قال عبد الرزاق في مصنفه: أخبرنا معمر والثوري عن أَبي إسحاق السبيعي عن امرأَته: أَنها دخلت على عائشة في نسوة فسأَلتها امرأَة فقالت: يا أُم المؤمنين كانت لي جارية فبعتها من زيد بن أَرقم بثمانمائة إلى العطاء ثم ابتعتها منه بستمائة فنقدته الستمائة وكتبت عليه ثمانمائة" فقالت عائشة: "بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى زيد بن أرقم، إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أَن يتوب" فقالت المرأَة لعائشة: "أَرأَيت إن أَخذت رأس مالي ورددت عليه الفضل؟ " فقالت: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (^١) وأَخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما عن يونس بن أَبي إسحاق الهمداني عن أُمه العالية قالت: "كنت قاعدة عند عائشة، فأَتتها أُم مُحِبّة فقالت: "إني بعت زيد بن أَرقم جارية إلى عطائه فذكر نحوه" قال الدارقطني: أُم محبة والعالية مجهولتان لا يحتج بهما، وهذا الحديث لا يثبت عن عائشة قاله الإمام الشافعي، قال: ولو ثبت
_________________
(١) سورة البقرة ٢، الآية ٢٧٥.
[ ١٣٧ ]
فإنها عابت بيعًا إلى العطاء لأَنه أَجل غير معلوم، لا أَنها عابت عليه ما اشترت بنقد وقد باعته إلى أَجَل. ولو اختلف بعض الصحابة في شيء أَخذنا بقول من معه القياس، والذي معه القياس زيد بن أَرقم فعمل ما يراه حلالًا، فلا نزعم أَن الله يحبط عمله اهـ.
وقد ذهب إلى حديث عائشة جماعة منهم الثوري والأَوزاعي وأَبو حنيفة ومالك وأَحمد بن حنبل والحسن بن صالح وصححوا حديثها. والعالية روى عنها زوجها وابنها وهما إمامان، وذكرها ابن حبان في الثقات. وقال أَبو بكر الرازي: "إن قيل كيف أَنكرت الأَول وهو صحيح عندها يعني الشراء إلى العطاء لأَنه روي عنها فعله؟ قلنا: لأَنها علمت أَنها قصدت به اتباع البيع الثاني كما يفعل الناس. وفي قولها "أَرأَيت إن لم آخذ إلا رأْس مالي" وتلاوة عائشة دليل على إثباتها العقد الأَول، وأَن المنكرَ هو الثاني؛ ولو كانت إنما أَنكرته لكونه بيعًا إلى العطاء كما يقول الخصم لما أَبقت الأول. اهـ.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: هذا الخبر لا يثبته أَهل العلم بالحديث ولا هو مما يحتج به عندهم: فامرأَة أَبي إسحاق وامرأَة أَبي السفر وأُم زيد بن أَرقم كلهن غير معروفات بحمل العلم. وفي مثل هؤلاء روى شعبة عن أَبي هاشم أَنه قال: "كانوا يكرهون الرواية عن إلا عن النساءِ إلا أزواج النبي ﷺ " والحديث منكر اللفظ لا أَصل له لأَن الأَعمال الصالحة لا يحبطها الاجتهاد، وإنما يحبطها الارتداد؛ ومحال أَن تلزم عائشة زيدًا التوبة برأْيها وتكفره باجتهادها، هذا ما لا ينبغي
[ ١٣٨ ]
أَن يظن بها ولا يقبل عليها. وقد رد عمر خبر فاطمة بنت قيس في السكنى دون النفقة للمبتوتة وقال: "ما كنا نجيز في (^١) ديننا شهادة امرأة" قال أَبو عمر: فكيف بامرأَة مجهولة.
(سؤال) ما الحكمة في تخصيصها الإبطال بالجهاد ولم تقل أَبطل صلاته ولا صيامه؟ والجواب: أَن في كلام أَبي الحسن بن بطال في شرح البخاري ما يؤخذ منه ذلك وهو أَن السيئات لا تحبط الحسنات، فلهذا لم تذكر الصلاة. ولكن خصت الجهاد بالإبطال لأَنه حرب لأَعداء الله، وآكل الربا قد أذن الله بحرب من فهو ضده ولا يجتمع الضدان.
_________________
(١) في فتح الباري ج ٩ ص ٤٢٤ (طبعة ميرية) عند شرح ابن حجر لخبر فاطمة بنت قيس أن عمر قال: "لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت" وقد أفاض الشارح في بيان الاختلاف في هذا. وفي شرح مسلم للنووي نحو من هذا في (باب: المطلقة البائن لا نفقة لها) وانظر مسند أحمد ج ٦ ص ٤١٥.
[ ١٣٩ ]