اختلف أهل العلم في الرجل يبيع ما يملك وما لا يملك في صفقة واحدة.
فقالت طائفة: البيع باطل. كذلك قال الشافعي (^١)، وأبو ثور، وروي عن الزهري. وقال أبو ثور: لما أجمعوا أن من باع سلعة بالقيمة أن البيع باطل، فلما أبطلوا أن تكون القيمة ثمنا كان البيع في السلعتين إذا رجعتا إلى القيمة باطلا. وحكي عن الكوفي أنه قال (^٢): إذا باع عبدين فكان أحدهما حرا كان البيع باطلا، وإذا كان أحدهما مسروقا أو مغصوبا إلا أنه مملوك كان البيع جائزا ويرد الذي ليس له بالقيمة. وكذلك حكي عن محمد [بن] (^٣) الحسن: إذا كان أحدهما حرا أن البيع فاسد، وإن كان أحدهما مكاتبا أو مدبرا، فإنه يرد المكاتب والمدبر بحصته من الثمن، ويلزمه الآخر بحصته من الثمن.
وحكي عن عبيد الله بن الحسن أنه جعل لمن اشترى دارا فاستحق ثمنها الخيار في أن يأخذ نصفها بنصف الثمن.
قال أبو بكر: قول الشافعي قول صحيح.
واختلفوا في العبد يدس المال إلى من يشتريه من مولاه فيعتقه.
_________________
(١) "الأم" (٢/ ٣٢ - باب المبادلة بالماشية).
(٢) "المبسوط" للسرخسي (١٣/ ٤ - باب البيوع الفاسدة).
(٣) سقط من "الأصل".
[ ١٠ / ٣٦١ ]
فقالت طائفة: البيع باطل، والعتق باطل، كذلك قال الحسن. وقال الشعبي: لا يجوز ويعاقب.
وقالت طائفة: البيع جائز، والعتق جائز، ويرد المشتري على سيد العبد مثل الثمن الذي ابتاعه، هذا قول النخعي، وسفيان الثوري. وقال أحمد (^١): يرد الدراهم على المولى، ويأخذ المشتري بالثمن، والعبد حر. في مذهب الشافعي (^٢) إن اشترى العبد بعين المال الذي دفعه العبد مما كان بيده فالبيع باطل، والعتق باطل، والذي قبض مما كان بيد العبد إنما هو ماله له قبضه، وإن اشتراه بغير عين المال فالشراء جائز، والعتق لازم، والولاء للمعتق، وعليه أن يوفي المولى الثمن من ماله، ويدفع ما قبض من العبد إلى المولى إن لم يكن دفعه.
قال أبو بكر: هكذا نقول.
مسألة:
واختلفوا في الرجل يشتري عبدين فيهلك أحدهما ويجد بالآخر عيبا، ثم يختلفان في قيمة الهالك.
فقالت طائفة: القول قول المشتري، لأنه مدعى عليه. هذا قول ابن أبي ليلى، وأبي ثور.
وقال الشافعي (^٣): القول قول البائع، لأن الثمن كله قد لزم المشتري، وحكي عنه أنه قال: القول قول المشتري.
_________________
(١) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٤١٦١)، "مسائل أحمد رواية عبد الله" (١٤٣٦، ١٤٣٥).
(٢) "الأم" (٨/ ٤٢ - باب كتابة الوصي والأب والولي).
(٣) "الأم" (٧/ ١٧٤ - باب بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحها).
[ ١٠ / ٣٦٢ ]
وكان النعمان يقول (^١): القول قول المشتري إلا أن يشاء البائع أن يأخذ الحي، ولا يأخذ من ثمن الميت شيئا.
وقال أبو يوسف (^١): القول قول المشتري في حصته من الميت، ويتحالفان ويترادان.
وقال محمد (^١): يتحالفان ويترادان العبد القائم وقيمة الهالك، والقول في قيمة الهالك قول المشتري مع يمينه.
واختلفوا في الرجل يقول لعبده: إن بعتك فأنت حر فباعه.
فقالت طائفة: هو حر من مال البائع. روي هذا القول عن الحسن وبه قال الشافعي (^٢)، وابن أبي ليلى (^٣)، وابن شبرمة، وأحمد بن حنبل (^٤).
وقالت طائفة: لا يقع العتق، لأن العتق إنما يقع بعد البيع، وبعدما خرج من ملكه وصار لغيره. هذا قول سفيان الثوري، والنعمان، ويعقوب (^٥).
واختلفوا فيه إن قال البائع: إن بعتك فهو حر، وقال المشتري: إن اشتريته فهو حر. فحكى أبو عبيد، عن ابن أبي ليلى، ومالك (^٦) أنهما قالا: يعتق من مال البائع، وروي ذلك عن النخعي. قال: وأما أصحاب الرأي فمجمعون على أنه يعتق من مال المشتري، ومال أبو عبيد إلى قول مالك، وابن أبي ليلى.
_________________
(١) "المبسوط" للسرخسي (١٢/ ٢٤٢ - كتاب البيوع).
(٢) "الأم" (٧/ ٢٠٧ - باب في الأيمان).
(٣) "المبسوط" للسرخسي (٣٠/ ١٧٦ - كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى).
(٤) "مسائل أحمد رواية ابن هانئ" (١٤٣١).
(٥) "المبسوط" للسرخسي (٧/ ٢٤٢ - باب الأيمان في العتق).
(٦) "المدونة" (٢/ ٣٨٨ - باب في الرجل يقول للعبد إن بعتك فأنت حر ثم يبيعه).
[ ١٠ / ٣٦٣ ]
مسألة:
واختلفوا في الرجل يبيع من الرجل الطعام إلى أجل، فإذا حل الأجل أخذ بالثمن منه طعاما وقبضه مكانه.
فقالت طائفة: لا بأس به. هذا قول الشافعي (^١)، وأصحاب الرأي (^٢).
وقالت طائفة: لا يجوز ذلك. كان مالك (^٣) ﵀ يقول: ذلك من الربا.
وقال طاوس: لا يأخذ طعاما. وقال أحمد، وإسحاق (^٤): لا بأس أن يشتري منه ما لا يكال ولا يوزن.
واختلفوا في الرجل يبيع السلعة بدين ثم يشتريها بأقل من ثمنها بنقد.
فقالت طائفة: لا يجوز ذلك.
هذا قول مالك بن أنس (^٥)، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأبي الزناد، وعبد العزيز بن أبي شيبة، والأوزاعي، وسفيان، وأحمد، وإسحاق (^٦)، وأصحاب الرأي (^٧).
وروي عن النخعي، والشعبي، والحسن، وابن سيرين أنهم كرهوا ذلك، وقد روي عن ابن عباس حديثا يوافق هذا القول.
٨١٦٥ - حدثنا محمد بن بكر، قال: حدثنا بندار، قال: حدثنا يزيد بن
_________________
(١) "الأم" (٣/ ٩٤ - باب السنة في الخيار).
(٢) "المبسوط" للسرخسي (١٣/ ١٤٧ - باب العيوب في البيوع).
(٣) "المدونة" (٣/ ٧٦ - ٧٧ - باب في الرجل يسلف الطعام في الطعام).
(٤) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٨١٢).
(٥) "الكافي" (١/ ٣٢٥ - باب بيوع الآجال وضع وتعجل وبيع العينة).
(٦) ذكره ابن قدامة في "المغني" (٦/ ٢٦٠ - ٢٦١).
(٧) "المبسوط" للسرخسي (١٣/ ١٤٨ - ١٤٩ - باب العيوب في البيوع).
[ ١٠ / ٣٦٤ ]
هارون، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس في رجل باع حريرة بنسيئة ثم اشتراها بدون ما باعها بنقد. قال: تلك دراهم بدراهم بينهما حريرة (^١).
واحتج بعض من يقول بهذا القول بحديث عائشة ﵂.
٨١٦٦ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، قال: حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن امرأته العالية أن امرأة أبي السفر باعت خادما لها إلى العطاء من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم، وأنه احتاج إلى بيعها فاشترتها منه بستمائة درهم، فقالت عائشة حين سألتها عن ذلك: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيد بن أرقم أنه أبطل جهاده إن لم يتب. قال: أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي.
قالت: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ (^٢) (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٢٤ - باب من كره العينة) من طريق محمد بن سيرين، ونقل قول ابن عباس فقط. و"المدونة الكبرى" (٣/ ١٦١) من طريق محمد بن سيرين وحبان بن عمير القيسي عن ابن عباس بمعناه. وذكره ابن القيم في "تهذيب السنن" (٩/ ٢٤١)، وقال: ثبت عن ابن عباس فذكره.
(٢) البقرة: ٢٧٥.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨١٢)، والدارقطني في "سننه" (٣/ ٥٢)، والبيهقي في "سننه" (٥/ ٣٣٠ - ٣٣١) جميعًا عن أبي إسحاق به، وأخرجه عبد الرزاق (١٤٨١٣) عن أبي إسحاق عن امرأته قالت سمعت امرأة أبي السفر تقول .. فذكره بنحوه، وأخرجه الدارقطني (٣/ ٥٢)، والبيهقي (٥/ ٣٣١) عن يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية قالت: خرجت أنا وأم محبة إلى مكة .. فذكره بنحوه. قال الدارقطني عقبه: أم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما، وأخرجه البيهقي (٥/ ٣٣٠) عن شعبة عن أبي إسحاق مرسلًا. قال الزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ١٦): قال في "التنقيح": هذا إسناد جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، =
[ ١٠ / ٣٦٥ ]
وقالت طائفة: لا بأس بذلك باعه السلعة بأقل من الثمن أو بأكثر، لأن البيعة الثانية غير البيعة الأولى. هذا قول الشافعي (^١)، وأبي ثور، وقد روي عن ابن عمر خبر يوافق هذا القول:
٨١٦٧ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، قال: حدثنا ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر أن رجلا باع من رجل سرجا فلم ينتقد ثمنه، فأراد صاحب السرج الذي اشتراه أن يبيعه، فأراد الذي باعه أن يأخذه بدون ما باعه به منه، فسئل عن ذلك ابن عمر فلم ير به بأسا، وقال ابن عمر: فلعله لو باعه من غيره باعه بذلك الثمن أو أنقص (^٢).
قال أبو بكر: واحتجوا - أو من احتج منهم - بأنهم قد أجمعوا على أن المشتري لو وهب السلعة للبائع أن الهبة جائزة، فلما كانت إذا رجعت كلها إليه بغير ثمن جائز كانت إذا رجعت إليه بأقل من ثمنها مثله. وقد ملك المشتري السلعة ملكا صحيحا، فليس لأحد أن يحظر عليه أن يفعل في ماله ما يفعله المالك إلا بحجة.
ومعروف عند التجار أن ثمن السلعة التي يتأخر قبض ثمنها أكثر من ثمن السلعة نقدا، فإذا كان هذا معروفا عندهم، فلم حظر على البائع
_________________
(١) = وكذلك قال الدارقطني: ونقل كلامه الآنف ثم قال: فيه نظر فقد خالفه غيره، ولولا أن عند أم المؤمنين علمًا من رسول الله ﷺ أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد … وانظر "الإجابة لما استدركته عائشة على الصحابة" (١/ ١٣٧).
(٢) "الأم" (٣/ ٩٥ - باب بيع الآجال).
(٣) أخرجه البيهقي في "السنن" (٥/ ٣٣١) من طريق عبد الله به بلفظه، وعبد الرزاق (١٤٨٢٢) من طريق سفيان به بمعناه.
[ ١٠ / ٣٦٦ ]
شراؤها وأبيح ذلك لغيره، وكل بيع فجائز إلا بيعا منع منه كتاب، أو سنة، أو إجماع. فإن اعتل معتل بخبر عائشة فقد دفع خبر عائشة غير واحد، وقال بعضهم: أبو إسحاق عن امرأته، امرأته غير معروفة برواية الحديث، وقد يجوز لو صح أن عائشة إنما أنكرت البيع إلى العطاء، لأنه أجل غير معلوم، ودفع الحديث وترك أن يثبت مثله على عائشة أولى بنا، إذ غير جائز أن تكون عائشة تقول في بيع يختلف فيه: أبلغ زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب "، ولو اختلف أصحاب رسول الله ﵇ في مسألة وثبت ذلك عن عائشة، كان سبيل ذلك أن يتبع أشبه أقاويلهم بالنظر.
قال أبو بكر: وقد حكي عن عبد الله بن الحسن أنه قال: أنا أكرهه.
قال أبو بكر: لو انتفى هذا البيع بنفي لكان ذلك حسنا، فإن خسر الرجل فباع فالبيع لازم، للحجج التي حكيتها عن أهل هذه المقالة.
واختلفوا في الرجل يقول لصاحبه: (اشتر) (^١) سلعة كذا وكذا حتى أربحك فيها.
فكرهت طائفة ذلك، ونهت عنه. وممن كره ذلك: ابن عمر، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، والحسن، وطاوس، والنخعي، وقتادة، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد بن حنبل (^٢)، وإسحاق.
٨١٦٨ - حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا أبو بكر (^٣)، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن زيد بن أسلم قال:
_________________
(١) في "الأصل": اشترى. والمثبت هو الجادة.
(٢) "مسائل أحمد رواية ابن هانئ" (١٢٢٠).
(٣) "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/ ٢٢٢ - باب المواصفة في البيع).
[ ١٠ / ٣٦٧ ]
قلت لابن عمر: الرجل يقول (اشتر) (^١) هذا البعير وأشتريه منك، فكرهه (^٢).
ورخصت فيه طائفة وقالت: لا بأس به، وممن كان لا يرى به بأسا: القاسم بن محمد، وحميد الطويل.
وكان الشافعي (^٣) يجيز هذا البيع إذا اشتراها الرجل وملكها، ثم باعها من صاحبه.
وكان مالك (^٤) ﵀ يكره ذلك، فإن فعلاه ألزم المشتري الثمن الذي اشتراه به ولا يفسخ البيع.
قال أبو بكر: هذا عندي مكروه، فإن فعله فاعل كان الجواب فيه كجواب مالك ﵀.
واختلفوا في الرجل يشتري من الرجل مائة ثوب فيزيد أو ينقص.
فقالت طائفة: إذا قال: كل ثوب بعشرة دنانير فوجدها تسعين فالمشتري بالخيار، فإن زادت على مائة فالبيع مردود. هذا قول سفيان الثوري.
وقالت طائفة: إذا زاد أو نقص فالبيع فاسد، لأن الزائد والناقص لا يدرى كم ثمنه، ولا ما هو من الثياب من جيدها أو رديئها أو وسطها.
هذا قول أبي ثور.
وفيه قول ثالث: وهو إن كان خمسين ثوبا فوجدها أحدا وخمسين،
_________________
(١) في "الأصل": اشترى. والمثبت هو الجادة.
(٢) أخرجه البيهقي (٥/ ٣١٧) موقوفًا على ابن عمر بمعناه.
(٣) "الأم" (٣/ ٤٨ - باب في بيع العروض).
(٤) "المدونة" (٣/ ٢٤٦ - باب فيمن ابتاع سلعة ثم باعها مرابحة ثم اشتراها بأقل من الثمن).
[ ١٠ / ٣٦٨ ]
وقد اشتراها صفقة يرد منها ثوبا. هذا قول مالك (^١). وقال ابن القاسم صاحبه: يرد جزءا من أحد وخمسين جزءا من الثياب.
وقال أصحاب الرأي (^٢): إن وجده أحدا وخمسين فالبيع باطل، وإن سمى لكل ثوب منها عشرة دراهم، وكان في العدد واحد وخمسين ثوبا فالبيع فاسد، وإن كانت الثياب تنقص وقد سمى لكل ثوب منها شيئا فالبيع جائز، والمشتري بالخيار إن شاء أخذ كل ثوب بما سمى وإن شاء ترك.
قال أبو بكر: إن كانت العلة في إفساد البيع في الزيادة أنه لا يدرى أي ثوب يرد من الثياب فتلك العلة موجودة في النقصان لا يدرى أي ثوب نقص منها من الجياد أو الرديء، أو الوسط، وإن كان للمشتري الخيار فلا معنى للخيار في بيع جائز، فكذلك لا معنى للخيار في بيع باطل، وإن كان الخيار إنما حصل، لأنه بيع مستأنف، فالمعنى في الزيادة والنقصان واحد، والله أعلم.
وكان الشافعي يقول (^٣) في الرجل يشتري من الرجل صبرة مائة كيل فيجدها خمسين: أنه مخير إن شاء أخذها بحصتها، وإن شاء فسخ البيع.
قال أبو بكر: ومعنى هذا غير معنى الثياب، لأن الطعام قد يستوي، وليست الثياب كذلك، والله أعلم.
_________________
(١) "المدونة" (٣/ ٢٥٨ - باب البيع على البرنامج).
(٢) "المبسوط" للشيباني (٥/ ٨٥ - ٨٦ - باب البيوع الفاسدة).
(٣) "الأم" (٣/ ١٠٣ - باب بيع الآجال).
[ ١٠ / ٣٦٩ ]