قال الذهبي في "الميزان": ونُسِبَ إلى العقيلي أنه كان يحمل عليه وينسبه إلى الكذب، وكان يروي عن الربيع بن سليمان عن الشافعي، ولم ير الربيع ولا سمع منه.
قلت: وهنا تعقبات عدة.
الأول: أن نسبة القول إلى العقيلي فيها نظر، وقد صدَّر الذهبي القول بالتمريض فقال: "نُسِبَ" فإن كان العقيلي كذبه فلماذا لم يذكره في كتابه "الضعفاء"؟!!.
وعلى التسليم بصحة النسبة إليه فالقول مردود لما يأتي في:
التعقب الثاني: أن العقيلي معلوم بتعنته في التجريح ويكفي في هذا المقام أن أذكر كلام الذهبي في "ميزانه" عندما غمز العقيليُّ - إمامَ العلل - عليَّ بنَ المديني، ووضعه في كتابه "الضعفاء" قال الذهبي (٣/ ١٤٠): أفما لك عقل يا عقيلي؟! أتدري فيمن تتكلم؟! وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم ولنزيف ما قيل فيهم؛ كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات بل وأوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك.
فهذا مما لا يرتاب فيه محدِّث .. إلى أن قال: فزن الأشياء بالعدل والورع.
وقد قسم الذهبي في رسالته (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل أن المتكلمين ثلاثة أقسام.
قسم منهم متعنت في الجرح متثبت في التعديل يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث فهذا إذا وثق شخصًا فعض على قوله بنواجذك وتمسك بتوثيقه،
[ ١ / ٩٦ ]
وإذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؛ فإن وافقه ولم يوثق ذلك الرجل أحد من الحذاق فهو ضعيف. وإن وثقه أحدٌ فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل فيه الجرح إلا مفسرًا (^١).
ولهذا لم يقبل أهل العلم طعن العقيلي لأسباب منها ما تقدم ومنها؛ لأنه كان قرينًا لابن المنذر فخرج القول منه مخرج القرين من قرينه، وقد وقع هذا مع جماعة من الأئمة ولم يُعتبر بقول بعضهم في بعض ككلام مالك في ابن إسحاق، والشافعي في محمد بن الحسن، وأحمد بن صالح والنسائي، والبخاري ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهم كثير.
قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/ ١٩٣):
من صحت عدالته وثبتت في العلم إمامته وبانت ثقته وبالعلم عنايته؛ لم يلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جَرْحته ببيِّنة عادلة يصح بها جرحته على طريق الشهادت والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب تصديقه فيما قاله لبراءته من الغل والحسد والعداوة والمنافسة، وسلامته من ذلك كله فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه والنظر، وأما من لم تثبت إمامته ولا عرفت عدالته ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته؛ فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه، والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماما في الدين قول أحد من الطاعنين:
أن السلف ﵃ قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير منه في حال الغضب، ومنه ما حمل عليه الحسد، كما قال ابن عباس ومالك بن
_________________
(١) وانظر أيضًا "الرفع والتكميل" (٢٨٣).
[ ١ / ٩٧ ]
دينار وأبو حازم، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم المقول فيه ما قال القائل فيه.
وقال الذهبي في "السير" (١١/ ٤٣٢): بكل حال كلام الأقران بعضهم في بعض يحتمل، وطيه أولى من بثه إلا أن يتفق المعاصرون على جَرح شيخ فيعتمد قولهم.
قلت:
وقد اتفق النقاد على إمامة ابن المنذر وعلو شأنه، فبان بهذا معنى قول العقيلي فلا عبرة به. ولذا لم يعبأ الذهبي بهذا الطعن فقال في "الميزان": وأما العقيلي فكلامه من قبيل كلام الأقران بعضهم في بعض مع أنه لم يذكر في كتاب الضعفاء.
وقال أبو الحسن القطان: لا يلتفت إلى كلام العقيلي فيه.
وأما التعقيب الثالث:
ففي دعواه أنه لم ير الربيع ولم يسمع منه، فأنا آتيك بما يرد قوله.
أولًا: ثبت تعاصر ابن المنذر للربيع فقد تقدم أن مولد ابن المنذر في عام (٢٤١) هجرية وولد الربيع (١٧٤) هجرية وتوفي سنة (٢٧٠).
ثانيًا: ثبت لقاء ابن المنذر وسماعه من الربيع، وهذِه أدلتي:
أ - صرح ابن المنذر بسماعه من الربيع في كتابه مئات المرات، وهذِه أمثلة:
٦٤٠٥ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد: أن صالح بن كيسان حدثه، عن عقبة بن عامر الجهني: أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ألا إن القوة الرمي - ثلاثا - وإن الأرض ستفتح عليكم، وتكفون المونة، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه".
[ ١ / ٩٨ ]
٦٤٥٩ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا بشر بن بكر، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني الزهري، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من وال إلا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا، فمن وُقِيَ شرهما فقد وُقِيَ، وهو من التي تغلب عليه منهما".
٦٦٦٤ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة أن رجلًا من أهل البادية أتى النبي ﷺ فقال: إن أمرأتي ولدت غلامًا أَسْودَ فقال له النبي ﷺ: "هل لك من إبل؟ " قال نعم: قال: "ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: "أنى ترى ذلك؟ " قال: عرق نزعه، فقال النبي ﷺ: "فلعل هذا عرق نزعه".
٦٦٩٥ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا حجاج - يعني ابن إبراهيم الأزرق - قال: حدثنا عيسى، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن مكحول وعطية بن قيس، أن عمر بن الخطاب ضرب شاهد الزور أربعين سوطًا، وسخم وجهه، وطاف به في أسواق المدينة.
٦٧١٧ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يضع لحسان بن ثابت منبرًا في مسجد رسول الله ﷺ فينشد عليه قائمًا ينافح عن رسول الله ﷺ فيقول رسول الله: "إن الله يؤيد حسان بن ثابت بروح القدس ما نافح عن رسوله".
[ ١ / ٩٩ ]
٧١٣١ - حدثنا الربيع قال: حدثنا الشافعي ﵀ قال: حدثنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة ابنة قيس أن زوجها طلقها فبتها، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال: "إذا حللت فآذنيني"، فلما [حللت] أخبرته أن أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال رسول الله ﷺ: "أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، انكحي أسامة". قال: فكرهت. فقال: "انكحي أسامة"، فنكحته فجعل الله فيه خيرًا واغتبطت به".
٧٢٣٢ - حدثنا الربيع بن سليمان قال: حدثنا ابن وهب، عن أسامة [أن] صفوان بن سلم حدثه، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: "من يمن المرأة أن تيسر خطبتها، وأن ييسر صداقها، وأن تيسر رحمها". قال عروة: وأنا أقول من عندي: أول شؤمها أن يكثر صداقها.
٧٦٥٤ - حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن سعيد، حدثنا عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه، عن جده أن ركانة طلق امرأته البتة .. الحديث.
٧٦٥٩ - حدثنا الربيع، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، حدثني عبد الرحمن بن سليمان، عن حمزة بن أبي أسيد، عن أبيه، وعن عباس بن سهل، عن أبيه قالا: دخل رسول الله ﷺ نخل بني ساعدة وفيه امرأة من كندة يقال لها: أميمة ابنة النعمان بن شراحيل في بيته، .. الحديث.
٧٧٠٨ - حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أيوب بن سويد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله
[ ١ / ١٠٠ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: "لا طلاق قبل نكاح".
٧٨١٧ - حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا حجاج الأزرق، قال: حدثنا عبيد اللّه، عن عبد الكريم، عن قيس بن حبتر، عن ابن عباس "أنه لم يكن يرى بثمن السنور بأسًا.
٧٨٨٥ - حدثنا الربيع بن سليمان، وسليمان بن شعيب قالا: حدثنا بشر بن بكر قال: أخبرني الأوزاعي: عن ابن شهاب، عن سالم ابن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر، عن زيد بن ثابت: "أن النبي ﷺ رخص في بيع العرايا بالتمر، والرطب، ولم يرخص في غير ذلك.
٨١٩٩ - حدثنا الربيع بن سليمان قال: حدثنا ابن وهب قال: أخبرني مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللّه، إن قتلت في سبيل اللّه صابرًا محتسبًا، مقبلًا غير مدبر .. الحديث.
٨٢٨٩ - حدثنا الربيع بن سليمان، وسليمان بن شعيب قالا: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا معاوية بن صالح، قال: سمعت عبد الرحمن بن جبير بن نفير، يحدث عن أبيه، عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم. قال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
٨٦٩٣ - حدثنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم "أنه وجد منبوذًا في زمان عمر بن الخطاب فجاء به إلى عمر بن الخطاب، فقال: ما حملك على أخذ هذِه النسمة قال: وجدتها ضائعة، فأخذتها. فقال عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. قال كذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: اذهب فهو حر ولك ولاؤه، وعلينا نفقته.
[ ١ / ١٠١ ]
وانظر كذلك الأحاديث أرقام: ٨٨١٥، ٩٦٥٩، ٩٢٠٦، ٩٢٥٨، ٩٣٩١.
ب - ذكر ابن المنذر في كتابه أنه سمع منه بمصر فقال في كتاب (المكاتب - باب ذكر بيع المكاتب): .. ثم قال بمصر - أي الشافعي - فيما أخبرنيه الربيع عنه.
وقال في كتاب الطهارة تحت باب (ذكر الوجه الثالث الذي أجمع أهل العلم على وجوب الطهارة منه، وهو الملامسة ..)
.. ولم أجد هذِه المسألة في كتبه المصرية التي قرأناها على الربيع ..).
وقد قال الذهبي في "السير" (١٤/ ٤٩١): أخذ عن أصحاب الإمام الشافعي.
ج - يستحيل على مثل هذا الإمام أن يصرح بالسماع ممن لم يسمع منه، ولو أوردنا ذلك للزمنا - تكذيبه، وهذا باطل لإطباق الجمهور على تزكيته، يؤكد هذا أنه أورد بعض الأحاديث عن بعض من لم يسمع منهم فلم يقل في واحد منها حدثنا وإنما استعمل لفظًا يدل على عدم سماعه منه، فانظر رعاك الله إلى لفظ التحمل الذي استعمله معهم في هذِه الأمثلة:
في كتاب (الوديعة - باب ذكر التعدي في الوديعة والعمل بها) قال: حُدِّثنا عن إسحاق بن راهويه.
وفي كتاب (الجزية - باب ذكر الأخبار الدالة على صحة القول الأول)
وحدَّثونا عن محمد بن المصفى ..
وفي كتاب (الطلاق - باب ذكر الوقت الذي يجوز فيه نفي الولد) قال: وحدَّثونا عن يحيى بن يحيى …
[ ١ / ١٠٢ ]
وفي كتاب (الوتر - باب نقض الوتر).
قال: حدثونا عن الدارمي.
إلى غير ذلك من الأمثلة، وهي كثيرة تدل على تحري المُصَنِّف اللفظ الصواب في تحمله الحديث عن شيخه.
وتدبر دقته في لفظ التحمل الآتي وتفريقه بين السماع والمكاتبة.
قال في كتاب (النكاح - باب نكاح نساء المجوس): كتب إليَّ محمد بن نصر ..
وأيضًا في كتاب النكاح - باب ذكر نكاح نساء أهل الكتاب) قال: ومن حديث إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا علي بن الحسين وساقه.
د - أثبت ابن قاضي شهبة في "طبقاته" (١/ ٨) سماعه من الربيع فقال: سمع محمد بن عبد الحكم والربيع بن سليمان.
والوجه الأخير في رد هذا الطعن ما قاله الحافظ في "اللسان" (٦/ ١٠٦): وروايته عن الربيع عن الشافعي يحتمل أن تكون بطريق الإجازة، وغاية ما فيه أنه تساهل في ذلك بإطلاق (أنا).
قلت: والوجه هو ما تقدم فالنافي لم يأت بما يعضض قوله، والله أعلم.
ثانيًا: مناقشة طعن مسلمة بن قاسم الأندلسي:
قال كما نقل ذلك الذهبي عنه في "الميزان": كان لا يحسن الحديث.
ونقل الحافظ قوله بتمامه في "اللسان" (٦/ ١٠٦) فقال:
كان فقيهًا جليلًا كثير التصنيف، وكان يحتج في كتبه بالضعيف على الصحيح وبالمرسل على المسند. ونسب في كتبه إلى مالك والشافعي وأبي حنيفة - رحمهم الله تعالى - أشياء لم توجد في كتبهم، وألف كتابًا في "تشريف الفقير على الغني"، وكنت كتبت عنه، فلما ضعفه العقيلي
[ ١ / ١٠٣ ]
ضربت على حديثه، ولم أحدث عنه بشيء.
وأقول: شرط في الجارح أن يكون عدلًا فإن كان متهمًا في دينه أو بضعف في نفسه أو عداوة فإن قوله مردود.
قال الحافظ في مقدمة "اللسان" (١/ ٩٥):
وممن ينبغي أن يتوقف في قبول قوله في الجرح من كان بينه وبين من جَرَحَه عداوة سببها الاختلاف في الاعتقاد فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب؛ وذلك لشدة انحرافه في النصب وشهرة أهلها بالتشيع فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذلقة وعبارة طلقة حتى أنه أخذ يلين مثل: الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله أو أكبر منه فوثق رجلًا ضعفه؛ قبل التوثيق ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خِرَاش المحدث الحافظ فإنه من غلاة الشيعة بل نسب إلى الرفض فسيأتي في جرحه لأهل الشام للعداوة البينة في الاعتقاد، ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب فكثيرًا ما يقع بين العصريين الاختلاف والتباين لهذا وغيره فكل هذا ينبغي أن يتأنى فيه ويتأمل، وما أحسن ما قال الإمام أبو الفتح القشيري: أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان الحكام والمحدثون هذا أو معناه. ا هـ.
وهذِه القاعدة تتنزل على مسلمة بن القاسم؛ فإنه ضعيف ونسب إلى البدعة.
قال الذهبي في "الميزان" (٤/ ١١٢): ضعيف، وقيل: كان من المشبهة.
وقال الحافظ في "اللسان" (٧/ ٩٥): هذا رجل كبير القدر ما نسبه
[ ١ / ١٠٤ ]
إلى التشبيه إلا من عاداه. قال أبو جعفر المالقي، في "تاريخه": فيه نظر.
وكان قوم بالأندلس يتحاملون عليه، وربما كذبوه.
قلت: وأهل البلد أدرى ببلديِّهم.
وسئل القاضي محمد بن أحمد بن يحيى بن مفرج عنه فقال: لم يكن كذَّابًا ولكن كان ضعيف العقل.
قلت: فكان ماذا؟!! ونفي الكذب لا يعني العدالة بل هو أقرب إلى الضعف.
وقال عبد الله بن يوسف الأزدي؛ يعني ابن الفرضي: كان مسلمة صاحب رقى ونيرنجات (^١). وحفظ عليه كلام سوء في التشبيهات.
وجه آخر: لو سلمنا بعدالة مسلمة وصحة اعتقاده.
فإن ما قاله يؤكد ضعف عقله وعدم اطلاعه بدقة على ما كتبه ابن المنذر.
فمن العجب أن يقول: كان لا يحسن الحديث .. وبينما نرى النووي يقول: له من التحقيق في كتبه ما لا يقاربه أحد، وهو في نهاية من التمكن في معرفة صحيح الحديث وضعيفه وله عادات جميلة في كتابه "الإشراف" أنه إن كان في المسألة حديث صحيح قال: ثبت عن النبي ﷺ كذا أو صح عنه كذا، وإِن كان فيها حديث ضعيف قال: رُوِّينا أو يروى عن النبي ﷺ كذا، وهذا الأدب الذي سلكه هو طريق حذاق المحدثين، وقد أهمله أكثر الفقهاء، وغيرهم من أصحاب باقي العلوم.
ثم له من التحقيق ما لا يدانا فيه، وهو اعتماده ما دلت عليه السنة الصحيحة عمومًا أو خصوصًا بلا معارض فيذكر مذاهب العلماء، ثم
_________________
(١) النيرنج: أخذ السحر. وانظر: "المعجم الوسيط".
[ ١ / ١٠٥ ]
يقول في أحد المذاهب: وبهذا أقول ولا يقول ذلك إلا فيما كانت صفته كما ذكرته، وقد يذكر دليله في بعض المواضع ولا يلتزم التقييد في الاختيار بمذهب أحد بعينه ولا يتعصب لأحد، ولا على أحد على عادة أهل الخلاف، بل يدور مع ظهور الدليل ودلالة السنة الصحيحة، ويقول بها مع من كانت.
ثم ذكر كلام أبي إسحاق الشيرازي: احتاج إلى كتبه الموافق والمخالف (^١).
فانظر رعاك الله إلى البون الكبير بين القولين فبالضد تتميز الأشياء.
ثم إن كتب ابن المنذر بين أيدينا يسوق الحديث والأثر بإسناده بدقة لا تقل عن دقة مشايخه وهم في طبقة البخاري ومسلم وغيرهما.
وهذِه أحكامه على المرويات يتناقلها أهل العلم في مدوناتهم ويعتمدون عليها، وهذِه نقولاته الفقهية، وقد خَرَّجنا كل ما نقله فرأيناه من أعمق من نقل الخلاف.
فبان بهذا ثقة هذا الإمام الهمام وبطل قول من طعن فيه بغير برهان، وسيأتي بيان ذلك جليًّا في مباحث منهج المُصَنف في الحديث والفقه. ولهذا كله لم يعتبر الذهبي بقول مسلمة فقال: ولا عبرة بقول مسلمة.
فبطل بما قدمناه نقد العقيلي ومسلمة في دعواهما ضعفه والله المستعان.
_________________
(١) "تهذيب الأسماء" (٣/ ٧٢).
[ ١ / ١٠٦ ]