فيه أحاديث:
(الحديث الأول): أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن أبي مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة (قال) فجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس وإني لجالس بينهما (قال) جلست إلى أحدهما ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجهه: ألا تنهى عن البكاء فإن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فقال ابن عباس: " قد كان عمر يقول بعض ذلك" ثم حدث قال: حدرت مع عمر من مكة حتى إذا كان بالبيداء وإذا هو بركب تحت ظل شجرة فقال: "اذهب فانظر من هؤلاء الركب" قال: فنظرت فإذا هو صُهَيب قال: فأخبرته فقال: "ادعه لي" قال: فرجعت إلى صهيب فقلت: "ارتحل فالحق أمير المؤمنين" قال: فلما أُصيب عمر جعل (^١) صهيب يبكي يقول: وا أَخاه، وا صاحباه، فقال عمر: "يا صهيب
_________________
(١) في الأصل: وجعل، وزيادة الواو سبق قلم.
[ ٧٦ ]
أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه". قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: "رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ، وقال مسلم: "يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله ﷺ أن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^١) قال ابن أبي مليكة: "فوالله ما قال ابن عمر شيئًا." ووقع في الوسيط وشرح الوجيز للرافعي: أنها قالت:
"رحم الله عمر ما كذب؛ ولكنه أخطأ أو نسي" وهذا مردود، ولم تقل ذلك إلا لابن عمر على ما سيأتي. قال النووي في تهذيبه: "ولا شك في غلط الغزالي في هذا ولا عذر له ولا تأويل (^٢). قلت: بلى له العذر في التأويل أخرج مسلم عن ابن أبي مليكة: فذكر ذلك لعائشة فقالت: أما والله ما عرفوني هذا الحديث عن كاذبين مكذبين ولكن السمع يخطئ (^٣). وهل ذكره أبو منصور البغدادي في كتابه؟
_________________
(١) سورة النجم، الآية ٣٨. وبزيادة الواو (ولا تزر ..) في سورة الأنعام ٦/ ١٦٤ وفي سورة الإسراء ١٧/ ١٥ وفي سورة فاطر ٣٥/ ١٨ وفي سورة الزمر ٣٩/ ٧.
(٢) هنا شطب المؤلف على ما يلي: قلت وجاء عنها في حق عمر، وهل (إنما قال رسول الله ﷺ إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن) أخرجه أبو منصور البغدادي من جهة عبد الرحمن بن سلام قال: ثنا أبو أسامة قال ثنا هشام عن أبيه قال ذكر عند عائشة أن عمر يرفع إلى النبي ﷺ … فذكره.
(٣) الذي في صحيح مسلم: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: "إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ" ٤٢:٣.
[ ٧٧ ]
(الحديث الثاني): قال الطحاوي في مشكل الآثار: حدثنا صالح بن عبد الرحمن، ثنا أبو عبد الرحمن المصري: قال ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حية. قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذا كروا الغسل من الإنزال فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه ويتوضأ وضوءه للصلاة" فقام رجل من أهل المجلس فأتى عمر فأخبره بذلك فقال عمر للرجل "اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه" فذهب فجاءه به وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ منهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل فقال له عمر: أي (^١) عُدي نفسه تفتي الناس بهذا؟ " فقال زيد: "أما والله ما ابتدعته ولكن سمعته من أعمامي رفاعة بن رافع ومن أبي أيوب الأنصاري الأنصاري" فقال عمر لمن عنده من أصحاب رسول الله ﷺ: "ما تقولون"؟ فاختلفوا عليه فقال عمر: "يا عباد الله قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار" فقال له علي: "فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فإنه إن كان شيء من ذلك ظهرن عليه" فأرسل إلى حفصة فسألها فقالت: "لا علم لي بذلك" ثم أرسل إلى عائشة فقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل." فقال عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا" (^٢) أخرجه مسلم في الصحيح لكن لم يذكر أن عمر هو السائل بل ذكر عن
_________________
(١) في الأصل: أم.
(٢) قلت: الوجه أن يذكر هذا الحديث في استدراكها على زيد بن ثابت لأن عمر ليس إلا مستثبتًا، والسيدة صححت فتوى زيد لا عمر.
[ ٧٨ ]
أبي موسى الأشعري قال: اختلف رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون: "لا يجب الغسل إلا في الدفق أو من الماء." وقال المهاجرون: "بل إذا خالط فقد وجب الغسل." فقال أبو موسى: "أنا أشفيكم من ذلك" فقمت فاستأذنت على عائشة .. الحديث نحو ما سبق وقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل" فقال أبو: "لا أسال عن هذا أحدا بعدك". قال أبو عمر بن عبد البر: هذا وإن لم يكن مسندا بظاهره فإنه يدخل في المسند. ثم قال: وقد روى حديثها هذا عنها مسندًا إلى النبي ﷺ ثم ذكره إلى أبي موسى عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل."
وقد نازعه الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام ﵀ فيما وجدته بخط بعض تلامذته وقال: "ليس ما ذكره أبو عمر عنه أولًا وهو قوله "إذا جاوز" هو ما ذكره. ثانيًا من قوله: "إذا التقى الختانان" فكيف يصح منه أن يقول وقد روى حديثها هذا ويشير إلى ما اشترطت فيه المجاوزة ولم يذكر ما لم يشترط فيه المجاوزة. فيجب أن يحمل قول عائشة "إذا جاوز" على حكاية فعلها مع رسول الله ﷺ لا على قول النبي ﷺ، بدليل قولها لما سمعت قضاء علي للمهاجرين بإيجاب الغسل من التقاء الختانين: "ولما فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا واغتسلنا" ولا يحمل فعلها إلا على الجماع الكامل لا على مجرد التقاء الختانين لبُعد ذلك. ولعل جميع ما ذكره عن المهاجرين من الصحابة كابن عمر وعلي وغيرهم في
[ ٧٩ ]
قول كل واحد منهم: "إذا جاوز الختان الختان" نقلًا من كل منهم لما ذكرته عائشة حاكية عن الفعل المذكور لا عن القول. وكذلك قولها لأبي سلمة لما سألها: ما يوجب الغسل؟ فقالت: "يا أبا سلمة مثلك مثل الفروج يسمع الديكة تصرخ فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" وإن لم يحمل قولها على حكاية الفعل وقول الصحابة على حكاية قولها، أدى إلى إلغائه بالكلية لثبوت الروايات الصحيحة عنه ﷺ في قوله: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ولمخالفة اشتراط المجاوزة لإجماع العلماء. اهـ. وقد تكلمت على علل هذا الحديث ومتابعة غير عائشة على رواية هذا عن النبي ﷺ غيرها من الصحابة: في الثالث من باب الغسل من (الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز).
(الحديث الثالث): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا عمرو بن علي ثنا أبو داوود قال ثنا محمد بن أبي حميد: قال عبد الله بن عمرو بن أمية عن أبيه: "أن عن عمر أتى عليه في السوق وهو يسوم بمرطٍ فقال: "ما هذا يا عمرو؟ " قال: "مرط أشتريه فأتصدق به" فقال له عمر: "فأنت أنت إذا" ثم أتى عليه بعد فقال: "يا عمرو ما صنع المرط؟ " قال: "تصدقت به" قال: "على من؟ " قال: "على رقيقة مُزنية" قال: "أليس زعمت أنك تصدق به؟ " قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن من شيء فهو لكم صدقة". فقال عمر: "يا عمرو لا تكذب على رسول الله ﷺ" فقال: والله لا أفارقك حتى نأتي أم المؤمنين عائشة" فقال يا عمرو: " لا تكذب
[ ٨٠ ]
على رسول الله ﷺ"، فاستأذنوا (^١) على عائشة فقال عمرو: "أنشدكِ الله أسمعتِ رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن فهو لكم صدقة" فقالت: "اللهم نعم، اللهم نعم" فقال عمر: "أَين كنت عن هذا؟ ألهاني الصفق بالأسواق" ومحمد بن أبي حميد ضعيف.
(الحديث الرابع): أخرجه البيهقي في سننه عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء والطيب" قال سالم: وقالت عائشة: "كل شيء إلا النساء، أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله"، ثم أخرج عن ابن عيينة عن عمرو عن سالم قال: قالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله وإحرامه" قال سالم: "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع". وقد أخرج الشيخان عن القاسم عنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله حين حل قبل أن يطوف بالبيت" وقد تابعها على ذلك ابن عباس فيما أخرجه البيهقي أيضًا من جهة الثوري عن سلمة عن الحسن العرني عن ابن عباس قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيءٍ إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت" فقال رجل: "والطيب يا أبا العباس" فقال له: "إني رأيت رسول الله ﷺ يضمخ رأسه بالمسك، أو طيب هو أم لا؟ ".
(الحديث الخامس): قال البزار في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثني عبد الرحيم بن مطرف قال حدثني عيسى بن يونس
_________________
(١) كذا بواو الجماعة وهما اثنان ولعله صحبهما ثالث.
[ ٨١ ]
عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر قال: "أقبلنا مع عمر حتى إذا كنا بذي الحليفة أهل وأهللنا فمر بنا راكب ينفح عنه ريح الطيب، فقال عمر: "مَن هذا؟ " قالوا: "معاوية" فقال: "ما هذا يا معاوية؟ " قال: "مررت بأم حبيبة بنت أبي سفيان ففعلت بي هذا" قال: "ارجع فاغسله عنك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحاج الشعث التفل" قال البزار: "لا نعلم له إسنادا عن عمر إلا هذا، وإبراهيم بن يزيد ليس بالقوي، وقد حدث عنه سفيان الثوري وجماعة كثيرة" اهـ. قلت: ورواه في الموطإِ عن نافع عن أسلم مولى عمر: أن عمر به (^١) وأخرجه البيهقي في سننه عن شعيب عن الزهري قال: "وكان ابن عمر يحدث عن عمر: أنه وجد من معاوية ريح طيب وهو بذي الحليفة وهم حجاج فقال عمر: "ممَّن ريح هذا الطيب؟ " قال: "مني، طيبتني أم حبيبة" فقال: "لعمري أُقسم بالله لترجعن إليها حتى تغسله، فوالله لأن أجد من المحرم ريح القطران أحب إلي من أن أجد منه ريح الطيب". قال البيهقي: "يحتمل أنه لم يبلغه حديث عائشة، أو كره ذلك لئلا يغتر به الجاهل فيتوهم أن انتداء الطيب يجوز للمحرم كما قال طلحة في الثوب الممشق" ا هـ. وذكره الحازمي في ناسخه ثم قال: "ولم يبلغ عمر حديث عائشة يعني (طيبت النبي ﷺ فأصبح وإن وبيص المسك في مفارقه) قال: "ولو بلغه لرجع إليه وإذا لم يبلغه فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع" اهـ. ولهذا ذكرت هذا في المستدركات وحديث عائشة
_________________
(١) أي: حدث بهذا الحديث.
[ ٨٢ ]
مقدم لا محالة لأنها نقلت النص، وعمر ﵁ إنما منع استدامة التطيب بالاستنباط من قوله ﷺ: "الحاج الشعث التفل"وسيأتي (^١) إنكارها على ابن عمر مثل ذلك.
(الحديث السادس) (^٢): قال البزار أيضًا حدثنا علي بن نصر ومحمد بن معمر واللفظ له قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن عمر كبر على زينب بنت جحش أربعًا ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ: "من يدخل هذه قبرها؟ " فقلن: "من كان يدخل عليها في حياتها" ثم قال عمر: "كان رسول الله ﷺ يقول: "أسرعكن بي لحوقًا أطولكن يدًا" فكن يتطاولن بأيديهن [وإنما عنى] أنها كانت صناعًا تعين بما تصنع في سبيل الله. قال البزار: "وهذا الحديث روي عن النبي ﷺ من وجوه ولا نعلم رواه عنه أَجلُّ من عمر. ورواه غير واحد عن إسماعيل عن الشعبي مرسلًا وأسنده شعبة" وقوله: ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ عائشة وأصله في العموم (^٣) فلهذا ذكرناه في هذا الباب ا. هـ.
(الحديث السابع): (^٤) روى مسلم عن أنس قال: "كان عمر
_________________
(١) في استدراكاتها على ابن عمر: الحديث الثاني ص ٤١ من المخطوط.
(٢) من هنا حتى آخر الحديث الثامن في استدراك السيدة عائشة على ابن عباس أثبت في الأصل المخطوط آخر الكتاب بعد السماع، وهو في ثماني أوراق بعضها أنصاف، وضعها مجلد المجموعة خطأ في غير موضعها.
(٣) يريد أن كون عائشة من الأزواج اللائي أجبن عمر يسوغ درجه في مستدركاتها عليه.
(٤) قبل هذا شطب المؤلف على ما يلي: الحديث السابع: قال الإمام أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن =
[ ٨٣ ]
يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر" وأخرج أيضًا عن طاووس عن عائشة قالت: "وهم عمر، إنما نهى رسول الله ﷺ أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها". قال ابن عبد البر: وبقول عائشة قال ابن عمر وغيره، وهو مذهب زيد بن خالد الجهني أيضًا لأنه رآه عمر بن الخطاب يركع بعد العصر ركعتين فمشى إليه وضربه بالدرة فقال له زيد: "يا أمير المؤمنين اضرب فوالله لا أدعهما بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يصليهما" فقال له عمر: "يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سلمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما".
(الحديث الثامن): قال البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا يحيى بن نصر، ثنا ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب قال: "لا يحل للمؤمن أن يدخل الحمام إلا بمنديل ولا مؤمنة إلا من سقم، فإني سمعت عائشة تقول: إن رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأة وضعت خمارها في غير بيتها فقد هتكت الحجاب فيما بينها وبين ربها" قال: وهو منقطع.
_________________
(١) = علي البغدادي في استدراكه: ثنا الشريف أبو الغنائم عبد الصمد بن علي الأموي قال: ثنا عيسى بن علي بن عيسى ثنا عبد الله بن محمد البغوي قال ثنا داوود بن عمرو قال ثنا خالد بن زيد عن أبي هرون العبدي قال: قال أبو سعيد الخدري: "كان عمر يضرب عليها رؤوس الرجال" (يعني الصلاة بعد الفجر حتى مطلع الشمس، وبعد العصر حتى مغرب الشمس)، فرأى أبو سعيد بن الزبير يصليها (يعني الصلاة بعد الفجر وبعد العصر)، يعني "فنهيته، فأخذ بيدي فذهبنا إلى عائشة ﵂ فقال لها: "يا أم المؤمنين، إن هذا ينهاني." فقالت: "رأيت رسول الله ﷺ يصليها."
[ ٨٤ ]