب القصاص يكون فاعله في أول فعله مخطئًا وإن عمد الفعل، فإذا ثنى أو ثلث ففعل مثل فعله الأول فعليه القود.
وفي (كتاب الطلاق - باب ذكر طلاق الأخرس):
قال متعقّبًا أبا حنيفة: ذكر أن الذي به يحكم ليس بقياس، وأن القياس في ذلك أنه باطل، ففي إقراره بأن القياس في ذلك باطل إقرار بأنه حكم بالباطل؛ لأن القياس عنده حق، فإذا حكم بضده فقد أقر أنه حكم بضد الحق وهو الباطل. وفي إظهاره القول بالاستحسان وهو ضد للقياس دفع منه للقياس الذي هو عنده حق، وقد يكتفى بحكاية هذِه المعاني عن الإدخال على قائلها.
قال: فبقي قوله مهجورًا مخالفًا للأخبار التي ذكرناها عن رسول الله ﷺ فأما أصحاب الرأي فإنهم فرقوا بين من طلعت الشمس وقد بقي عليه من الصبح ركعة وبين من غربت الشمس وقد بقيت عليه من العصر ركعة، فأفسدوا صلاة من طلعت الشمس وقد بقي عليه من الصبح ركعة. قالوا:
[ ١ / ٨٦ ]
عليه أن يستقبل الفجر إذا ارتفعت الشمس، فإن نسي العصر، فذكرها حين أحمرت الشمس، فصلى ركعة أو ركعتين، ثم فربت الشمس. قالوا: يتم على صلاته، فيصلي ما بقي؛ قالوا: لأن الذي صلى الفجر، فطلعت له الشمس وهو في الصلاة فسدت عليه صلاته؛ لأنه ليست بساعة يصلى فيها، والذي غربت له الشمس وقد صلى ركعة أو ركعتين فقد دخل في وقت الصلاة، والصلاة لا تكره تلك الساعة، فعليه أن يتم ما بقي منها.
قال أبو بكر: قد جعل النبي ﷺ من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس مدركا للصلاتين، وجمع بينهما، فلا معنى لتفريق من فرق شيئين جمعت السنة بينهما، ولو جاز أن تفسد صلاة من جاء إلى وقت لا تحل الصلاة فيه ألزم أن تفسد صلاة من ابتدأها في وقت لا تجوز الصلاة فيها، وليس فيما ثبت عن رسول الله ﷺ إلا التسليم له، وترك أن يحمل على القياس والنظر.
وفي (كتاب المرتد - باب ذكر ارتداد المرأة المسلمة عن الإسلام): قال أبو بكر: والذي يجب القول به قول رسول الله ﷺ؛ لأنه الحجة على الأولين والآخرين، ولا يجوز ترك السنة بقول أحد من الناس، والذي خالف السنة الثابتة في هذا الباب، وخالف عمر بن الخطاب فأظهر اتباع ابن عباس فيما لا يثبت عنه، قد خالف ابن عباس في أشياء ثابتة عنه.
ثم قال متعقبًا: وخالف النعمان هذا الحديث فقال: لا حد عليه. ولو ذهبنا نكتب ما خالف أصحاب الرأي ابن عباس لكثر ذلك وطال الكتاب.
وفي (كتاب أحكام السراق - باب ذكر الخيانة):
قال أبو بكر: وبالقول الأول نقول، ونلزم أصحاب الرأي أن لو جاء صاحب الشاة، وأراد أخذ اللحم أن للسارق دفعه عنه؛ لأنهم قالوا: وصار لحمها له. ويلزمهم أن يقولوا أن صاحب الشاة ظالم للسارق، وأن للسارق
[ ١ / ٨٧ ]
دفعه عن اللحم الذي زعموا أنه له، وقد عارضهم غيري فألزمهم أن السارق لو دفع عن ذلك وتنازعا فأتي على نفس السارق أنه شهيد داخل في جملة قوله "من قتل دون ماله فهو شهيد" وهذا قول تجزئ حكايته عن الإدخال على قائلهِ، حرم الله الأموال فقال: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وثبت عن نبي الله ﵇ أنه قال: "لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيب نفس منه". فقائل هذا القول قد عارض الكتاب والسنة بالخلاف وملَّكه ظالمًا سارقًا مالًا بغير طيب نفس صاحبه ولا بتجارة أباحها الكتاب له، والقول إذا كان خلاف كتاب الله وسنة نبيه وجب هجرانه ولزمه الذم من كل وجه، ومن قول أصحاب الرأي: أن ثوبًا لو أخذه سارق وشقه في منزل صاحبه، ثم أخرجه مشقوقًا وهو يسوى وقت إخراجه ما يقطع فيه اليد أن عليه القطع، وليس بين الثوب يشق والشاة تذبح فرق؛ إذ ملك رب الشاة والثوب ثابت عليها قبل أن يحدث فيها الحدث، ولا يجوز إزالة ملك من أجمع أهل العلم على ثبوت ملكه قبل أن يحدث السارق ما أحدث فيه بتعدي متعدٍ فعل في مال لا يملكه ما لا يحل له، وليس مع من أزال ملك رب الشاة عن ماله حجة إلا دعواه المغفل. الذي لا حجة معه تثبت دعواه وهو قوله: "لأنه قد ضمن قيمتها حية".
وفي (كتاب الحدود - باب ذكر إقامة الحدود بعد حين من الزمان وبعد أن يتوب ..):
قال أبو بكر: ولأصحاب الرأي في هذا الباب كلام ينقض بعضه بعضًا. قال النعمان: إذا شهد الشهود على زنا قديم لم آخذ بشهادتهم ولم أحدهم، وإذا أقر بزنا قديم أربع مرات فإني أحده. وفي كتاب محمد بن الحسن قلت: أرأيت إن قذف رجلًا فأتي به الإمام بعد زمان هل يحده قال: نعم وفي
[ ١ / ٨٨ ]
السرقة إذا أتي به بعد زمان لم يقطع؛ لأن هذا من حقوق الناس، وزعم النعمان وصاحباه في رجل شهد عليه شهود بسرقة بعد حين أو بشرب خمر أنه لا يؤخذ بشيء من ذلك إلا أن يضمن السرقة ولا تقطع يده، ولو أمن بعد حين قطع. وقال النعمان ويعقوب: إذا أقر بشرب خمر بعد حين فلا حد عليه. وقال ابن الحسن: عليه الحد. فإسقاطهم جميعًا ما أوجبه الله من القطع في السرقة بشهادتهم بعد حين غفلة وإبطال النعمان ويعقوب الحد عن المعترف بشرب الخمر بعد إيجابهما القطع على المقر بالسرقة غفلة أخرى، وكل ذلك متناقض في نفسه خلاف ما أوجبه الله في كتابه. وقال أصحاب الرأي في الزنا إذا تقادم فإن على الزاني المهر، وقد ثبت أن نبي الله ﷺ نهى عن مهر البغي.
قال أبو بكر: وقد أجمع أهل العلم أن الزاني بالزانية لا مهر عليه، ولا مهر للزانية وليس تخلو الشهادة على الزنا القديم من أحد معنيين، إما أن تكون جائزة فإقامة الحد تجب؛ لأن الله أمر بجلد الزاني، أو تكون غير جائزة ولا حد ولا مهر. فأما أن تكون جائزة في معنى غير مستعملة فيما أوجبه الله من إقامة الحد بل تستعمل فيما نهى عنه رسول الله من مهر البغي، فهذا خطأ من كل وجه، وحكاية هذا القول تجزئ عن الإدخال على قائله ..
قال أبو بكر: فأما إسقاط الحد عن من جاء تائبًا فغير جائز؛ لأن الله أوجب إقامة الحد ولم يذكر استثناءً، ولو كان لله في ذلك مراد لبيَّنه في كتابه كما ذكر توبة المحارب، والدليل على صحة هذا القول مجيء الغامدية إلى رسول الله ﷺ لما أمر برجمها، وسبها خالد فقال: "لا تسبها فلقد تابت توبة لو تابها صاحب مكْس لغفر له" ولم يجعل توبتها مزيلة للحد عنها، وكذلك قال في قصة الجهنية حيث قال له عمر: "يا رسول الله، رجمتها
[ ١ / ٨٩ ]
ثم تصلي عليها فقال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة وسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها" فإقامة النبي ﷺ الحد على هاتين مع ثبوتهما دليل على أن سقوط الحد بالتوبة إنما خص به المحاربين دون غيرهم.
وفي (كتاب العاقل - باب ذكر القتيل يوجد في المحلة أو القرية مع فقد اللوث ..):
قال أبو بكر: وقول أصحاب الرأي - يختار الولي من أهل المحلة أو القرية التي وجد القتيل بين أظهرهم خمسين رجلا يحلفون بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، فإن لم يبلغوا خمسين كررت عليهم الإيمان حتى يحلفوا خمسين يمينًا فإذا حلفوا غرموا الدية، وكانت الدية على العاقلة، ولا يقسم فيهم صبي ولا امرأة ولا عبد، ودعوى المدعيين الخطأ والعمد في ذلك سواء - خارج من هذِه السنن كلها، فصار قولهم قولًا خارجًا عن السنن كلها، ثم لم يرضوا بذلك حتى أباحوا مالا محظورًا بكتاب الله وسنة نبيه، وبالاتفاق بغير حجة يرجعون إليها، قال الله ﷿: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وثبتت الأخبار عن رسول الله ﷺ بأنه قال: "دماؤكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا".
في كتاب أحكام السراق - باب ذكر حد البلوغ الذي يجب على من بلغه الفرائض والحدود):
قال أبو بكر: قد ذكرنا ما انتهى إلينا من اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم في حد البلوغ، وجاء النعمان بحد لا نعلم أحدًا من أهل العلم سبقه إليه؛ ذكر أن حد البلوغ في الغلام استكمال ثمان عشرة سنة إلا أن يحتلم قبل ذلك، وفي الجارية استكمال سبع
[ ١ / ٩٠ ]
عشرة سنة إلا أن تحيض قبل ذلك، فقوله: هذا شاذ مخالف للسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ ولقول أصحابه، وقول كل من نحفظ عنه من أهل العلم قديمًا وحديثًا، ولو خالفه مخالف فجعل حد بلوغ الغلام سبع عشرة وحد بلوغ الجارية تسع عشرة سنة لم يكن بينه وبين النعمان فرق، وكان جوابه كجواب النعمان فيما خالف فيه السنن الثابتة وأقاويل أهل العلم.
وفي (أول كتاب التفليس):
قال أبو بكر: وهذا قول - هو أسوة الغرماء - خلاف السنة الثابتة عن نبي الله ﷺ. وقد حكى الشافعي عن قائل أنه قال: كيف يكون أن تملكني عبدك فإن بعته أو أعتقته جاز؛ لأنه ملكي، ثم أفلس فتأخذه دون غرمائي.
قال الشافعي: ليس في السنة إلا الاتباع، وقد أدخل عليهم الشافعي دارًا تباع فيها لشفيع شفعة فقال: أليس المشتري مالكًا يجوز بيعه وهبته وصدقته فيما ابتاع؟ قال: نعم. قال: فإذا جاء الشفيع أخذ ذلك ممن هو في يده. قال: نعم. قلت: أفتراك نقضت الملك الصحيح؟ قال: نعم، ولكن نقضته بالسنة، وكذلك الرجل يصدق المرأة العبد أو الأمة، فللمرأة أن تبيع وتهب وتعتق، فإذا طلقها قبل الدخول انتقض الملك في نصف العبد أو الأمة؟ قال: ينتقض الملك. قيل: فكيف نقضت الملك الصحيح؟ قال: بالكتاب. قال: فما نراك عبت في مال المفلس شيئًا إلا دخل عليك في الشفعة والصداق مثله أو أكثر.
قال أبو بكر: وحكى بعض الناس عنهم أنهم تأولوا قول النبي ﷺ: "فمن وجد عين ماله" أنه في الأمانات مثل الودائع والمضاربات التي يعمل بها والبضائع.
قال أبو بكر: ولعمري إنهم يستعملون الحيلة في دفع الأخبار التي لا يمكنهم ردها من جهة الأسانيد؛ لشهرتها وصحتها بعلة يعتلون بها
[ ١ / ٩١ ]
يوهمون العامة بذلك كما يقولون.
وفي (كتاب الدعوى والبينات - باب ذكر اختلاف أهل العلم في الرجل ينتفي من ولد سريته ..):
قال أبو بكر: أن الذي قاله النعمان خطأ بَيِّن إذ هو خلاف السنة، وخلاف قول عمر بين المهاجرين والأنصار على المنبر.
وفي (كتاب النكاح - باب ذكر ولاية العبيد):
قال أبو بكر: أجاب في هذِه المسألة، ثم جعل حجته فيها مسألة أخرى أخطأ فيها كخطئه في هذِه المسألة، وهم لعمري كثيري الاستعمال مثل هذا إذا سئلوا عن الحجة في مسألة، ذكروا أخرى قد خولفوا فيها فجعلوا إحداهما حجة للأخرى.
(وفي (كتاب الوصايا - باب الوصية بالمشاع):
قال أبو بكر: قال أصحاب الرأي: إذا استحق الثلثان أو هلكا وبقي الشك، وله مال كثير يخرج ذلك من ثلثه، فإن الثلث الباقي من ذلك جائز في الوصية.
قال أبو بكر: ثم نقضوا ذلك فقالوا: لو أوصى له بثلث ثلاثة آدر، أو ثلاثة من الرقيق، أو ثلاثة من الدواب مختلفة أجناسها، فهلك اثنان وبقي واحد، وهذا الواحد يخرج من ثلثه، فإنه لا يكون له إلا ثلث هذا الواحد من قبل أن هذا لا يقسم، والأول يقسم.
قال أبو بكر: وليس بين هذِه والأولى فرق.
وفي (كتاب الاستبراء) تحت باب (ذكر استبراء العذراء):
قال أبو بكر: مسألة: واختلفوا في الرجل يشتري الجارية من الرجل فلم يقبضها المشتري حتى تناقضا البيع، وذلك بعد أن صح البيع بينهما.
قال أصحاب الرأي: القياس أن تستبرأ، ولكنا ندع القياس، ونأخذ
[ ١ / ٩٢ ]
الاستحسان.
فقال أبو بكر: وهذا إقرار منهم بأنهم تركوا الحق، وأجابوا بغيره، وهو الباطل؛ لأن الباطل ضد الحق.
وفي (جماع أبواب السهو) تحت باب (ذكر المصلي يصلي خمس ركعات ساهيًا ..):
قال أبو بكر: هم يظهرون اتباع أخبار ابن مسعود، وهذا الإسناد من جياد أسانيد أهل الكوفة، وقد خالفوه، وخالفوا علقمة، والنخعي، وخالفوا خبر أبي سعيد الخدري، لأن في حديث أبي سعيد: "ألق الشك، وابن علي اليقين، فإذا استيقنت التمام فاسجد سجدتين"، وفي حديث ابن عباس: فإن كانت الركعة التي صلى خامسة شفعتها بهاتين، وإن كانت رابعة فالسجدتين تركيم للشيطان، فهذِه الأخبار متفقة كلها، وقول أصحاب الرأي خلافها، وليس معهم لقولهم حجة.
وفي (جماع أبواب الكلام المباح في الصلاة ..) باب (ذكر المصلي يسلم عليه):
قال أبو بكر: وقد روينا عن النخعي قولا رابعا: وهو أن يرد في نفسه.
وقال النعمان: لا يرد السلام، ولا أحب أن يشير. فاستحب خلاف ما سنه رسول الله ﷺ لأمته؛ لأن النبي ﷺ من للمصلي أن يرد السلام بإشارة، وقد سن النبي ﷺ الإشارة في الصلاة في غير موضع، من ذلك إشارته إلى الذين صلوا خلفه قيامًا أن اجلسوا، وأوما إلى أبي بكر يوم خرج إلى بني عمرو بن عوف أن امضه.
[ ١ / ٩٣ ]