اختلف أهل العلم في بيع العربون، وهو أن يشتري الرجل السلعة ويعربن عربونا، ويقول للبائع: إن لم آتك لقبض السلعة فالذي أخذت لك، فكرهت طائفة ذلك، وأبطل بعضهم البيع، روي عن ابن عباس والحسن أنهما كرها ذلك.
_________________
(١) يعني: صارت السلعة ملكنا.
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/ ٣٨٨ - في الرجل يبتاع من الرجل الشيء) من طريق ابن جريج به بمعناه.
(٣) "المبسوط" للسرخسي (١٣/ ٢١ - باب البيوع إذا كان فيها شرط).
(٤) "المدونة" (٣/ ٧٩ - ٨٠ - باب الرجل يسلف الرجل في الطعام المضمون إلى الأجل القريب).
[ ١٠ / ٣٣٦ ]
٨١٤٩ - حدثنا ابن صالح، قال: حدثنا أبو موسى، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كره أن يشتري الرجل من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهما (^١).
وهذا قول مالك (^٢) وقياس قول الشافعي (^٣)، وهو قول أصحاب الرأي (^٤).
وأجازت طائفة هذا البيع وهذا الشرط، روي عن ابن عمر أنه أجاز ذلك:
٨١٥٠ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، قال: أخبرني يحيى بن محمد بن طحلاء، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن القاسم بن محمد أن ابن عمر اشترى بعيرا وعربنه دينارا فقال: إن أخذته فلي، وإلا فلك الدينار (^٥).
وكان ابن سيرين لا يرى به بأسا.
وقد روينا عن نافع بن الحارث أنه اشترى من صفوان بن أمية دارا بمكة بأربعة آلاف، فإن رضي عمر فالبيع له، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة (^٦).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن" (٦/ ٢٧) من طريق داود به بمعناه.
(٢) "التمهيد" لابن عبد البر (٢٤/ ١٧٨ - ١٧٩).
(٣) "التنبيه" (١/ ٨٨ - باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز).
(٤) "المغني" (٦/ ٣٣١ - فصل: والعربون في البيع).
(٥) لم أقف عليه.
(٦) أخرجه البخاري تعليقًا (باب الربط والحبس في الحرم)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٩٢ - في العربان في البيع)، وعبد الرزاق (٩٢١٣) من طريق سفيان به بلفظه وعزاه ابن =
[ ١٠ / ٣٣٧ ]
٨١٥١ - حدثنا محمد بن علي، قال: حدثنا سعيد، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن [فروخ] (^١)، عن نافع بن عبد الحارث.
وذكر لأحمد بن حنبل حديث عمر فقال (^٢): أي شيء أقدر أقول، وهذا عن عمر، فذكرت له مذهب مالك أنه فسر نهي النبي ﵇ عن العربان أنه على كراهية هذا. قال: لا، ليس هذا بشيء.
قال أبو بكر:
٨١٥٢ - حدثنا بحديث مالك: علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا القعنبي قال: قرأت على مالك أنه بلغه عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع العربان (^٣).
قال أبو بكر: وهذا غير ثابت (^٤).
_________________
(١) = قدامة في "المغني" (٤/ ١٦٠) إلى الأثرم، وانظر "الفتح" (٥/ ٩١).
(٢) في الأصل: فروع. وهو تصحيف. والمثبت من مصادر التخريج. وعبد الرحمن بن فروخ من رجال "التهذيب" (١٧/ ٣٤٣).
(٣) "المغني" (٦/ ٣٣١ - فصل: والعربون في البيع).
(٤) أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٤٧٥)، وقال عقبه: وذلك فيما نرى - والله أعلم - أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة أو يتكارى الدابة، ثم يقول للذي اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك دينارًا أو درهمًا أو أكثر من ذلك أو أقل، على أني إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك باطل بغير شيء.
(٥) وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٥٠٢)، وابن ماجه (٣١٩٢)، والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣) وإسناده منقطع كما هو ظاهر، وورد بإثبات الواسطة بينهما، فعند ابن ماجه والبيهقي سميا الواسطة (عبد الله بن عامر الأسلمي). قال البيهقي: والحديث عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مشهور، ثم قال: وعبد الله بن عامر =
[ ١٠ / ٣٣٨ ]
واختلفوا في الرجل يشتري من الرجل السلعة على أن لا وضيعة عليه.
فقالت طائفة: البيع باطل. كذلك قال مالك وهو على مذهب الشافعي. وروي عن عكرمة أنه كره ذلك، وبه قال الأوزاعي، وأجاز بعضهم هذا البيع. روي أن رجلا اشترى ثوبا، وقال البائع: لا وضيعة عليك فضاع الثوب.
قال ابن سيرين: لا وضيعة أشد من ذهابه، لا شيء عليه.
وقال بعضهم: يأخذ ما باعه. هذا قول الحكم وحماد.
مسألة
اختلف أهل العلم في الرجل يشتري من الرجل الثوب يشترط المشتري في عقد البيع على البائع أن عليه خياطته أو قصارته أو يشترط إن كان طعاما على البائع طحنه.
فقالت طائفة: البيع باطل، لأن هذا بيع وإجارة، ولا يعلم حصة الإجارة من ثمن السلعة.
كذلك قال الشافعي (^١)، والثوري، وأبو ثور.
وقالت طائفة: إذا اشترط أحد هذه الثلاثة الأشياء فالبيع جائز، فإن اشترط شيئين مثل خياطته وقصارته فالبيع باطل، لأن هذا من شرطين في بيع. هكذا قال أحمد، وإسحاق (^٢).
_________________
(١) = وابن لهيعة لا يحتج بهما، والأصل في هذا الحديث مرسل مالك. قلت: وضعفه أيضًا أحمد كما في "المغني"، وانظر "شرح السنة" (٨/ ١٣٦)، و"التمهيد" (٢٤/ ١٧٦ - ١٧٨)، و"بلوغ المرام" بتحقيقي فقد أشرت هناك إلى علته وضعفه.
(٢) "الأم" (٣/ ٧٢ - باب في الجائحة)
(٣) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٨٠٥).
[ ١٠ / ٣٣٩ ]
ولمالك ﵀ في هذا الباب أجوبات مختلفة: قال مالك (^١): إذا اشترى السمسم والفجل والزيتون على أن على البائع عصره فهو مكروه، وكذلك القمح يشتريه على أن على البائع حصاده ودياسه وذريه يشتريه زرعا قائما لا خير فيه.
وقال مالك: لو ابتاع من رجل ثوبا على أن يخيطه له لم أر بذلك بأسا. ولو ابتاع قمحا على أن يطحنه قال: فيه مغمز وأرجو أن يكون خفيفا.
وحكي عنه أنه قال في الرجل يبيع ولد جاريته ويشترط أن أمه ترضعه سنة قال: إذا كان إذا أعجلت الأم أو ماتت أخلف للمشتري من يتم له رضاعه رأيت ذلك جائزا.
قال أبو بكر: هذا مع ما فيه من جهل البائع والمشتري بحصة الثمن من حصة الإجارة، إجازة للتفريق بين الوالدة وولدها (في بيع، وهذا غير جائز للحديث الذي روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من فرق بين الوالدة وولدها) (^٢) فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (^٣).
وقال أصحاب الرأي (^٤): إذا اشترى طعاما بطعام أو بغيره مما يكال
_________________
(١) "المدونة" (٣/ ٣٢٠ - باب في الرجل يشتري الجلجلان على أن عليه عصره والقمح على أن عليه طحنه).
(٢) تكرر في "الأصل".
(٣) أخرجه الترمذي (١٢٨٣)، وأحمد (٥/ ٤١٢)، والحاكم (٢/ ٥٥) من طريق حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن أبي أيوب. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم اهـ وحيي مختلف فيه، وانظر التهذيب (٧/ ٤٨٨)، وراجع "البدر المنير" (٦/ ٥١٩) بتحقيقنا.
(٤) "المبسوط" للشيباني (٥/ ٦٨ - كتاب البيوع والسلم).
[ ١٠ / ٣٤٠ ]
أو يوزن فاشترط عليه أن يوفيه إياه في منزله، وهما في المصر الذي فيه المنزل، فذلك جائز ما خلا الطعام، فإنه قد أخذ طعام بطعام فضل فلا خير فيه. وكذلك لو اشترط عليه أن يوفيه إياه في منزله غير أنا نستحسن في هذا خصلة واحدة إذا كان في مصر واحد، واشترط عليه أن يوفيه إياه في منزله فلا بأس به، وهذا قول أبي حنيفة (^١) وأبي يوسف ومحمد وحكى أبو ثور عنهم أن ذلك إذا كان خارجا من المصر لم يجز. وقال أبو ثور: إذا اشترى منه طعاما على أن يوفيه في منزله، فالبيع جائز وعليه حمله إلى منزله، وهذا بمنزلة السلم.
قال أبو بكر: كل هذا غير جائز إذا اشترط في عقد البيع، وذلك أن الأثمان لا تجوز عند أهل العلم إلا معلوما، فإذا اشترط على البائع عملا أضيف إلى البيع ولم يميز حصة العمل من الثمن كان الثمن مجهولا وفسد البيع.
واختلفوا في الرجل يبيع الشاة ويستثني رأسها أو جلدها.
فقالت طائفة: لا يجوز ذلك ولا يستثني منها رأسا ولا غيره. كذلك قال الشافعي (^٢)، وحكى الثوري أنه قال: إذا اشترط رأسها في البيع فالبيع فاسد. وكان مالك (^٣) لا يرى بأسا أن يستثني من لحمها أرطالا يسيرة، ويكره أن يشترط أرطالا كثيرة، وقال: لا يجوز أن يستثني جلد الشاة في القرى حيث يكون للجلود ثمن، لأن ذلك غرر، ولا بأس أن يشترط بائعها إهابها بالفلوت والطرق، وحيث لا يكون لذلك الجلد
_________________
(١) "المبسوط" للشيباني (٥/ ٩٨ - ٩٩ - باب البيوع إذا كان فيها شرط فاسد).
(٢) "الأم" (٣/ ٩٩ - باب بيع الآجال).
(٣) "المدونة" (٣/ ٣١٥ - ٣١٦ - في بيع الشاة والاستثناء منها).
[ ١٠ / ٣٤١ ]
مشتريا، ولا يكون فيه كثير غرر. وقال مالك ﵀ (^١): لا بأس أن يبيع الرجل الشاة ويستثني رأسها وأكارعها أو ثلثها أو ربعها. وقال الأوزاعي: إذا قال: أبيعك هذه الشاة ولي يدها أو رجلها إذا أخذ في ذبحها عند البيع، فإن كان فيه تأخير فإني أكرهه، وكره أن يستثني من لحمها أرطالا. وقيل لأحمد بن حنبل (^٢): باع بقرة واشترط رأسها، ثم بدا له فأمسكها فقضى زيد بشروى (^٣) رأسها، قال: أقول: هكذا يكون شريكا في البقرة، فيقوم الرأس مع اللحم فيكون له بقدر الرأس، والبيع جائز، وكذلك قال إسحاق.
٨١٥٣ - حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن زيد، وأصحاب النبي ﵇ في رجل باع بهيمة واشترط رأسها فقضى زيد بشروى الرأس على المشتري (^٤).
قال أبو بكر: جابر متروك الحديث (^٥)، والشعبي لم يلق زيدا (^٦)، وروي عن شريح ﵀ أنه قضى بمثل ذلك بشروى.
_________________
(١) "المدونة" (٣/ ٣١٥ - ٣١٦ - في بيع الشاة والاستثناء منها).
(٢) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٦٣٣).
(٣) بشروي: يعني: يمثل.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٤٨٥١) من طريق سفيان به ثم قال عقبه: ونحن نقول البيع فاسد.
(٥) هو ابن يزيد بن الحارث الجعفي، وتركه أيضًا النسائي والقطان وابن مهدي وغيرهم، وكذبه غير واحد من النقاد، وانظر "الميزان" (١/ ٣٧٩ - ٣٨٤).
(٦) لم أقف على من نفى إدراكه أو سماعه من زيد وسماعه محتمل من زيد، فإن الشعبي مات سنة ثلاث أو أربع ومائة وهو ابن ثنتين وثمانين، ومات زيد سنة خمس وأربعين، وقد قال الشعبي: أدركت خمسمائة من أصحاب النبي ﷺ، وانظر "التهذيب" (برقم ٣٠٢٩).
[ ١٠ / ٣٤٢ ]