لم يرد لهذه الرسالة ذكر في فهارس المكتبات المطبوعة. ولم نسمع أنها في مكتبة خاصة، ولم يذكرها برو كلمان، حتى فهرس المكتبة الظاهرية القديم خال من ذكرها، فهي على هذا ولما سيأتي، فريدة في العالم ذات قيمة ممتازة، تشغل كما تقدم الجزء الأخير من المجموعة ذات الرقم (٣٢ مجاميع) في القبة الظاهرية، وهي بحجم صغير ١٤ × ١٩ س. م. وعدد أوراقها (٤٤). والظاهر أنها مسودة كتبها المؤلف وهو ينوي أن يعود إليها بالتنقيح بدليل الشطب الكثير الذي فيها والحواشي الدقيقة التي ألحقت ببعض صحفها، وبياض ترك في صحف متعددة بين الفقرة والفقرة أو بين الفصل والفصل، ثم لم يسعفه الوقت فأبقاها على حالها. وصحفها لا تتشابه فبينما تجد
_________________
(١) حسن المحاضرة، برو كلمان، الأعلام.
(٢) شذرات الذهب.
(٣) حسن المحاضرة وكشف الظنون.
[ ١٥ ]
الصفحة (١٦) مثلا مكتظة السطور والحواشي حتى لا تتبين فيها بياضًا، إذا بك في بعضها الآخر إزاء سطرين أو ثلاثة، وهي في أكثرها غير منقوطة. وقد قرأها على المؤلف نفسه ولده محمد الزركشي وإخوته حتى الصغار منهم وسنثبت السماع في آخر الكتاب كما هو في الأصل. وكان الفراغ من قراءته سنة أربع وتسعين وسبعمائة وهي السنة التي مات فيها المؤلف ﵀. أما تاريخ كتابتها فقبل سنة ٧٩٠ لأنها أُهديت إلى القاضي برهان الدين بن جماعة المتوفي سنة ٧٩٠ هـ.
أما خط المؤلف فإنا إذا استثنينا خطبة الكتاب التي تخف فيها صعوبة القراءة فإن ما بقي منها أشبه بالرموز والطلاسم. ويبلغ فن التعمية نهايته في الصفحة السادسة عشرة فقد لزت حواشيها لزًا بخط دقيق يشبه في بعضها ما يكتبه الأطباء إلى الصيادلة باللاتينية، وإن كان خط صاحبنا أدق وأغمض. وبعض الكلمات يكتفي منها بأول حرف إذا وافقت حرف الصفحة، وجرى على كتابة العناوين بالحبر الأحمر. وقد صورنا هذه الصفحة ليطلع القارئ على أسلوب المؤلف في تهيئة تصانيفه.
أما الصفحة الأولى فقد أثبت فيها إلى جانب اسم الكتاب نحو اليسار (فرغه قراءة ونسخًا العبد محمد بن محمد بن الزركشي عامله الله تعالى بلطفه الخفي) وهي بخط ولده المذكور الذي كتب الإجازة في آخر الكتاب بالخط نفسه وليس المراد بالنسخ أن الرسالة من خطه، بل هي من خط والده، أما خط الولد فجيد مقروء. وتحت عنوان الكتاب والمؤلف أسطر بخط ابن طولون الصالحي (^١) هذا نصها:
_________________
(١) أفادنا ذلك الأستاذ الفاضل السيد أحمد عبيد أحد أصحاب المكتبة العربية بدمشق وزاد قائلا: "إن خط ابن طولون الصالحي لا يخفى على أحد ويتميز بسهولة من سائر الخطوط فلا خط يشابهه أصلا". ثم اطلعنا في العدد ٣٢٥ من مجلة الثقافة المصرية الصادرة في ٦ ربيع الثاني سنة ١٣٦٤ هـ ٢٠/ ٣ / ١٩٤٥ م على قول السخاوي: قرأت بخط الحافظ ابن حجر العسقلاني ما نصه: فصل فيمن أخذ تصنيف غيره فادعاه لنفسه وزاد فيه ونقص. . . الخ وكذا قرأت بخطه على (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي: أصل هذا التصنيف. . . الخ)
[ ١٦ ]
"قال أبو الفضل بن حجر: أصل هذا التصنيف للأستاذ الجليل أبي منصور عبد المحسن بن محمد بن علي بن طاهر البغدادي الفقيه المحدث المشهور رأيته في مجلدة لطيفة، وجملة ما فيه من الأحاديث ٢٥ حديثًا، وكان الكتاب المذكور عند القاضي برهان الدين بن جماعة، فما أدري هلى خفي عليه وقت تقديم هذا له أو أعلمه به؟ نعم، لمصنف الإجابة حسن الترتيب والزيادات البينة والعزو إلى التصانيف الكبار والأول على عادة من تقدم يقتصر على سوق الأحاديث بأسانيده إلى شيوخه، وجملة من أخرج ذلك عنه من شيوخه نحو من ثلاثين شيخًا من شيوخ بغداد ومصر وغيرها ولا يعزو التخريج إلى أحد. وقد نقل هذا المصنف عن أبي منصور في هذا الكتاب، فعلم أنه وقف عليه، وكان ينبغي له أن ينبه على ذلك وهذا التصنيف القديم أخبرنا به غير واحد من شيوخنا إجازة عن عبد القادر بن أبي البركات بن القريشي: أنا المسلم بن علان سماعًا عن الخشوعي عن أبي عبد الله الحسين بن محمد بن خسرو أخبرنا المصنف سماعًا."
وتحت هذا الكلام بخط آخر ما نصه:
"نقلت من كتاب أبي بكر محمد بن عبد الملك التاريخي الذي وضعه في أخبار النحاة: حدثنا سوادة بن علي: ثنا محمد بن عبد الله بن نمير: ثنا أبو معاوية: ثنا المنهال بن خليفة عن سلمة بن هشام قال: كانت حفصة وعائشة متآخيتين، وكانت سودة وأم سلمة متآخيتين، فكانت سودة تنشد:
"عدي وتيم تبتغي من تحالف"
فقالت عائشة: "ما تعرّض إلا بي وبك يا حفصة، فإذا رأيتني قد قمت فأخذت برأسها فأعينيني" فقامت فأخذت برأسها وخافت حفصة فأعانتها، وجاءت أم سلمة فأعانت سودة، فأتى النبي ﷺ فأخبر وقيل له: "أدرك نساءك يقتتلن" فقال: "ويحكن ما لكن؟ " فقالت عائشة
[ ١٧ ]
"يا رسول الله ألا تسمعها تقول: (عدي وتيم تبتغي من تحالف)؟ فقال: "ويحكن ليس عديكن ولا تيمكن، إنما هو عدي تميم وتيم تميم."
قال الكلبي: "تيم تميم هو الرباب وقيل: إن عدي (^١) وتيم أخوان قال جرير:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكم … لا يوقعنكم في سوْءة عمر
روى أبو نعيم الحافظ في حلية الأولياء في ترجمتها: "حدثنا سليمان بن أحمد (ثنا أحمد) (^٢) بن يحيى بن خالد (بن حيان) (^٢) الرقي ثنا محمد بن بشر المصري ثنا عثمان بن عبد الله ثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: "قلت لرسول الله ﷺ: كيف حبك لي؟ " قال: "كعقدة الحبل" فكنت أقول: "كيف العقدة يا رسول الله؟ " قالت فيقول: "هي على حالها" ا هـ.
هذا ما على أول الرسالة ومن هنا نعرف قيمة هذا المخطوط النفيس فهو بخط مؤلفه أحد أئمة المذهب الشافعي المشهورين؛ وهو أشبه بمسودة تطلعنا على طريقته في التأليف من حذف وإثبات وإلحاق، وعلى غلافها ثلاثة خطوط غير خط المؤلف: خط ولده؛ وخط ابن طولون الصالحي وخط لآخر لا يعرف؛ ونحن مدينون لهذا الآخر بإطلاعنا على فقرة من كتاب مفقود هو الذي صنفه أبو بكر التاريخي في أخبار النحاة، وقد قرأها على المؤلف أولاده وبناته حتى الطفل الذي في الثانية من عمره في عشرة مجالس آخرها في يوم الأحد لثمان خلون من صفر عام أربع وتسعين وسبعمائة، وأجاز لهم جميع مؤلفاته كما ترى في آخر الرسالة. وأمر آخر ذو شأن أيضًا؛ وهو أن هذه النسخة وقعت في ملك العلامة الفضيه الشافعي أحمد بن عبد الرحمن الرملي المشهور بأبي الأسباط، فألحق فيها استدراك السيدة عائشة على مروان بن
_________________
(١) كذا في الأصل على الرفع والوجه النصب.
(٢) ما بين القوسين عن حلية الأولياء.
[ ١٨ ]
الحكم ولم يكن هذا في الأصل وإنما أثبته الرملي بخطه أيضًا، كما ترى كلامه في موضعه من الرسالة. فأنت ترى أنها إلى قيمتها العلمية ذات قيمة أثرية لاشتمالها على خطوط أئمة في القرن الثامن وبعده: الزركشي وولده وابن طولون الصالحي والرملي وآخر.
هذا وقد رجعت في حل ما أشكل علي من الخط:
أولًا: إلى كتب الرجال وخاصة الإصابة وأسد الغابة وتهذيب التهذيب والاستيعاب ولسان الميزان والكنى والأسماء ثم ابن خلكان ومعجم البلدان وغيرها.
ثانيًا: إلى كتب الحديث وشروحها: صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد وسنن أبي داوود والترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرها.
ثالثًا: إلى كتب المعاجم وخاصة النهاية لابن الأثير والفائق للزمخشري ولسان العرب.
واقتصرت من التعليق على ما تمس إليه الحاجة ولم أغير إلا ما يقتضيه الرسم الحديث؛ وماسها فيه المؤلف في سرعة كتابته فرفع في محل نصب أو نصب في محل رفع؛ فأشرت إلى ذلك كما أشرت إلى الكلام الذي شطب عليه؛ حرصًا على الإخراج الأمين للرسالة.
أما ما لقيت من عناء وبذلت من جهد ووقت فما يفيد القارئ بيانه، إلا أني كنت بعد أن نسخ الرسالة ناسخ متقن متمرن، حيال مئة وعشرين مشكلا، فما زلت أرجع إلى الأمات التي أشرت إليها، وأستعين بمذكراتي عن السيدة عائشة حتى لم يبق منها إلا دون المواضع الخمسة وهي إما من كلام المؤلف نفسه، أو من نص منقول عن كتاب مفقود فلا سبيل إلى حله ولم أشأ التصرف من عندي بشيء. وبقي كذلك نقص في ثلاث جمل ذهبت بعض كلماتها مع حرف الصفحة، فلم يكن سبيل إلى معرفته. وأكبر ظني أن المؤلف ﵀ لو أراد تبييض هذه النسخة لما استطاع حل رموز هو عقدها. ولا أريد أن أكتم القارئ اغتباطي من نزول العدد من مئة وعشرين
[ ١٩ ]
إلى ما دون العشرة، فقد نعمت بلذة لا يستطاع وصفها.
وإن أختم بشيء فهو الإعجاب الذي لا يحد بالمحدثين الذين جاهدوا لعلمهم وأخلصوا له أكبر جهاد وأتم إخلاص، وأشهد لقد كانوا في دقتهم وتحريهم وإحاطتهم وإتقانهم معجزة الله في المؤلفين. وما أزعم أني أدركت مدى تعبهم واجتهادهم، وإنما استطعت - وأنا أُخرج هذه الرسالة - أن أكون في نفسي فكرة عن جهادهم في سبيل السنة. لقد آمنت بعظمتهم وعظمة عملهم وأنهم الشهداء الصامتون وأن مدادهم أثمن من دم شهداء المعركة، وإني لم أر ولم أسمع ولم أتخيل أن أناسًا لهم مثل تلك الهمم والعزائم والصبر والأمانة. وإني لأخجل حين أقرر أني - على كثرة من أعرف من ذوي الجلادة والهمة والانقطاع لخدمة العلم - عجزت أن أعد واحدًا بذل معشار ما كان يبذل أصغر أولئك المحدثين. وما لي أخجل؟ وقد أيقنت أن ما قدموا هو شيء فوق طوق البشر الذين نعرف، فرحمهم الله وأثابهم ونفع بهم وقيض لهذا العلم الجليل من يعنى به على غرارهم.
سعيد الافغاني
١٥ صفر سنة ١٣٥٨ هـ
٥ نيسان سنة ١٩٣٩ م
تنبيه ١ - الأرقام التي على الهامش تشير إلى صحف الأصل المخطوط ابتداء من خطبة الكتاب. وما داخل [] زيادة ليست في الأصل.
تنبيه ٢ - أخطأ مجلد هذه المجموعة فوضع ثماني أوراق من الأصل في آخر الرسالة بعد السماع، وتبدأ بالحديث السادس من استدراكاتها على عمر بن الخطاب، ثم باستدراكاتها على علي بن أبي طالب، ثم باستدراكاتها على عبد الله بن عباس، وتنتهي بآخرها وهو الحديث الثامن، لننتقل بعده إلى استدراكاتها على عبد الله بن عمر، وقد وضعناها في طبعتنا في موضعها الصحيح.
[ ٢٠ ]
شكل (١) صورة ما على الورقة الأولى من النسخة الخطية
[ ٢١ ]
شكل (٢) صورة الصفحة الأولى في الأصل
[ ٢٣ ]
شكل (٣)
صورة الصفحة الأخيرة في الأصل ويظهر فيها سماع أسرة المؤلف بخط ولده
[ ٢٥ ]
شكل (٤) صورة الصفحة ١٦ من الأصل
[ ٢٧ ]