واختلفوا في بيع الصبي وشرائه.
فقالت طائفة: بيعه وشراؤه باطل لا يجوز، بإذن أبيه أو وليه باع، أو بغير إذنهما، كذا قال أبو [ثور] (^١).
وحكي عن الكوفي أنه قال (^٢): بيعه جائز بإذن وليه وإذن القاضي.
وقالت طائفة: لا يجوز بيعه إلا بإذن أهله. كذلك قال سفيان الثوري.
وقال أحمد وإسحاق (^٣) كذلك إلا الشيء اليسير، اشترى أبو الدرداء من صبي عصفورا فأرسله. وقال أحمد: وإذا كان مثل الشيء الذي يرسل به الصبي، فأما أن يجيء صبي بخمسة دراهم، وما أشبه هذا فلا.
قال أبو بكر: لا يجوز بيع الصبي ولا شراؤه ولا إقراره في الكثير من الشيء ولا اليسير.
_________________
(١) في "الأصل": أبو بكر. خطأ. والمثبت من "المجموع" (٩/ ١٥٠).
(٢) "المبسوط" للسرخسي (٢٥/ ١٢١ - ١٢٢ - باب إقرار العبد لمولاه).
(٣) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٧١٥).
[ ١٠ / ٣٥٨ ]
مسألة:
أجمع أهل العلم (^١) على أن من باع معلوما من السلع حاضرا بمعلوم من الثمن، وقد أحاط البائع والمشتري معرفة بالسلعة أن البيع جائز.
وأجمعوا (^٢) على أن من باع سلعة بثمن مجهول غير معلوم ولا مسمى ولا ثمنا قائما أن البيع فاسد.
واختلفوا فيمن باع سلعة لم يرها المشتري، ووصفها له البائع بصفة معروفة.
فقالت طائفة: البيع جائز، والمشتري بالخيار، كانت السلعة على النعت التي وصفت له أم لم تكن. هكذا قال سفيان الثوري، وأصحاب الرأي (^٣). وقال الشعبي، والحسن، والنخعي: من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه، إن شاء أخذه، وإن شاء تركه (^٤).
وقالت طائفة: إذاخرجت السلعة على الصفة التي وصفت له فالبيع جائز ولا خيار له، وإن كانت على غير الصفة فله الخيار. هذا قول محمد بن سيرين، وأيوب السختياني، ومالك بن أنس (^٥)، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق (^٦)، وأبي ثور، وابن نصر.
_________________
(١) "الإقناع في مسائل الإجماع" (٣٤٧٨).
(٢) "الإقناع في مسائل الإجماع" (٣٥٥٤).
(٣) "المبسوط" للسرخسي (١٣/ ١٥ - باب البيوع الفاسدة).
(٤) انظر هذِه الآثار وزيادة في "مصنف ابن أبي شيبة" (٥/ ٥ - في الرجل يشتري الشيء لا ينظر إليه)، و"المحلى" (٨/ ٣٩٠).
(٥) "المدونة" (٣/ ٢١٨ - باب في الرجل يبتاع السلعة أو الطعام على أنه بالخيار إذا نظر إليه).
(٦) "مسائل أحمد وإسحاق رواية الكوسج" (٢٥١٣، ٢٤٨٦).
[ ١٠ / ٣٥٩ ]
وفيه قول ثالث: وهو أن البيع بيعان لا ثالث لهما: بيع صفة مضمونة على بائعها، فإذا جاء بها فلا خيار للمشتري فيها إذا كانت على صفتها، وبيع عين بعينها يسلمها البائع للمشتري، فإذا تلفت لم يضمن سوى العين التي باع. هذا قول الشافعي (^١).
وقد أجاز الشافعي (^٢) بيع العين الغائبة، وجعل للمشترى الخيار فيه مرة.
وقال الحكم وحماد في الرجل يشتري العبد وقد رآه بالأمس ولم يره يوم اشتراه، قالا: لا يجوز حتى يراه يوم اشتراه.
قال أبو بكر: فالذي أقول به أن السلعة إذا كان البائع عالما بها ووصفها للمشتري بصفة معروفة أن البيع جائز، فإن خرجت على الصفة التي وصفها البائع لزم المشتري ذلك ولم يكن له خيار، والحجة في إجازة هذا البيع قول الله ﷿: ﴿وأحل الله البيع﴾ (^٣)، وهذا بيع معلوم قد تراضى به المتبايعان، ولا يجوز إبطال هذا البيع إلا بحجة من كتاب، أو سنة، أو اتفاق. وقد أذن النبي ﵇ في بيع السلم وهو مضموم على البائع بصفة معلومة، فالشيء القائم إذا وصف أولى أن يجوز، مع أني لا أعلم أحدا من السلف أبطل هذا البيع إلا ما ذكرته من إحدى قولي الشافعي، وما حكيته عن الحكم وحماد. على أن الشافعي قد أجاز هذا البيع في غير من كتبه وأبطله في غير موضع، وقوله الذي يوافق قول سائر العلماء ويوافق هذا الكتاب أولى به. وهذا
_________________
(١) "الأم" (٣/ ٣ - كتاب البيوع).
(٢) "الأم" (٣/ ٤٧ - باب في بيع العروض).
(٣) البقرة: ٢٧٥.
[ ١٠ / ٣٦٠ ]
بيع داخل في جملة ما أبيح من البيوع غير خارج منه بكتاب ولا سنة ولا إجماع، والله الموفق.