(الحديث الأول): أخرج البخاري ومسلم كلاهما من طريق عمرة بنت عبد الرحمن أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة: "أَن عبد الله بن عباس قال: "من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر الهدي". وقد بعثت بهديي فاكتبي لي بأمرك". قالت عمرة: قالت عائشة: "ليس كما قال ابن عباس، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله ﷺ بيدي، ثم قلدها رسول الله ﷺ بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله ﷺ شيء أحله الله له حتى نحر الهدي". وترجم عليه البخاري (باب من قلد القلائد بيده) ولم يذكر فيه (وقد بعثت بهديي فاكتبي إليَّ بأمرك). قال الحافظ أبو الحجاج المياسي ومن خطه نقلت: "هكذا وقع في كتاب مسلم (أن ابن زياد) ووقع في جميع الموطآت: (أن زياد بن أبي سفيان) كما وقع في البخاري". وأخرج البيهقي في سننه عن شعيب قال: قال الزهري: أول من كشف الغمّى عن الناس وبين لهم السنة في ذلك عائشة ﵂: فأخبرني عروة وعمرة أن
[ ٨٧ ]
عائشة قالت: "إني كنت لأفتل قلائد هدي النبي ﷺ فيبعث بهديه مقلدًا وهو مقيم بالمدينة، ثم لا يجتنب شيئًا حتى ينحر هديه" فلما بلغ الناس قول عائشة هذا أخذوا به وتركوا فتوى ابن عباس. قال البيهقي: وروى في هذا المعنى مسروق والأسود عن عائشة. فإن قيل: فقد روي عن جابر خلاف ذلك، قال الطحاوي في معاني الآثار: ثنا ربيع المؤذن: ثنا أسد بن موسى ثنا حاتم بن إسماعيل عن عبد الرحمن بن عطاء بن (^١) أبي لبيبة عن عبد الملك بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: كنت عند النبي ﷺ جالسًا فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبي ﷺ فقال: "إني أمرت ببدني التي بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا وكذا، فلبست قميصي ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصي من ورائي". وكان بعث ببدنه وأقام بالمدينة. فالجواب أن هذا حديث ضعيف لا يقاوم هذا الصحيح. قال البخاري: "عبد الرحمن بن عطاء فيه نظر" وقال الطحاوي: "قد تواترت الآثار عن عائشة بما لم تتواتر عن غيرها بما يخالف حديث جابر، وحديث عائشة إسناده صحيح بلا خلاف بين أهل العلم، ومعه النظر والمعنى.
قلت: ومما يضعف حديث جابر حديث يعلى بن مرة أَن (^٢) النبي ﷺ
_________________
(١) في تهذيب التهذيب: أنه: ابن بنت أبي لبيبة.
(٢) في الأصل: فإن.
[ ٨٨ ]
لم يأمر صاحب الجبة إلا بنزعها. وروى الطحاوي عن يونس ثنا ابن وهب أن مالكًا حدثه عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدَيْر أَنه رأى رجلا متجردًا بالعراق قال فسألت الناس عنه فقالوا: "أَمر بهديه أن يقلد فلذلك تجرد" قال ربيعة: "فلقيت عبد الله بن الزبير فقال: "بدعة ورب الكعبة" قال: ولا يجوز عندنا أن يكون ابن الزبير يحلف على ذلك أنه بدعة إلا وقد علم السنة خلاف ذلك.
(الحديث الثاني): أخرج مسلم عن ابن جريج أخبرني عطاء قال: كان ابن عباس يقول: "لا يطوف بالبيت حاج ولا عن حاج إلا حلّ" فقلت لعطاء: "من أين تقول ذلك؟ " قال: من قوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (^١) قلت: "فإن ذلك بعد الوقوف" قال: كان ابن عباس يقول: "من بعد الوقوف وقبله" وكان يأخذ ذلك من أمر رسول الله ﷺ أصحابه حين أمرهم أن يحلوا من حجة الوداع. قال البيهقي: قد قررنا إن صح الحج كان خاصًّا بهم فلا يقوى الاستدلال، وقد أنكرت عائشة ذلك، وحكت فعل النبي ﷺ أخرجاه في الصحيحين عن عروة عن عائشة، وأنكره عليه (^٢) ابن عمر أيضًا. أخرجه مسلم عن وبرة قال: كنت
_________________
(١) سورة الحج ٢٢ الآية ٣٣.
(٢) أي علي ابن عباس.
[ ٨٩ ]
جالسًا عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: "أيصلح أن أطوف بالبيت قبل أن آتي (^١) الموقف؟ "فقال: "نعم" قال: فإن ابن عباس يقول: "لا تطف بالبيت حتى تأتي الموقف." فقال ابن عمر: "قد حج رسول الله ﷺ وطاف بالبيت قبل أن يأتي الموقف، فبقول رسول الله ﷺ أحق أن تأخذ أو بقول ابن عباس إن كنت صادقًا؟ ".
(الحديث الثالث): أخرجه البيهقي في سننه من جهة عبد الله بن الوليد العدني: ثنا سفيان عن جابر الجعفي عن أبي الضحى: أن عبد الملك أو غيره بعث إلى ابن عباس الأطباء على البرد وقد وقع الماء في عينيه، فقالوا: "تصلي سبعة أيام مستلقيًا" فسال أُم سلمة وعائشة عن ذلك فنهتاه. قال الذهبي في مختصره: "الجعفي ليس بشيء وابن عباس (^٢) كرهه تورعًا، والتداوي مشروع". وقال صاحب الدر النقي: في ذكر عبد الملك هنا نظر، لأنه ولي الخلافة سنة خمس وستين، وكانت وفاة عائشة وأم سلمة قبل ذلك بسنين، اللهم إلا أن يحمل على أن عبد الملك أرسلهم إليها قبل خلافته وفيه بعد، إذ لا يعلم لعبد الملك في زمن عائشة وأم سلمة ولاية تقتضي الإرسال على البرد، قال: "والعدني متكلم فيه" قال أحمد: لم يكن صاحب حديث وكان ربما أخطأ في الأسماء ولا يحتج به. وقال ابن معين: لا أعرفه، لم أكتب عنه شيئًا. وجابر المذكور في
_________________
(١) في الأصل: آت.
(٢) كأنها في الأصل: تكرّهه.
[ ٩٠ ]
مسنده أظنه الجعفي وقد قال البيهقي في موضع: لا يحتج به. وقال الدارقطني: متروك (^١).
وقد روى هذه القصة عن سفيان الثوري من لا نسبة بينه وبين العدني حفظًا وجلالة وهو عبد الرحمن بن مهدي ولم يذكر فيه عبد الملك. قال ابن أبي شيبة في مصنفه: قال ابن مهدي: ثنا سفيان عن جابر عن أبي الضحى أن ابن عباس وقع في عينه الماء فقيل له: "تستلقي سبعًا ولا تصلي إلا مستلقيًا" فبعث إلى عائشة وأُم سلمة يسألهما فنهتاه. وأخرج الحاكم في المناقب من جهة أبي معاوية: ثنا الأعمش عن المسيب بن رافع قال: لما كف بصر ابن عباس أتاه رجل فقال له: "إنك إن صبرت لي سبعًا لم تصل إلا مستلقيًا تومئ إيماء داويتك [و] برأت إن شاء الله فأرسل إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله ﷺ (^٢).
(الحديث الرابع): قال الطبراني في معجمه الوسط: حدثنا علي بن سعيد الرازي: ثنا الهيثم بن مروان الدمشقي: ثنا يزيد بن يحيى بن عبيد: ثنا سعيد بن بشير عن قتادة: حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس: "أن معاوية صلى صلاة العصر ثم قام ابن الزبير فصلى بعدها
_________________
(١) شطب المؤلف بعد هذه الكلمة على السطر الآتي: ولكى للأثر طريق صحيحة أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثني ابن مهدي: ثنا سفيان عن جابر عن أبي الضحى …
(٢) تتمة الرواية: وكلّ يقول: "أرأيت إن مت في هذا السبع كيف تصنع بالصلاة؟ " فترك عينه ولم يداوها. عن المستدرك للحاكم ٣: ٥٤٦ طبع الهند.
[ ٩١ ]
فقال معاوية: "يا بن عباس ما هاتان الركعتان؟ "فقال: "بدعة وصاحبها صاحب بدعة" فلما انفتل قال: "ما قلتما؟ " قال: "قلنا: كيت وكيت" قال: "ما ابتدعت ولكن حدثتني خالتي عائشة" فأرسل معاوية إلى عائشة فقالت: "صدق، حدثتني أم سلمة" فأرسل إلى أم سلمة: "أن عائشة حدثتنا عنك بكذا" فقالت: "صدقت، أتى رسول الله ﷺ ذات يوم فصلى بعد العصر فقمت وراءه فصليت، فلما انفتل قال: ما شأنك؟ قلت: رأيتك يا نبي الله صليت فصليت معك. فقال: إن عاملا لي على الصدقات قدم علي فخفت (^١) عليه"؟ وفي الصحيحين عن كريب مولى ابن عباس أن بن عباس وعبد الرحمن بن أزهر والمسور بن مخرمة أرسلوه إلى عائشة زوج النبي ﷺ وقالوا: "اقرأ عليها¬ السلام منا جميعًا، وسَلْها عن الركعتين بعد العصر وقل: إنا أخبرنا أنك تصلينها، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ نهى عنها" قال ابن عباس: "وكنت أضرِب مع عمر بن الخطاب الناس عنها" قال كريب: فدخلت عليها وبلغتها فقالت "سل أم
_________________
(١) هي في الأصل بغير نقط، وقد رجعنا إلى جميع المظان ووجدنا أحاديث كثيرة في شأن الركعتين بعد العصر، في مسند أحمد أكثر من عشرة مواضع مثلًا (٦/ ٣٠٠،١٢٦) وفي البخاري مثلا في الكتاب ٦٤ الباب ٦٩ وفي مسلم وغيرها وليس في الظاهرية والمكتبات التي في دمشق نسخة عن المعجم الأوسط فنصحح عنها. ومن حديث مسند أحمد ج ٦ ص ٣٠٠: " … ركعتان كنت أركعهما بعد الظهر فشغلني قسم هذا المال حتى جاءني المؤذن بالعصر فكرهت أن أدعهما" ثم وجدت مسند ابن عباس في المجلد الثالث من المعجم الكبير للطبراني (مخطوط في الظاهرية رقمه ٢٨٣ - حديث) فسردته كله متحريًا فلم أجد عبد الله بن الحارث يروي عن ابن عباس إلا عشرة أحاديث ليس حديثنا هذا بينها. وفي الأصل بعد قوله (فخفت عليه) إشارة إلى هامش، فالظاهر أن المؤلف كان ينوي أن يشرح أو يكمل ثم نسي.
[ ٩٢ ]
سلمة" فذكر نحو ما سبق إلا أنه قال: إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان.
وأخرج الترمذي من جهة عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "إنما صلى النبي علم الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد لهما" وقال: حديث حسن. ويعارضها في الصحيحين عن عروة: قالت عائشة: "يا ابن أختي ما ترك النبي ﷺ السجدتين (^١) بعد العصر عندي قط".
(الحديث الخامس): أخرج أبو داوود وابن ماجه في سننهما من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس قال: "كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب نجرانية، الحلة ثوبان وقميصه الذي مات فيه". قال الذهبي في مختصر سنن البيهقي: "يزيد فيه لين، ومقسم صدوق ضعفه ابن حزم" ا هـ.
أعله المنذري بيزيد قال: وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقال غير واحد من الأئمة: إنه لا يحتج بحديثه. قلت: وقد خالفه ابن أبي ليلى. فأخرج البيهقي في سننه من جهة قبيصة: ثنا سفيان عن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "كفن رسول الله ﷺ في ثوبين أبيضين وبُرد حِبَرة" قال البيهقي: "كذا رواه محمد بن عبد
_________________
(١) البخاري ١: ٧٦ باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر .. وفي تيسير الوصول ٣: ٢٩٥ عن عائشة رضي ﵂ قالت: "ما كان رسول الله ﷺ يأتيني في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين" وفي رواية: "ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط" أخرجه الخمسة إلا الترمذي.
[ ٩٣ ]
الرحمن بن أبي ليلى". قال الذهبي: "وليس بقوي" وقد روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة" أخرجه الأئمة: الستة في كتبهم. قال البيهقي وقد بينت عائشة ﵂ أن الاشتباه في ذلك على غيرها: فأخرج مسلم من جهة هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسُف ليس فيها قميص ولا عمامة، فأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنها اشتريت له حلة ليكفن فيها فتركت الحلة فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: "لأحبسنَّها لنفسي حتى أُكفَّن فيها" ثم قال: "لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها" فباعها وتصدق بثمنها". وفي رواية: "أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية". وأخرج مسلم أيضًا عن هشام عن أبيه قال: فقيل لعائشة: "إنهم يزعمون أنه قد كان ﵇ كفن في برد حِبَرة" قالت: قد جاؤوا ببُرد حِبَرة ولم يكفنوه" وأخرجه البيهقي عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي: حدثني الزهري عن القاسم عن عائشة قالت: "أُدرج رسول الله ﷺ في برد حبَرة، ثم أُخذ عنه" قال القاسم: "إن بقايا ذلك الثوب عندنا بعد" قال البيهقي: هذا الثوب الثالث وأما الحلة فتصدق بثمنها عبد الله وهي ثوبان. اهـ.
(الحديث السادس): إنكارها عليه الرؤية: أخرج الترمذي في التفسير من جهة مسلم بن جعفر هو البغدادي عن الحكم بن أبان عن
[ ٩٤ ]
عكرمة: قال ابن عباس: "رأَى محمد ربه" فقلت "أليس الله يقول: (لا تُدْرِكهُ الأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار" (^١)؟ فقال: "ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذي هو نوره، قد رأى ربه مرتين" وقال: حسن غريب. قال شيخنا عماد الدين بن كثير: "مسلم بن جعفر ليس بذاك المشهور، والحكم بن أبان وثقه جماعة" وقال ابن المبارك: "ارم به" اهـ.
قلت: وأخرج الحاكم في مستدركه من جهة معاذ بن هشام: حدثني أبي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال: "أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد ﷺ؟ " ثم قال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. وله شاهد صحيح عن ابن عباس في الرؤية. ثم ساقه من جهة إسماعيل بن زكريا عن عاصم عن الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس قال "رأي محمد ربه" وله شاهد آخر صحيح الإسناد ثم ساقه عن يزيد بن هارون: أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس قال: "قد رأى محمد ﷺ ربه" وعن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: "رآه مرتين" ثم قال الحاكم: قد اعتمد الشيخان في هذا الباب أخبار عائشة بنت الصديق وأبي بن كعب وابن مسعود وأبي ذر: "أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ﵇" وهذه الأخبار التي ذكرتها صحيحة. اهـ. وقد أخرج البخاري من حديث القاسم عن عائشة قالت: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته وخلقه سادًّا ما بين الأفق". وفي الصحيحين من حديث مسروق
_________________
(١) سورة الأنعام ٦، الآية ١٠٣.
[ ٩٥ ]
قلت لعائشة: "يا أمتاه هل رأى محمد ربه؟ " فقالت: "لقد قفَّ شعري
مما قلت، من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب ثم قرأت:
﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^١) ولكنه
رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين" وفي رواية:
"مَن زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية" فقلت:
"يا أم المؤمنين أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (^٢)، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (^٣) فقالت: أنا أول هذه
الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض" وقالت: "أولم تسمع أن الله ﷿ يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِك الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخبير﴾ (١) أولم تسمع أن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (^٤) قلت: وهذا قاطع في هذه المسألة إذ صرحت فيه بالدفع. ونقل عن ابن خزيمة أنه قال في كتاب التوحيد له: "إنه ﷺ إنما خاطب عائشة على قدر عقلها" ثم أخذ يحاول تخطئتها وليس كما قال، فقد جاء عن غيرها ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ منهم ابن مسعود، رواه محمد بن جرير الطبري في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي
_________________
(١) سورة الانعام ٦، الآية ١٠٣
(٢) سورة التكوير ٨١، الآية ٢٣
(٣) سورة النجم ٥٣، الآية ١٣
(٤) سورة الشورى ٤٢، الآية ٥١
[ ٩٦ ]
الشوارب، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا سليمان الشيباني، ثنا زر بن حبيش قال: "قال عبد الله بن مسعود في هذه الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدنى﴾ (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت جبريل له ستمائة جناح"، وأخرجه ابن حبان في صحيحه. وفي كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي: قال أبو مسعود في الأطراف في حديث عبد الواحد ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (^٢) قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت جبريل في صورته له ستمائة جناح" قال الحميدي: وليس ذلك كما رأيناه من النسخ ولا ذكره البرقاني فيما خرجه على الكتابين. ومنهم أبو ذر؛ قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عفان ثنا هشام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: "لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته"، قال (^٣): "وما كنت تسأله؟ " قلت: "كنت أسأله: هل رأى ربه ﷿؟ "فقال: "إني سألته فقال: قد رأيته نورًا أَنَّى أراه" وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ "رأيت نورًا" ثم قال: "معناه أنه لم ير ربه، ولكن رأى نورا علويًا من الأنوار المخلوقة". اهـ.
هكذا وقع في رواية الإمام أحمد. وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين: أحدهما قال: "رأيت نورًا أنى أراه" والثاني قال: "رأيت نورا". وهو مصرح بنفي الرؤية إذ لو أراد الإثبات لقال "نعم" أو
_________________
(١) سورة النجم ٥٣، الآية ٩
(٢) سورة النجم ٥٣ الآية ١٣
(٣) في الأصل: قلت. والتي بعدها: قال. وهو سهو محْل بسياق الحديث.
[ ٩٧ ]
"رأيته" ونحو ذلك وهو يردُّ قول ابن خزيمة: (أن الخطاب وقع لعائشة على قدر عقلها) ولهذا لم يجد ابن خزيمة عنه ملجأ إلا أنه كان يدعي انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وأبي ذر (^١) فقال: "في القلب من صحة مسند هذا الخبر شيء" لم أر أحدا من علماء الأثر نظر لعلة في إسناده قال: عبد الله بن شقيق راوي الحديث كأنه لم يكن يثبت أبا ذر ولا يعرفه بعينه واسمه ونسبه، قال: لان أبا موسى محمد بن المثنى حدثنا عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن عبد الله بن شقيق. قال: "أتيت المدينة فإذا رجل قائم على غرائر سود يقول: ألا ليبشر أصحاب الكنوز بِكَي في الحياة والممات، فقالوا: هذا أبو ذر" فكأنه لا يثبته ولا يعلم أنه أبو ذر. وقال بعض العلماء في هذا الحديث: قد أجمعنا على أنه ليس بنور، وخطأنا المجوس في قولهم: هو نور، والأنوار أجسام والباري سبحانه ليس بجسم. والمراد بهذا الحديث أن حجابه النور، وكذلك روي في حديث أبي موسى، فالمعنى: كيف أراه وحجابه النور؟ ومن أثبت رؤية النبي ﷺ ربه فإنما يثبت ليلة المعراج، وأسلم أبو ذر بمكة (^٢) قادمًا قبل المعراج ثم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأُحُد والخندق ثم قدم المدينة بعد ذلك، فيحتمل أنه سأل النبي ﷺ وقت إسلامه:
_________________
(١) هنا شطب المؤلف على ما يلي: وأنى له ذلك وأما ابن الجوزي فأوله على أن أبا ذر لعله سأل رسول الله ﷺ قبل الإسراء فأجابه بما أجابه، ولو سأله بعد الإسراء لأجابه بالإثبات. وهذا ضعيف فإن عائشة أم المؤمنين قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يُثبت لها الرؤية.
(٢) قادمًا، أقرب الكلمات إلى صورة الأصل.
[ ٩٨ ]
"هل رأيت ربك؟ " وما كان عُرج به بعد فقال: "نور، أَنَّى أَراه؟ ". أي النور يمنع من رؤيته. وقد قال بعد المعراج في رواية ابن عباس: "رأيت ربي" ا هـ. وهذا ضعيف، فإن عائشة أم المؤمنين قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يثبت لها الرؤية. وأما قول الإمام أحمد: "ما زلت منكرًا لهذا الحديث وما أدري ما وجهه" فقال بعض الأئمة: لا نعرف معنى هذا الإنكار وقد صح ذلك عن أبي ذر وغيره. وللكلام على الحديث موضع آخر قد بسطته فيه، ورددت ما حرَّفه بعض النقَلَة في لفظه والله ﷾ أعلم.
(الحديث السابع): إحالته معرفة الوتر عليها. أخرجه مسلم في صحيحه عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفي عن سعد بن هشام: أنه طلق امرأته فأتى المدينة ليبيع بها عقارًا له، فيجعله في السلاح والكراع، فذكر الحديث وأنه لقي ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: "ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ" قال: "نعم" قال "عائشة"، إيتها فسلها ثم ارجع إليَّ فأخبرني بردها عليك" قال: فأتيت (^١) حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها فقال: "ما أنا بقاربها، إني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا فأبت فيهما إلا مضيًا فيه" فأقسمت عليه فجاءَ معي فدخل عليها فقال: "يا أُم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ فقالت: "كنا نُعِدُّ له سواكه وظهوره فيبعثه الله بما شاء أن يبعثه من
_________________
(١) في الأصل: علي بن حكيم بن أفلح، ولم نجد في كتب رجال الحديث أحدًا بهذا الاسم وإنما هو حكيم بن أفلح كما في (تهذيب التهذيب) و(لسان الميزان). والحديث مذكور في مسند أحمد واسم الرجل فيه كما أثبتناه.
[ ٩٩ ]
الليل فيتسوك ويتوضأُ، ثم يصلي ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة فيجلس ويذكر الله ويدعو، ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة فيقعد فيحمد الله ويصلي على النبي ﷺ ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني، فلما أسن وأخذ اللحم أوتر بسبع وصلى ركعتين وهو جالس بعدما سلم، فتلك تسع ركعات يا بني" وفي رواية له "وسلم تسليمًا يسمعنا". وقد اختلفت الأحاديث ولا سيما الأحاديث عن عائشة ﵂ في عدد الوتر وفي صحيح مسلم عنها: "كان رسول الله ﷺ يصلي في الليل ثلاث عشرة يوتر من ذلك بخمس" وروى أبو داوود: "لم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة "فقيل: الاختلاف منها، وقيل: هو من الرواة عنها. ووجه الاختلاف فيها بحسب اختلاف أحواله ﷺ من اتساع الوقت أو ضيقه وبحسب طول القراءة كما جاء في حديث حذيفة وابن مسعود. أو عذره بمرض أو غيره، أو في بعض الأوقات عند كبر السن كما روته ورواه أيضًا خالد بن زيد. أو وجه الثلاث عشرة أنها عدت معها (^١) ركعتي الفجر كما بين أبو داوود ذلك في رواية له عنها.
(الحديث الثامن): ردت على ابن عباس قراءته قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنهم قَدْ كذبوا﴾ (^٢) بالتخفيف (^٣). فأخرج البخاري في
_________________
(١) في الأصل: معه
(٢) سورة يوسف ١٢، الآية ١١٠
(٣) هنا شطب المؤلف على ما يلي: قاله أبو الفرج بن الجوزي: ففي البخاري: قالت عائشة ﵂: "لم يزل =
[ ١٠٠ ]
التفسير عن ابن أبي مليكة قال ابن عباس: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ (٢) وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة ذهب بها هنالك وتلا ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ (^١) فلقيت عروة بن الزبير فذكرت له ذلك فقال: "قالت عائشة: معاذ الله، والله ما وعد الله رسوله في شيء قط إلا علم أَنه كائن قبل أن يموت ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم فكانت تقرؤُها ﴿كُذِّبُوا﴾ مثقلة (^٢).
_________________
(١) = البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم يكذبونهم" وكانت تقرؤها مثقلة، وذكر لها أن ابن عباس قرأها مخففة وتلا (متى نصر الله .. الآية) فقالت: (معاذ الله، ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يموت ولكن لم يزل .. إلى آخره).
(٢) سورة البقرة ٢ الآية ٢١٤.
(٣) آخر الأوراق الثماني المنزوعة من موضعها إلى آخر الرسالة.
[ ١٠١ ]