اختلف أهل العلم في الرجل يشتري من الرجل العبد بألف درهم فيحط البائع عن المشتري بعض الثمن، فقالت طائفة: يبيعه مرابحة على الثمن الذي اشتراه به. كذلك قال أبو ثور. وقال أصحاب الرأي (^٢): يبيعه مرابحة على ما بقي من الثمن. وقال أبو ثور: لا اختلاف بينهم أن البائع الأول إن وهب الثمن كله للمشتري أن له أن يبيعه مرابحة على الثمن الأول، فإذا وهب له كان أحرى أن يكون مثله. والله أعلم.
قال أبو بكر: كما قال أبو ثور أقول.
وفي المسألة قول ثالث: وهو أن كل ما يشبه الوضيعة في قدر ذاك الثمن.
بالوضيعة للمشتري الثاني، والبيع صحيح، وإن كان ذلك لا يشبه الوضيعة في مثل ذلك الثمن مثل أن يكون الثمن عشرين دينارا فيضع
_________________
(١) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٤٤٦).
(٢) "المبسوط" للشيباني (٥/ ١٦٧ - باب المرابحة).
[ ١٠ / ٢٦٦ ]
خمسة عشر دينارا أو عشرة دنانير فليس للمشتري في ذلك كلام، لأن ذلك هبة وعطية. هذا قول عبد الملك الماجشون.
واختلفوا في الرجل يشتري السلعة فيبيعها بربح ثم يرغب فيها فيشتريها ثم يريد بيعها مرابحة، فقالت طائفة: يلغي ربحه الأول. حكي هذا القول عن ابن سيرين، وكأن أحمد أعجبه هذا الجواب (^١). وقال النعمان (^٢): لا يبيعه مرابحة حتى يلغي من الشراء الأخير قدر الربح الأول. وقال أبو ثور، ويعقوب (^٣)، ومحمد، يبيعه مرابحة على الثمن الآخر ولا يطرح من الربح شيئا.
قال أبو بكر: وكذلك أقول.
وقال أبو ثور، وأصحاب الرأي: إذا اشترى السلعة بحنطة، أو شعير، أو بشيء مما يكال أو يوزن موصوفا فلا بأس أن يبيعه مرابحة، وذلك مثل الذهب، والفضة.
قال أبو بكر: وكذلك نقول.
مسألة
واختلفوا في الرجل يشتري من أبيه أو أمه أو من ولده أو مكاتبه أو عبده المأذون له في التجارة متاعا قد قام على البائع بأقل مما اشترى به فأراد أن يبيعه مرابحة، فقالت طائفة: ليس له أن يبيعه. هذا قول أبي ثور، والنعمان (^٤)، وكذلك قال أبو ثور: إذا اشتراه من أجنبي
_________________
(١) قال في "المغني" (٦/ ٢٧٢): وأعجب أحمد قول ابن سيرين.
(٢) "المبسوط" للشيباني (٥/ ١٦٠ - ١٦١ - باب المرابحة).
(٣) انظر التعليق السابق.
(٤) "المبسوط" للشيباني (٥/ ١٦٨ - ١٦٩ - باب المرابحة).
[ ١٠ / ٢٦٧ ]
وزاد في ثمنه ما لا يتغابن الناس في مثله فليس له أن يبيعه مرابحة في قول النعمان (^١)، وفي قول النعمان: إذا اشتراه من أخيه أو من عمه أو من أجنبي فله أن يبيعه مرابحة، فإذا اشترى من امرأته فليس له أن يبيعه مرابحة.
وقال أبو يوسف: أما أنا فأرى يبيع من كل من اشترى من هؤلاء مرابحة ما خلا عبده أو مكاتبه. وهو قول محمد.
قال أبو بكر: هذا القول أقيس وأصح.
مسألة
اختلف أهل العلم في الرجل يبيع السلعة التي اشتراها بعشرة بوضيعة ده يا زده (^٢)، فكان أبو ثور يقول: يطرح من العشرة واحد.
وقال أصحاب الرأي (^٣): يكون الثمن تسعة دراهم وجزءا من [أحد] (^٤) عشر جزءا من الدرهم. وحكى ابن القاسم مذهب مالك (^٥) في هذه المسألة: أن البيع جائز، ويقسم الثمن على [أحد] (^٤) عشر جزءا، فما أصاب جزءا من [أحد] (^٤) عشر جزءا من العدد طرح ذلك من العشرة دراهم عن المبتاع.
_________________
(١) "المبسوط" للشيباني (٥/ ١٦٨ - ١٦٩ - باب المرابحة).
(٢) قال في "دقائق المنهاج" (١/ ٦٠): "ده يا زده" أي عشرة بأحد عشر، وهي عجمية، بفتح الدالين المهملتين وإسكان الزاي". اهـ. وانظر: "المبسوط" للشيباني (٥/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٣) "المبسوط" للشيباني (٥/ ١٧٤ - باب المرابحة).
(٤) في "الأصل": إحدى. والجادة ما أثبتنا.
(٥) "المدونة الكبرى" (٣/ ٢٣٩ - باب في المرابحة).
[ ١٠ / ٢٦٨ ]
مسألة
واختلفوا في رجل اشترى خادما، أو ثوبا، أو طعاما، أو دابة فأصاب الخادم بلاء فذهب بصره منه أو لزمه عيب، أو أصاب الدابة أو الثوب عيب، فقالت طائفة: لا يبيعه مرابحة حتى يبين ما أصابه عنده، فإن لم يفعل فالمشتري بالخيار إن شاء رده، وإن شاء أخذه.
هذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي (^١).
وقال النعمان في "الجامع الصغير" (^٢) في الجارية تعور كذلك يبيعها مرابحة ولا يبين، فإن هو فقأ عينها أو فقأها أجنبي، فأخذ كذلك [أرشها] (^٣) لم يبع مرابحة حتى يبين، وكان مالك يقول: إذا لبس الثوب وركب الدابة. فلا ينبغي له أن يبيعه مرابحة حتى يبين ذلك، فإن لم يبين ذلك كان عيبا يرد به. وكان سفيان الثوري يقول في العبد يشتريه فيصيبه عنده داء أو عور أو عمى: لا بأس أن يبيعه مرابحة.
مسألة
كان سفيان الثوري يقول في الرجل يشتري السلعة بمائة فيستغليها فيخبر بأن شراءها تسعون: البيع جائز وقد أساء حين كذب. وكذلك قال أحمد. وقال إسحاق (^٤): ليس هذا بالكذب إذا كانت إرادته أنها قد كانت عليه بتسعين. والله أعلم بالصواب. ويتلوه باب السلم.
_________________
(١) انظر: "المبسوط" للشيباني (٥/ ١٥٥ - باب المرابحة)، وليس فيه حتى يبين ما أصابه عنده.
(٢) ذكره في "الجامع الصغير" (ص ٣٤٧ - ٣٤٨ - باب في المرابحة والتولية).
(٣) كأنها في "الأصل": إن شاء. والمثبت من "الجامع الصغير".
(٤) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٧٩٨).
[ ١٠ / ٢٦٩ ]
كتاب السلم