"من خصائص المرء ذي الطبيعة العلمية؛ أن يكون طُلعَة كثير السؤال، لا يهدأ له بال حتى يرضي طمأنينته ويجلو لنفسه كل خفي مما يحيط به. وكانت السيدة عائشة بهذه الصفة، ساعدها على بلوغ ما بلغت من المعرفة: أنها ربيت في حجر أبي بكر الصديق أعلم الناس بأنساب العرب وأخبار قبائلها وميزات بطونها، فحازت من ذلك علمًا كثيرًا، ثم انتقلت إلى بيت الرسول ومهبط الوحي، فكانت أقرب الناس من معين العلم، فغرفت منه ما لم يتيسر لأحد غيرها، لمكانها منه زوجةً، ولما تفردت به من ذكاء نادر وفكر واسع. وكلما عظم حظ الإنسان من المعرفة، كثر تطلعه إلى ما فوقه. أما الجاهل فليس بمعنى أن يبحث أو يسأل، فإذا أصاب من المعرفة حظًا ما بطريق العرض، كان أبعد الناس عن أن تطلب نفسه مزيدًا أو تثير له شكوكًا أو تحدثه بسؤال يسأله. وقد أوردت السيدة على الرسول ﷺ من الأسئلة في كل ما يمر بها من موضوعات: في الفقه والقرآن والأخبار والمغيبات وأمور الآخرة؛ وفيما يعرض له من أحداث وخطوب، وما يفد عليه من وفود".
[ ٤ ]
"وبعد انتقال النبي ﷺ، كان علم عائشة قد بلغ ذروة الإحاطة والنضج، في كل ما اتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه. . . ومع حمل الأصحاب إلى الأمصار طائفة صالحة من الأحاديث والأحكام حتى كانوا ثمة مرجع طلاب العلم ورواة الحديث، بقيت المدينة - لأسباب أهمها وجود عائشة - دار الحديث ومنبع العلم. فحين يُشكل على أهل الأمصار أمر من الأمور، يكتبون إلى أصحاب رسول الله في الحجاز يسألونهم عن حكم الله فيه، فكان هؤلاء إذا فاتهم علم شيء، رجعوا إلى علماء بينهم اشتهروا بحمل العلم وفقهه كعبد الله بن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعروة وعبد الله ابني الزبير. . . تروى عنهم الأحاديث وتنشر الأحكام، حتى صاروا مقصد الرواد. ومقام السيدة بينهم مقام الأستاذ من تلاميذه، فكان عمر بن الخطاب يحيل عليها كل ما تعلق بأحكام النساء أو بأحوال النبي البيتية، لا يضارعها في هذا الاختصاص أحد من الرجال ولا النساء.
ويصل إلى مسمع السيدة عن أولئك العلماء روايات وأحكام على غير وجهها، فتصحح لهم ما أخطؤوا فيه أو خفي عليهم، حتى عرف ذلك عنها فصار من شك في رواية أتى عائشة سائلا، وإن كان بعيدًا كتب إليها يسألها (^١). ومن هنا طار لها ذلك الصيت في التمكن من العلم، ورجع إلى قولها كبار الصحابة كأبيها أبي بكر وعمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير. . . وصار معاوية في خلافته يكتب إليها سائلا عن حكم أو حديث أو شيء من فعل النبي ﷺ، ولا يطمئن إلى يقين مما يسمع من غيرها حتى يرد عليه جوابها فيبرد صدره (^٢) وستجد أن خطأ الصحابة كثيرًا ما يرجع إلى أنهم حضروا آخر الحديث وفاتهم أوله. وسترى في كل ما تستدرك: صحة النظر وصواب النقد وحضور الحفظ وجودة النقاش. وأغلب الأسباب في تخبط الروايات أن الرواة يستنبطون الحكم من
_________________
(١) انظر مسند أحمد ج ٦
(٢) مسند أحمد ج ٦ ص ٨٧
[ ٥ ]
الجملة التي حضروها وكثيرًا ما يكون الرسول ذكرها في معرض الإنكار، وترى ذلك في مرويات أبي هريرة بصورة خاصة.
وكما استدركت على أبي هريرة ضياع أول الكلام عليه أو آخره، استدركت على كثيرين فهمهم لحديث، أو خطأ استنباط حكم من آية، أو ضلالًا في معرفة أسباب النزول، أو اجتهادًا فيه مشقة على الناس. وكان الناس يقعون منها في كل ذلك على علم غزير وفهم حصيف، ورأي صائب. ولا غرو فقد كانت السيدة عائشة الملجأ الأخير الذي ترفع إليه مسائل الخلاف والروايات وأحكام الشريعة لتمحيصها والقضاء فيها بالقول الفصل".
ومن هنا توقن أن حياة السيدة بنت مجدًا باذخًا لتاريخ المرأة العلمي في الإسلام، بل إن عبقريتها وحدها كفيلة بملء تاريخ كامل، فلست أعلم في عبقريات الرجال والنساء في تواريخ الأمم ما يداني مكانة السيدة التي تناسيناها حتى أنه لم يؤلف - فيما علمنا - في سيرتها إلى اليوم كتاب وهذا أول ما كان يجب أن نعنى به.
ولتعلم بعد هذا سيداتنا، أن امرأة منهن في صدر الإسلام تتلمَذ عليها مشيخة المهاجرين والأنصار من كل حبر وعالم وفقيه وقارئ وراوية. وعنها وحدها نقل ربع الشريعة كما قال الحاكم في المستدرك.
ليس مؤلفنا الزركشي أول من صنف في هذا الموضوع، بل إن السابق إليه هو أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي البغدادي المحدث التاجر السفار عاش في القرن الخامس الهجري ولد سنة ٤١١ هـ ومات سنة ٤٨٩ هـ تلقى الحديث في دمشق ومصر والرحبة وروى عن ابن غيلان والعتيقي وطبقتهما وكتب وحصل في الأصول (^١). وجملة ما استدرك في مصنفه خمسة وعشرون حديثًا.
وقد نقل الزركشي عن كتاب البغدادي هذا في مواضع متعددة وفي
_________________
(١) شذرات الذهب ٣: ٣٩٢.
[ ٦ ]
بعضها سمى كتابه قائلا: "قال أبو منصور البغدادي في استدراكه". ونراه أحيانًا ينقل عنه ثم يشطب نقله ويثبت الحديث من طريق آخر غير طريقه كما سيمر بك.
وأهدى الزركشي مصنفه هذا على ما ترى في خطبة الكتاب إلى القاضي برهان الدين بن جماعة.
ثم جاء الإمام السيوطي فاختصره - على عادته في كثير من مؤلفاته - في رسالة سماها (عين الإجابة في استدراك عائشة عَلى الصحابة) (^١).