اختلف أهل العلم في ترك ذكر المكان الذي يقبض فيه الطعام في السلم.
فقالت طائفة: السلم فاسد. كذلك قال الثوري، وقال الأوزاعي: ذلك مكروه، وقال أصحاب الرأي (^٢) كقول الثوري (^٣)، لأنهم في أول كتاب محمد بن الحسن وصفوا ما يتم به السلم، قالوا: واشتراط المكان الذي يوفيه فيه، فإن ترك شيئا من هذا لم يتشرطه فالسلم فاسد.
وقالت طائفة: السلم جائز، ويوفيه حيث وقع المال، واحتجوا بحديث أبي المنهال عن ابن عباس. هذا قول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية (^٣)، وطائفة من أهل الحديث.
٨٠٩٤ - حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار في
_________________
(١) "الإجماع" لابن المنذر (٤٩٥)، "والإقناع في مسائل الإجماع" (٣٥٦٥).
(٢) "المبسوط" للسرخسي (١٢/ ١٤٦ - كتاب البيوع)، و"الجامع الصغير" (١/ ٣٢٣ - باب السلم).
(٣) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٦٩٠).
[ ١٠ / ٢٧٥ ]
سنتين وثلاث، فقال رسول الله ﷺ: "أسلفوا في الثمار في كيل معلوم إلى أجل معلوم" (^١).
قالت هذه الفرقة: ففي تركه ذكر المكان الذي يقبض فيه الطعام دليل على أن ذلك لا يضره، ولا يفسد به السلم، إذ لو كان بتركه يفسد السلم لعلمهم ذلك.
واختلف قول الشافعي في هذا الباب، فقال في كتاب البيوع (^٢): وأحب أن يشترط الموضع الذي يقبضه فيه واستحب ذلك، ولم يوجبه. وقال في كتاب البيوع في باب السلف في الحنطة (^٣): ويصف الموضع الذي يقبضها فيه، والأجل الذي يقبضها إليه، فإن ترك من هذا شيئا لم يجز.
قال أبو بكر: لا يفسد السلم بترك ذكر المكان الذي يقبض فيه الطعام، استدلالا بحديث ابن عباس، ويقبضه في الموضع الذي قبض فيه الثمن.
قال أبو بكر: وخبر ابن عباس يدل على معاني منها: أن السلم لا يجوز [في] (^٤) الشيء الموزون إلا بوزن معلوم، ولا يجوز في الشيء المكيل إلا بكيل معلوم.
ومنها: أن السلم جائز وزنا في الشيء الذي أصله الكيل، لأنه جمع الأشياء فقال: "بكيل معلوم أو وزن معلوم".
_________________
(١) تقدم في أول الباب.
(٢) "الأم" (٣/ ١١٧ - باب ما يجوز من السلم).
(٣) "الأم" (٣/ ١٢٥ - باب السلف في الحنطة).
(٤) في "الأصل": و. وهو تصحيف، والمثبت مقتضى السياق.
[ ١٠ / ٢٧٦ ]
ومنها: إجازة السلم في التمر - وإن لم يكن ذلك الوقت تمر موجود - إذا وجد وقت محل السلم.
ومنها: إبطال السلم إلى الآجال المجهولة، وذلك مثل أن يقول: إلى الحصاد، أو الدراس، أو عيد النصارى، أو قدوم الحاج، أو قدوم الغزاة، وما أشبه قوله، لأنه لما قال: إلى أجل معلوم دل ذلك على أن السلم إلى الأجل المجهول غير جائز مع قوله - جل ثناؤه: ﴿يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس﴾ (^١).
٨٠٩٥ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسلفون في التمر السنتين والثلاث فقال: "من سلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (^٢).
٨٠٩٦ - وقال ابن علية: عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير بإسناده "كيل معلوم أو وزن معلوم" (^٣).
_________________
(١) البقرة: ١٨٩.
(٢) أخرجه البخاري (٢٢٤٠، ٢٢٤١)، ومسلم (١٦٠٤/ ١٢٧) من طريق سفيان به بلفظه.
(٣) أخرجه البخاري (٢٢٣٩) من طريق إسماعيل، عن ابن أبي نجيح به، ولكن روايته بلفظ "و" بدل "أو"، والدارقطني (٢٧٧٤) من طريق ابن عيينة عن ابن أبي نجيح به بلفظ: "أو".
[ ١٠ / ٢٧٧ ]