اختلف أهل العلم في المتبايعين يختلفان في الثمن، والسلعة قائمة.
فقالت طائفة: القول قول البائع أو يترادان البيع. هذا قول الشعبي، وقال أحمد بن حنبل (^٢): القول قول البائع مع يمينه أو يترادان.
وفيه قول ثان: وهو أنهما يسألان البينة، فأيهما أقام البينة كان له، وإن لم يكن لهما بينة استحلفهما بالله فإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان للذي حلف فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا ترادا البيع.
هذا قول شريح.
وفيه قول ثالث: وهو أن يقال للبائع: احلف بالله ما بعت سلعتك إلا بما قلت، فإن حلف البائع قيل للمشتري: إما أن تأخذ السلعة بما قال البائع وإما أن تحلف ما اشتريتها إلا بما قلت، فإن حلف برئ منها. هذا قول مالك (^٣)، وهو معنى قول الشافعي (^٤).
وفيه قول رابع: وهو أن القول ما قال المشتري مع يمينه، وذلك أنهما قد اتفقا على البيع وزال ملك البائع عن السلعة، وملكها المشتري، وادعى البائع فضلا في الثمن، فالقول قول المشتري مع يمينه، لأن النبي ﷺ قال "البينة على المدعي". فإن أقام البينة أخذ البائع الفضل
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢/ ١٠٨٩ رقم ٧١٥/ ٥٨) من طريق معتمر بن سليمان به وفيه زيادة.
(٢) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٧٠٠).
(٣) "المدونة" (٣/ ٢٢٣ - باب في البيعين بالخيار ما لم يفترقا).
(٤) "الأم" (٦/ ٣٢٤ - باب الدعوى والبينات).
[ ١٠ / ٣٤٨ ]
الذي ادعاه، وإلا فحلف المشتري وبرئ مما ادعاه البائع عليه. هذا قول أبي ثور.
قال أبو بكر: وهو مدع هذا القول، إذا اختلفا في الثمن فقال البائع: بعتك بعشرة الدنانير، وقال المشتري: بل اشتريته بمائة درهم. حفظي عنه أنه قال: يتحالفان ويبطل البيع.
قال أبو بكر: وليس في هذا الباب خبر ثابت يعتمد عليه، ومن أعلى إسناد روي فيه وأحسنه خبر ابن مسعود:
٨١٦٢ - حدثنا محمد بن إسماعيل الصائغ:، قال: حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود أنه باع (رقيقا) (^١) من رقيق الإمارة من الأشعث بن قيس بعشرين ألفا. فقال الأشعث: أنا اشتريته بعشرة آلاف، فقال ابن مسعود: إن شئت حدثتك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ. قال: هات. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا اختلف البيعان والبيع قائم بعينه وليس بينهما بينة، فالقول قول البائع، ويترادان البيع". قال الأشعث: فأنا أرده (^٢).
_________________
(١) تكرر في "الأصل".
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٠٦)، وابن ماجه (٢١٨٦)، والدارقطني في "سننه" (٣/ ٢١)، وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (٥/ ٣٣٣) من طريق هشيم بنحوه، قال البيهقي عقبه: خالف ابن أبي ليلى الجماعة في رواية هذه الحديث في إسناده حيث قال: عن أبيه، وفي متنه حيث زاد فيه، والبيع قائم بعينه … " ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإن كان في الفقه كبيرًا فهو ضعيف في الرواية لسوء حفظه، وكثرة أخطائه في الأسانيد والمتون ومخالفته الحفاظ فيها، والله يغفر لنا وله، وقد تابعه في هذه الرواية عن القاسم الحسن بن عمارة وهو متروك لا يحتج به. =
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
قال أبو بكر:
هذا إسناد يتكلم فيه، وما علمت أحدا قال بظاهره غير الشعبي، والذين قالوا يتحالفان ويتفاسخان غير قائلين بشيء من هذا الحديث، لأن ظاهر هذا الحديث لو صح، لوجب أن يقبل قول البائع إلا أن يحب المشتري أن يدع البيع.
_________________
(١) = قلت: روي حديث ابن مسعود هذا من ست طرق، ولا يخلو طريق منها من ضعف وقد تتبعها ابن الملقن في كتابه "البدر المنير" وفصل القول في كل طريق على حدة، ثم قال: فهذا ما حضرنا من طرق هذا الحديث واختلاف ألفاظه، ثم ذكر طريقين آخرين، وقال في الطريق الثاني وقد بقي للحديث طريق آخر وهو أقوى طرقه .. رواها عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس عن أبيه عن جده … أخرجه الأئمة أبو داود (٣٥٠٥)، والبيهقي (٥/ ٣٣٢)، والنسائي (٤٦٦٢)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٥)، ثم قال: هذا الإسناد … وقال البيهقي في "سننه": إسناده حسن موصول .. وقد روي من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًّا، وقال في "المعرفة" (٤/ ٣٧١): إنه أصح إسناد روي في هذا الباب. وقال ابن عبد البر: .. وهو حديث محفوظ عن ابن مسعود مشهور الأصل عند جماعة العلماء تلقوه بالقبول فبنوا عليه كثيرًا من فروعه .. ثم قال ابن الملقن: وبالجملة وكل طرق هذا الحديث لا تخلو من علة ولقد أحسن إمامنا الشافعي ﵀ فقال على ما نقله البيهقي عن الزعفراني عنه: حديث ابن مسعود منقطع لا أعلم أحدًا وصله عنه، وتعقبه ابن الملقن فقال: قلت: لكن قد وصله علقمة عنه كما قدمناه. قلت: ورجح الدارقطني في "علله" (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٦) الوجه المرسل.
[ ١٠ / ٣٥٠ ]