(الحديث الأول): إنكارها عليه بطلان الصوم بالجنابة: أَخرج مسلم عن ابن جريج عن عبد الملك بن أَبي بكر بن عبد الرحمن عن أَبي بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت أَبا هريرة يقص [و] يقول في قصصه: "من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم" قال فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث، فذكره لأَبيه فأَنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأُم سلمة، فسأَلها عبد الرحمن عن ذلك فقال: فكلمناها (^١) قالت: "كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير طهر ثم يصوم" فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن فقال مروان: "عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أَبي هريرة فرددت عليه ما يقول" قال: فجئنا أَبا هريرة وأَبو بكر حاضر ذلك كله، فذكر له عبد الرحمن فقال أَبو هريرة: (أَهما قالتاه لك؟ " قال: "نعم"، قال: "هما أَعلم" ثم رد أَبو هريرة ما
_________________
(١) كذا بلا حرف عطف.
[ ١١٢ ]
كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، قال أَبو هريرة: "سمعت ذلك من الفضل ولم أَسمع من النبي ﷺ " قال: فرجع أَبو هريرة عما كان يقول من ذلك؟ قال البزار في مسنده: "ولا ولا نعلم روى أَبو هريرة عن الفضل بن العباس إلا هذا الحديث الواحد" ا هـ. وفي لفظ: فقال أَبو هريرة: "لا علم لي بذلك، إنما أَخبرني مخبر.".
قال البيهقي: ورواه البخاري مدْرجًا في روايته عن أَبي اليمان عن شعيب عن الزهري عن أَبي بكر بن عبد الرحمن، إلا أَنه قال في حديثه: "فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس وهو أَعلم، وروى أَنه قال: "أَخبرني بذلك أُسامة بن زيد" أَخرجه النسائي في سننه وقد صح رجوعه عن ذلك صريحًا كما سبق. وأَخرج البيهقي في سننه عن ابن أَبي عروبة عن قتادة عن ابن المسيب: "أَن أَبا هريرة رجع عن قوله قبل موته" وروى مثله عن عطاء ثم قال: قال ابن المنذر: أَحسن ما سمعت في هذا أَن يكون ذلك محمولا على النسخ، وذلك أَن الجماع كان في أَول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أَباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أَصبح قبل أَن يغتسل، أَن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر، وكان أَبو هريرة يفتي بما سمعه من الفضل على الأَمر الأَول، ولم يعلم بالنسخ فلما سمع من عائشة وأُم سلمة صار إليه ا هـ.
وجواب ثان: وهو حمله على من طلع الفجر [عليه] هو يجامع فاستدام.
[ ١١٣ ]
و[جواب] ثالث: أَنه إرشاد إلى الأَفضل وهو الاغتسال قبل الفجر، وتركه ﵇ لذلك في حديث عائشة وأُم سلمة، لبيان الجواز.
واعلم أَنه وقع خلاف في ذلك للسلف أَيضًا، ثم استقر الإجماع على صحة صومه كما نقله ابن المنذر وكذلك الماوردي في الاحتلام، فعن طاووس وعروة النخعي: التفصيل بين أَن يعلم فإنه مبطل، وإلا فلا. وعن الحسن البصري: الفصل بين صوم التطوع، محرم دون الفرض. وقيل: يصوم ويقضيه وحكي عن سالم بن عبد الله. وفي معجم الإمام أَبي بكر الإسماعيلي: قال سفيان: كان إبراهيم النخعي يقول: "من يدركه الصبح وهو جنب يفطر"، قال يحيى بن آدم: ثم جعل سفيان يتعجب من قول إبراهيم، فقال له حفص بن غياث: "لعل إبراهيم لم يسمع حديث النبي ﷺ: أَنه كان يدركه الصبح وهو جنب" يعني (ثم يصوم) قال سفيان: "بلى ثنا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به" ا هـ.
(الحديث الثاني): قال أَبو داوود الطيالسي في مسنده حدثنا محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أَبا هريره يقول: قال رسول الله ﷺ "الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأَة والفرس" فقالت عائشة: "لم يحفظ أَبو هريرة، إنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأَة والفرس. فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله" ومحمد بن راشد وثقه أحمد وغيره، ولكن الشك في الواسطة بين مكحول وعائشة
[ ١١٤ ]
وقد قال ابن أَبي حاتم في المراسيل: "ثنا أَبي قال سأَلت أَبا مسهر: "سمع مكحول من أَحد أَصحاب النبي ﷺ؟) قال "ما صح عندنا إلا أَنس بن مالك" قلت: "واثلة؟ " فأَنكره ا هـ.
وقد جاءَ الإنكار على وجه آخر: قال الإمام أَحمد في مسنده: حدثنا روح ثنا سعيد عن قتادة عن أَبي حسان: رجلين دخلا على عائشة فقالا: " إن أَبا هريرة يحدث أَن نبي الله ﷺ كان يقول: "إنما الطيرة في المرأَة والدابة والدار " قال: فطارت شِقّة منها في السماء وشِقّة منها في الأَرض (^١) وقالت: "والذي أَنزل القرآن على أَبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله ﷺ يقول: كان أَهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأَة والدابة والدار. ثم قرأَت عائشة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ الآية) (^٢) وأَبو حسان اسمه مسلم الأَجرد يروي عن ابن عباس وعائشة. قال بعض الأَئمة: ورواية عائشة في هذا أَشبه بالصواب إن شاءَ الله لموافقته نهيه ﵊ عن الطيرة نهيًا عامًا، وكراهتها وترغيبه في تركها بقوله: "يدخل الجنة سبعون يدخل الجنة سبعون أَلفًا بغير حساب وهم الذين لا يكتوون ولا يسترْقُون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" واستدراكها على أَبي هريرة في هذا من جنس استدراكها على ابن عمر في
_________________
(١) الشقة: القطعة المشقوقة، وهذا مبالغة في التعبير عن الغضب والغيظ (يقال: قد انشق فلان من الغضب كأنه امتلأ باطنه به حتى انشق) - لسان العرب.
(٢) سورة الحديد ٥٧، الآية ٢٢.
[ ١١٥ ]
البكاء على الميت، بمعنى أَن ذلك كان في واقعة خاصة لا على العموم فإن قيل: فإن غيرها من الصحابة يروي الإثبات وعائشة نافية، والإثبات مقدم على النفي، ولهذا قال ابن عبد البر بعد هذا: "وأَهل العلم لا يرون الإنكار علمًا ولا النفي شهادة ولا خبرا" وقد أَخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر بأَلفاظ، ومنها: أَن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأَة والفرس والدار" وأَخرجاه أَيضًا من حديث سهل بن سعد وأَخرجه مسلم عن جابر. وقال الترمذي بعد أَن أَخرج حديث ابن عمر، وفي الثاني عن سهل بن سعد وعائشة وأَنس: قلنا: ليس هذا من باب تعارض النفي والإثبات، بل من باب الزيادة المفيدة في الحكم فتقبل باتفاق. لكن كلام الترمذي يقتضي أَن عائشة روته أَيضًا، فعلى هذا روايتها مع الجماعة أَولى من روايتها على الانفراد كما رجحوا بذلك في مواضع. على أَنه قد جاءَ عن أَبي هريرة خلاف ما سبق، قال أَحمد في مسنده: حدثنا خلف بن الوليد ثنا أَبو معشر عن محمد بن قيس قال: سئل أَبو هريرة: "هل سمعت من رسول الله ﷺ: الطيرة في ثلاث في المسكن والفرس والمرأَة؟ " قال: "فكنت إذن أَقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَصدق الطيرة الفأْل، والعين حق.
وأَما ابن الجوزي في المشكل فأَنكر على عائشة هذا الرد وقال: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها." والصحيح أَن المعنى:
[ ١١٦ ]
إن خيف من شيء أَن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءَم به، فهذه الأَشياءُ لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأَسباب تأْثيرا. وقال الخطابي: "لما كان الإنسان في غالب أَحواله لا يستغني عن دار يسكنها، وزوجة يعاشرها، وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه، أُضيف اليمن والشؤم إلى هذه الأَشياء إضافة محل وظرف، وإن كانا صادرين عن قضاء الله." قال: وقد قيل: "إن شؤم المرأَة أَلَّا تلد وشؤم الفرس أَلَّا يحمل عليها في سبيل الله وشؤم الدار سوءُ الجوار."
(^١) (الحديث الثالث): قال أَبو بكر البزار في مسنده: حدثنا هلال بن بشر: ثنا سهل بن حماد قال: ثنا أَبو عامر الجزار، وثناه محمد بن معمر قال: ثنا عثمان بن عمر قال: ثنا أَبو عامر الجزار عن سيّار عن الشعبي عن علقمة قال: قيل لعائشة رحمة الله عليها: "إن أَبا هريرة يروي عن النبي ﷺ: أَن امرأَة عذبت في هرة" قال: فقالت عائشة: "إن المرأَة كانت كافرة" قال: "ولا نعلم روى علقمة عن أَبي هريرة إلا هذا الحديث"، وأبو عامر الجزار صالح بن رستم قال فيه أَحمد بن حنبل: "صالح الحديث."
ورواه أَبو محمد قاسم بن ثابت السرْقسطي في كتاب غريب الحديث:
_________________
(١) ص ٥٣ فيها: السابع - قال ابن خيثمة في تاريخه الكبير: حدثنا العدوي: قال: ثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عبد الله يعني ابن عمر أَنه أرسل إلى عائشة فسألها (أيقبل الصائم؟) فقالت: كان. . ثم ترك المؤلف الصفحة فارغة، عادلًا عما كتب. لتقدم مثله في ص ٤٥ من الأصل المخطوط: الحديث السادس.
[ ١١٧ ]
نا محمد بن جعفر قال: نا أَبو أَحمد محمود بن غيلان المروزي: نا أَبو داوود الطيالسي قال: نا أَبو عامر صالح بن رستم قال: نا سيّار أَبو الحكم عن الشعبي عن علقمة بن قيس قال: "كنا عند عائشة ومعنا أَبو هريرة فقالت: "يا أَبا هريرة أَنت الذي تحدث عن رسول الله ﷺ: "أَن امرأة عذبت بالنار من جرى (^١) هوة لا هي أَطعمتها ولا سقتها ولا هي تركتها تأْكل من خشاش الأَرض شيئًا حتى ماتت؟ " قال أَبو هريرة: "سمعته من رسول الله ﷺ"، قالت عائشة: المؤمن أَكرم عند الله من أَن يعذبه من جرّى هرة، أَي إن المرأَة مع ذلك كانت كافرة؛ يا أَبا هريرة إذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث" قولها من جرّى هرة تعني من أجلها. اهـ
(الحديث الرابع): قال الحاكم في مستدركه في كتاب العتق: أَخبرنا أَبو بكر أَحمد بن إسحاق: أَنا محمد بن غالب: ثنا الحسن بن عمر بن شفيق: ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة قال: بلغ عائشة أَن أَبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" وأَن رسول الله ﷺ قال: "ولد الزنى شر الثلاثة" و"إن الميت يعذب ببكاء الحي" فقالت عائشة: رحم الله أَبا هريرة أَساءَ سمعًا فأَساءَ إجابة: أَما قوله: "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" فإنها (^٢) لما نزلت (^٣) ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ
_________________
(١) من جرى: من أجْل
(٢) في الأصل: أنها.
(٣) سورة البلد ٩٠/ ١١ - ١٣.
[ ١١٨ ]
رَقَبَةٍ﴾ قيل: "يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا أَن أَحدنا له الجارية السوداءُ تخدمه وتسعى عليه، فلو أَمرناهُن فزنين فجئن بأَولاد فأَعتقناهم." فقال رسول الله ﷺ "لأَن أُقنَّع بسوط في سبيل الله أَحب إليَّ من أَن آمر بالزنى ثم أُعتق الولد"، وأَما قوله: "ولد الزنى شر الثلاثة" فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ فقال: "من يعذرني من فلان؟ " قيل: "يا رسول الله إنه مع ما ما به ولد زني" فقال: "هو شر الثلاثة" والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وأَما قوله: "إن الميت يعذب ببكاء الحي" فلم يكن الحديث على هذا ولكن رسول الله ﷺ مرّ بدار رجل من اليهود قد مات وأَهله يبكون عليه، فقال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١). قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وعن الحاكم: أَخرجه البيهقي في سننه في كتاب الأَيمان في باب عتق ولد الزنى، ثم قال: "وسلمة الأَبرش يروي مناكير". قال الذهبي في مختصره: هو مختلف فيه، وقد وثقه أَبو داوود. قال البيهقي: وروي عن أَبي سليمان الشامي برد بن سنان عن الزهري عن عائشة في إعتاق ولد الزنى. وأَخرج عن سفيان عن هشام عن أَبيه عن عائشة قالت في ولد الزنى: "ليس عليه من وزر أبويه شيء، لَا تَزِرُ وازِرةٌ وزر أُخْرى"، قال: وروي مرفوعًا ولم يصح. ثم أَخرج عن إسحاق السلولي: ثنا إسرائيل عن إبراهيم عن محمد بن قيس عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "ولد
_________________
(١) سورة البقرة ٢/ ٢٨٦.
[ ١١٩ ]
الزنى شر الثلاثة إذا عمل بعمل أَبويه" وقال: ليس بالقوي. وقد روي مثله بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس. وقال صاحب الاستذكار: قد أَنكر ابن عباس على من روى في ولد الزنى "أَنه شر الثلاثة" وقال: "لو كان شر الثلاثة ما استؤني بأُمه أَن ترجم حتى تضعه" رواه ابن وهب عن معاوية بن صالح عن علي بن أَبي طلحة عن ابن عباس، وقد ذكرناه في التمهيد بإسناده. وقال في باب حد الزنى: وقول أُم سلمة: "يا رسول الله أَنهلك وفينا الصالحون؟ " قال: "نعم إذا كثر الخبث" الخبث في هذا الحديث عند أَهل العلم أولاد الزنى وإن كانت اللفظة محتملة لذلك ولغيره. هذا لفظه وهو غريب.
وأَخرج النسائي من حديث شعبة عن منصور عن سالم عن نبيط بن شريط عن جابان عن عبد الله بن مسعود: أَن رسول الله د: أَن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة ولد زنية". وأَخرجه ابن حبان في صحيحه. قال الحافظ أَبو الحجاج المزي في الأَطراف: قال البخاري: لا يعرف لجابان سماع من عبد الله ولا لسالم من جابان ولا نبيط قال: وقد روى عن عبد الله بن عمرو قوله.
(الحديث الخامس): قال الطبراني في الأَوسط: حدثنا علي بن سعيد الرازي، ثنا عبد الله بن أَبي رومان الإسكندراني، ثنا عيسى بن واقد، نا محمد بن عمرو عن أَبي سلمة عن أَبي هريرة: أَن رسول الله ﷺ قال: "مَن لم يوتر فلا صلاة له" فبلغ ذلك عائشة فقالت: "مَنْ سَمع هذا من أَبي القاسم ﷺ؟ ما بَعُدَ الْعَهْد وما نسينا، إنما قال أَبو القاسم ﷺ:
[ ١٢٠ ]
"من جاءَ بصلوات الخمس يوم القيامة حافَظ على وُضوئها ومواقيتِها وركوعها وسجودها لم ينتقص منهن شيئًا، كان له عند الله عهد أَلَّا شاء يعذبه، ومن جاءَ وقد أَنقص منهن شيئًا، فليس له عهد عند الله، إن رحمه وإن شاءَ عذَّبه" ثم قال: لم يروه عن محمد بن عمرو إلا عيسى، تفرد به عبد الله بن أَبي رومان.
(الحديث السادس): قال الحافظ أَبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه في النوع التاسع والمئة من القسم الثاني: أَخبرنا عمر بن محمد الهمداني، ثنا أَبو الطاهر بن السرح، ثنا ابن وهب قال: أَخبرني يونس عن ابن شهاب أَن عروة بن الزبير حدثه أَن عائشة قالت: "ألا يعجبك أَبو هريرة جاءَ فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ، يسمعني ذلك وكنت أُسبِّح فقام قبل أَن أَقضي سبحتي، ولو أَدركته لرددت عليه: أَن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم". قال أَبو حاتم: قول عائشة: "لرددت عليه " أَرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه، وترجم عليه ما يستحب للمرء من ترك سرد الأَحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها. أَخرجه مسلم في الصحيح في الفضائل عن حرملة بن يحيى: ثنا ابن وهب به سندًا ومَتنًا.
(الحديث السابع): ذكر أَبو منصور البغدادي بإسناده إلى أَبي عروبة الحسين بن محمد الحراني قال: ثنا جدي عمرو بن أَبي عمرو قال: ثنا أَبو يوسف يعقوب بن إبراهيم مولى الأَنصار قال: ثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أَبي هريرة:
[ ١٢١ ]
أَنه قال: "مَنْ غَسَّلَ ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأَ" فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت: "أَو نجس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حمل عودًا؟)، واعلم أَن جماعة من الصحابة رووا هذا الحديث ولم يذكروا فيه الوضوء من حمله، منهم عائشة. أَخرجه أَبو داوود، ومنهم حذيفة: أَخرجه البيهقي، وهو يقوي إنكار عائشة. لكن قال البيهقي: "الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أَبي هريرة غير قوية، لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم" والصحيح أَنه موقوف على أَبي هريرة.
(الثامن): قال أَبو عروبة أَيضًا: حدثنا جدي عمرو بن أَبي عمرو قال، ثنا أَبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قال، ثنا الكلبي عن أَبي صالح عن أَبي هريرة قال: "لأنْ يمتلئَ جوف أَحدكم قيْحًا ودمًا خير له من أَن يمتلئَ شعرًا) فقالت عائشة ﵂: "لم يحفظ الحديث، إنما قال رسول الله ﷺ: "لأَن يمتلئَ جوف أَحدكم قيحًا ودمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيتُ به" وقد أَخرج الشيخان حديث أَبي هريرة من جهة الأَعمش عن أَبي صالح عنه. وأَخرجه مسلم من حديث سعد بن أَبي وقاص، وأَخرجه البزار من حديث عمر.
قلت: وقد تابع عائشة على رواية هذه الزيادة جابر بن عبد الله، أَخرجه أَبو يعلى الموصلي في مسنده من جهة أَحمد بن محرز الأَزدي عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا بلفظ: "خير له من أَن ممتلئَ شعرًا هجيت به" قال السهيلي في الروض: وذكر ابن وهب في جامعه: "أَن عائشة ﵂ تأَولت هذا الحديث في الأَشعار التي هُجِي بها النبي ﷺ
[ ١٢٢ ]
وأَنكرت قول مَن حمله على العموم في جميع الشعر" قال السهيلي: "وإذا قلنا بذلك فليس في الحديث إلا عيب: "امتلأَ الجوف منه" وأَما رواية اليسير على جهة الحكاية والاستشهاد على اللغة فلم يدخل في النهي. " قال: وقد رد أَبو عبيدة على من تأَول الحديث في الشعر الذي هُجي به النبي ﷺ وقال: "رواية نصف بيت من ذلك الشعر حرام فكيف يخص امتلاء الجوف منه بالدم؟ قال السهيلي: "وعائشة أعلم منه، فإن البيت والبيتين والأَبيات من تلك الأَشعار على جهة الحكاية، بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله ﷺ، لا فرق" وجعل ذلك عذرا لابن إسحاق في ذكر بعض أَشعار الكَفَرة من الهجو. انتهى. والصواب: تحريم حكاية هجو النبي ﷺ قليله وكثيره، والحديث لعله خرج على من امتلأَ بذلك، فلا يكون له مفهوم في عدم ذم القليل. وأيضًا فالمحذور في الكثير موجود في القليل بعينه، فتاويل عائشة مستقيم إن شاءَ الله ولا يرد ما فهمه أَبو عبيدة ولا السهيلي.
(التاسع): أَخرج مسلم والنسائي عن شريح بن هاني عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءه" قال شريح: فأَتيت عائشة فقلت: "يا أُم المؤمنين سمعت أَبا هريرة يذكر عن رسول الله ﷺ حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا "فقالت: إن الهالك من هلك، وما ذاك؟ [قلت] قال: "قال رسول الله ﷺ: من أَحبَّ لقاءَ اللهُ أَحبَّ الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ اللهِ كره الله لقاءَه. وليس منا أَحد إلا وهو يكره الموت فقالت: "قد
[ ١٢٣ ]
قاله رسول الله ﷺ، ولكن ليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شخص البصر وحشرج الصدر واقشعر الجلد ونشنجت الأَصابع، فعند ذلك من أَحبَّ لقاءَ اللهِ أَحب اللهُ لقاءَه ومن كره لقاءَ اللهِ كرهَ اللهُ لقاءَه" وأَخرجه الدارقطني من جهة محمد بن فضيل قال: ثنا عطاءُ بن السائب عن مجاهد عن أَبي هريرَة قال: قال رسول الله ﷺ إذا أَحبَّ العبدُ لقاءَ اللهِ أَحبَّ اللهُ لقاءَه، وإذا كرهَ العبدُ لقاءَ وإذا كره الله لقاءَه" فذكر ذلك لعائشة فقالت: "يرحمه الله حدثكم بآخر الحديث ولم يحدثكم بأَوله" قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ "إذا أَراد الله بعبدٍ خيرًا بعث إليه ملكًا في عامه الذي يموت فيه فيسدده ويبشره، فإذا كان عند موته أَتى ملك الموت فقعد عند رأَسه فقال: أَيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان وتتهوع (^١) نفسه رجاءَ أَن تخرج، فذلك حين يحب لقاءَ الله الله لقاءَه. وإذا أراد بعبد شرًا بعث إليه شيطانًا في عامه الذي يموت فيه فأَغواه فإذا كان عند موته أَتاه ملك الموت فقعد عند رأَسه فقال: أَيتها النفس اخرجي إلى سخط من الله وغضب فتفرق في جسده فيسترطه (^١)، فذاك حين يبغض لقاءَ الله ويبغض الله لقاءَه" غريب من حديث مجاهد عن أَبي هريرة وعائشة، تفرد به عطاء بن السائب عنه قال الدارقطني ولا أعلم حدث به عنه غير ابن فضيل. قلت: وقد احتج به الشيخان.
(العاشر): روى أَبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي البغوي حدثنا عبيد الله بن عمر قال: ثنا خالد بن الحارث قال: ثنا عبيد الله بن
_________________
(١) تهوّع القيء: تكلفه - القاموس. وهاع قاء بلا تكلف. ويسترطه: يبتلعه.
[ ١٢٤ ]
عمر عن القاسم بن محمد قال: بلغ عائشة ﵂ أَن أَبا هريرة يقول: "إن المرأَة تقطع الصلاة" فقالت: "كان رسول الله ﷺ يصلي فتقع رجلي بين يديه أَو بحذائه فيصرفها فأَقبضها".
(الحادي عشر): روى الشيخان عن أَبي هريرة أَن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشين أَحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا أَو ليخلعهما" وروى مسلم عن جابر نحوه. قال ابن عبد البر في الاستذكار: حديث أَبي هريرة وحديث جابر صحيحان ثابتان، وقد روى عن عائشة رحمها الله معارضة لحديث أَبي هريرة في هذا الباب [و] لم يلتفت أَهل العلم إلى ذلك، لأَن السنن لا تعارض بالرأي. فإن قيل لم تعارض أَبا هريرة برأيها، وإنما ذكرت: أَن رسول الله ﷺ ربما انقطع شسع نعله فمشى في نعل واحدة، قيل: لم يرو هذا والله أعلم إلا مندل بن علي عن ليث بن أَبي سليم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أَبيه عن عائشة. ومندل وليث ضعيفان لاحجة فيما نقلا منفردين (^١)، فكيف إذا عارض نقلهما نقل الثقات الأَئمة؟. ذكر أَبو بكر يعني ابن أَبي شيبة: ثنا ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أَبيه أَن عائشة كانت تمشي في خف واحد وتقول: "لأخشن (^٢) أَبا هريرة" وهذا هو الصحيح، لا حديث مندل عن ليث والله أَعلم. وقد روي عن علي أَنه مشى في النعل الواحدة، وهذا يحتمل أَن يكون مسيرًا وهو يصلح الأُخرى أَو يكون لم يبلغه
_________________
(١) في الأصل: منفردان.
(٢) خششْت فلانًا: شنأته ولمته في خفاء - القاموس.
[ ١٢٥ ]
ما رواه أَبو هريرة وجابر مع أَن حديث علي لا يثبت (^١) وعن رجل من مزينة عن علي: أَنه كان يمشي في نعل واحدة وهو يصلح شسعه.