الحمدُ لله الذي بنعمتِهِ تتمُّ الصالحاتِ، وصلاةً وسلامًا على رسولِهِ محمدٍ ﷺ، الذي ببعثتِهِ أضاءَ العالمُ وقد عاشَ في غياهب الظلماتِ،
وبعد
فهذه هي الطبعة الثانية لهذا الكتابِ المبارك "الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف" لمؤلفه الإمام محمَّد بن إبراهيم بن المنذر، وقد لاقت الطبعة الأولى بحمد الله قبولًا كبيرًا؛ إذ كانت الحاجةُ ماسةً إلى هذا السِّفْرِ النفيسِ، فالمطلع على هذا الكتابِ يرى غزارةَ المادةِ مع سهولةِ العَرْضِ وعُمقِ الفكرةِ، والسَّيْرِ مع الدليلِ، فلا يتعصبُ لمذهبٍ، ولا يتقيدُ لقولِ عالمٍ، وإنما يسيرُ حيثما وجهه الدليل، وهذا والله لهو المسلكُ السديد، والمشربُ الحميد، والمنهجُ السلفيُّ الرشيد.
وقد حاولنا قدر استطاعتنا خروجَ هذا العمل سالمًا مِنَ الزلل، إلا أن العملَ البشري لابد أنْ يصيبه بعضُ الخلل، فمن ذلك سقوط ملزمتين من الكتاب من المجلد السادس، وهذا مِنْ أخطاءِ الطابع، فلم نعلمْ هذا إلا بعد وصولِ الكتابِ إلينا في صورتِهِ الأخيرة وقد اسْتدركنا ذلك، وتمت طباعة الملزمتين مُستقلتين وتوزيعهما على دور النشر وكذا على مواقع الشبكة العنكبوتية .
كذلك لاحظنا القليل مِنَ الأخطاءِ المطبعية، وعلاماتِ الترقيم، وهي قليلة بحمد الله واسْتدركت.
وبعد خروج الكتاب هاتفني بعضُ الفضلاء من العلماء والطلاب قائلين: لو حققتَ أحاديث الكتاب وآثاره وحكمتَ على كلِّ إسنادٍ بما يستحق.
_________________
(١) (تعليق الشاملة): وقد تم إصلاح ذلك في هذه النسخة الإلكترونية أيضا، والحمد لله تعالى
[ ١ / ٧ ]
فقلت لهم: لم يكن قصدنا في الكتاب تصنيف كتاب عليه؛ وإنما الغرض الذي مِنْ أجله انبرينا لهذا المشروع، أنْ يخرجَ الكتابُ كما أراد مؤلفه، وكانت الهمة مُنصبة على ذلك، وهذا هو معنى التحقيق عند العلماء.
كما قال المحقق عبد السلام هارون في كتابه "تحقيق النصوص": والكتاب المحقق هو الذي صح عنوانه واسم مؤلفه، ونسبة الكتاب إليه، وكان متنه أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه.
وعلى ذلك فإن الجهود التي تبذل في كل مخطوط يجب أن تتناول البحث في الزوايا التالية:
١ - تحقيق عنوان الكتاب.
٢ - تحقيق اسم المؤلف.
٣ - تحقيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه.
٤ - تحقيق متن الكتاب حتى يظهر بقدر الإمكان مقاربًا لنص مؤلفه.!؟.
وقد عمدنا في عملنا إلى تحقيق هذا المطلب، ووالله إن معالجة النص أعظم وأشد من التحشية عليه بالشرح والتعليق والترجمة للأعلام بما لا يفيد في التحقيق.
فالأصل أن يعيش القارئ مع المؤلف ليحيا مع النص ولا ينصرف إلى الشرح؛ وعلى هذا كانت تعليقاتنا على قدر الحاجة ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، ولو أردنا التحشية والنفخ فما أيسر ذلك، ووالله لقد كنت أعقد أبحاثًا، وعند الكتابة أجمل الأمر في كلمات معدودة، والله وحده يعلم ما في النفوس والضمائر.
وربما يعيب البعض علينا وجود كلمات في أصل الكتاب لم تتبين لنا، وضعناها بين معقوفتين.
[ ١ / ٨ ]
فأقول لابد من التماس المعاذير، فالنسخة التي اعتمدنا عليها فريدة لا ثاني لها، إلا قطعًا صغيرة في بعض أجزاء الكتاب، ومع انفراد هذه النسخة فهي مليئة بالأعطاب والطمس والسواد الشديد الذي يغطي بقعة كاملة منها، فماذا عسانا أن نصنع وهذا هو الأصل الوحيد لدينا، فتممنا ما قدرنا عليه من المراجع، ولم نتصرف في الأصل إلا بعد التحقق والبيان والتأكد بالبرهان، وقد أحسن أبو عمرو الجاحظ عندما قال: (ولربَّما أراد مؤلِّف الكتاب أن يصلِح تصحيفًا أو كلمةً ساقطة فيكون إنشاء عشرِ ورقاتِ من حرِّ اللفظ وشريفِ المعاني أيسَرَ عليه من إتمام ذلك النقص حتى يردَّه إلى موضعه من اتِّصال الكلام، فكيف يُطيق ذلك المعرض المستأجَر والحكيمُ نفسهُ قد أعجزه هذا الباب؟! وأعجب من ذلك أنَّه يأخذ بأمرَين: قد أصلحَ الفاسدَ وزاد الصالحَ صَلاحًا ثمَّ يصير هذا الكتاب بعد ذلك نسخةً لإنسان آخَرَ فيسير فيه الورَّاقُ الثاني سيرَةَ الوَرَّاقَ الأوَّل، ولا يزال الكتابُ تتداوله الأيدي الجانية والأعْرَاض المفسِدة حتَّى يصير غَلَطًا صِرفًا وكذِبًا مصَمتًا؛ فما ظنُّكم بكتابٍ يتعاقبه المترجمون بالإفساد، ويتعاوره الخُطَّاط بشرٍّ من ذلك أو بمثله كتابٍ متقادِم الميلاد دُهْرِيّ الصنعة). "الحيوان" (١/ ٧٩).