اختلف أهل العلم في الرجل يشتري الطعام فيوليه آخر أو يشركه فيه قبل القبض.
فقالت طائفة: التولية والشركة بيع، ولا يجوز بيع الطعام حتى يقبضه المشتري، كذلك قال سفيان الثوري، وعبيد الله بن الحسن، والشافعي (^٤)، وأحمد، وإسحاق (^٥)، وأبو ثور، والنعمان (^٦). وممن رأى أن التولية بيع: الحسن، ومحمد بن سيرين، وعطاء، والحكم بن عتيبة، والزهري.
_________________
(١) = و"كشاف القناع" (٣/ ١٧٦): الثمن. والموافق للسياق هنا هو (الثمن).
(٢) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٨٠٩).
(٣) "الأم" (٣/ ١٣٠ - باب السلف في الزيت).
(٤) الصبرة: ما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض. "اللسان" مادة (صبر).
(٥) "الأم" (٣/ ٩٤ - باب السنة في الخيار).
(٦) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٤٧٠، ٢٤٧٣).
(٧) "المبسوط" للسرخسي (١١/ ١٨٥ - كتاب الشركة).
[ ١٠ / ٣٧٩ ]
وقالت طائفة: لا بأس بالشركة والإقالة والتولية في الطعام وغيره، وإنما أنزلوه على وجه المعروف ولم ينزلوه على وجه البيع. كذلك قال مالك (^١)، وكان الشافعي، وأحمد (^٢)، وإسحاق، والنعمان (^٣) يجيزون الإقالة في الطعام، لأنه فسخ بيع.
قال أبو بكر: أما التولية والشركة فليس يخلو ذلك من أحد معنيين:
إما أن يكون ببيع أو هبة، فلما أجمعوا أن ذلك ليس بهبة ثبت أنه بيع، وإذا كان بيعا لم يجز بيع الطعام قبل أن يقبض لنهي رسول الله ﷺ عنه، وأما الإقالة ففي إجماعهم على أن النبي ﵇ نهى عن بيع الطعام قبل أن يقبض مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم إليه ويفاسخه جميع السلم دليل على أن الإقالة ليس ببيع، إذ لو كان بيعا لم يجز أن يجمع الجميع على خلاف سنة ثابتة.
واختلفوا في الإقالة على أن يعطيه المشتري شيئا. فكرهت طائفة ذلك. وممن كره ذلك الشافعي (^٤)، وكذلك قال أحمد (^٥)، وإسحاق، إلا أن يكون تغيرت السلعة. وكره ذلك ابن عباس، وابن عمر.
٨١٧٧ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا أبو شهاب، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كره أن يبتاع البيع ثم يرده ويرد معه درهم (^٦).
_________________
(١) "المدونة" (٣/ ١٢٩ - ما جاء في التولية).
(٢) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٤٧٢).
(٣) "المبسوط" للسرخسي (١٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣ - كتاب البيوع).
(٤) "الأم" (٣/ ٤٦ - ٤٧ - باب في بيع العروض).
(٥) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٨١٣).
(٦) أخرجه البيهقي (٦/ ٢٧) من طريق سعيد به بلفظه.
[ ١٠ / ٣٨٠ ]
٨١٧٨ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يكره أن يبيع الرجل الثوب ويقول لصاحبه: إن كرهته فرد معه درهما، وقال: هذا مما قال الله: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالبطل﴾ (^١) (^٢).
٨١٧٩ - وحدثنا محمد، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو إسحاق الكوفي، عن أبي جرير الأزدي، عن ابن عمر أنه باع ناقة من رجل فقدم المشتري فطلب إلى ابن عمر أن يقبل ناقته وخمسين درهما فقبل ابن عمر ناقته ورد عليه الخمسين (^٣).
ورخصت طائفة في ذلك. وممن رخص فيه: شريح، وابن سيرين، والأوزاعي، والزهري. وقال مالك (^٤) في الرجل يبتاع العبد أو الأمة بمائة دينار إلى أجل ثم يقدم البائع فسأل المبتاع أن يقيله بعشرة دنانير يدفعها إليه، أو إلى أجل مسمى، ويمحو عنه المائة التي عليه. قال مالك: لا بأس بذلك، وإن تقدم المبتاع فسأل البائع أن يقيله في الجارية أو في العبد ويزيده عشرة دنانير نقدا، أو إلى أجل أبعد من
_________________
(١) البقرة: ١٨٨.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٢١) عن حجاج الأنماطي عن داود به، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٤٨٩) إلى ابن جرير أيضًا. قلت: وهو عنده (٢/ ١٩٠) تحت تفسير قوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ من طريق داود عن عكرمة ولم يذكر فيه ابن عباس.
(٣) وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٦/ ١١١) أثرًا آخر عن ابن عمر وفيه الرخصة في الرد بزيادة ولفظه (.. في رجل اشترى بعيرًا فأراد أن يرده ويرد معه درهمًا فقال: لا بأس به).
(٤) "الموطأ" (٢/ ٤٧٦ - باب ما جاء في بيع العربان).
[ ١٠ / ٣٨١ ]
الأجل الذي اشترى إليه العبد أو الجارية، فإن ذلك لا ينبغي، وإنما كره ذلك، لأن البائع كأنه باع مائة دينار إلى سنة قبل أن تحل المائة دينار بجارية وبعشرة دنانير نقدا، أو إلى أجل أبعد من السنة، فدخل في بيع الذهب بالذهب إلى أجل.