﷽
الحمد لله الذي جعل فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، وأَعلى أَعلام فتواها بين الأَعلام، وأَلبسها حلة الشرف حيث جاءَ إلى سيد الخلق الملك بها في سرقةٍ (^١) من حرير في المنام، وأَشهد أَن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنظمنا في أَبناء أُمهات المؤمنين، وتهدينا إلى سنن السنة آمنين، وأشهد أَن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي أَرشد إلى الشريعة البيضاء، وأَعلن بفضل عائشة حتى قيل: خذوا شطر دينكم عن الحميراء، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صباح مساء، وعلى أَزواجه اللواتي قيل في حقهن: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٢) صلاة باقية في كل أَوان دائمة ما اختلف الملوان.
وبعد، فهذا كتاب أجمعُ فيه ما تفردتْ به الصدِّيقة ﵂
_________________
(١) قطعة من جيد الحرير - لسان العرب.
(٢) سورة الأحزاب، الآية ٣٢.
[ ٣١ ]
أَو خالفت فيه سواها برأَي منها أَو كان عندها فيه سنة بينة، أَو زيادة علم متقنة، أَو أَنكرت فيه على علماءِ زمانها، أَو رجع فيه إليها أَجلة من أَعيان أَوانها، أَو حررته من فتوى، أَو اجتهدت فيه من رأَي رأَته أَقوى. موردًا ما وقع إليَّ من اختياراتها، ذاكرًا من الأَخبار في ذلك ما وصل إليَّ عن رواتها. غير مدَّعٍ في تمهيدها للاستيعاب، وأَن الطاقة أَحاطت بجميع ما في هذا الباب. على أَني حررت ما وقع لي من ذلك تحريرًا ونمقت بروده رقمًا وتحبيرا. مع فوائد أَضمها إليه وفرائد أَنثرها عليه، ليكنَّ عقدًا ثمينة جواهره، وفلكًا منيرة زواهره، ولقد وفقت لجمعها في زمن قريب، وأَصبح مأْهول ربعها مأْوىً لكل غريب. وما هذا إلا ببركة هذا البيت العظيم الفخر، وما هي بأَول بركتكم يا آل أبي بكر. وسميته (الإجابة: لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة). والله أَسأَل أَن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موصلًا إلى جنان النعيم وأَهديته إلى بحر علم ثمين جوهره، وأُفق فضل أَضاءَ شمسه وقمره، وروض آداب يانعة ثماره، ساطعة أَزهاره، سيدي (^١) قاضي القضاة برهان الدين بن جماعة (^٢)
_________________
(١) هنا في الأصل كلمتان محكوكتان، الأولى ظاهرة وهي سيدي، ولعل الثانية: ومولاي.
(٢) القاضي برهان الدين بن جماعة: (٧٢٥ - ٧٩٠) هـ. جاء في شذرات الذهب ٦: ٣١١ سنة تسعين وسبعمائة ما يأتي: هو برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الخطيب زين الدين أبي محمد عبد الرحيم ابن قاضي مصر والشام بدر الدين محمد بن جماعة الكناني الحموي الأصل المقدسي الشافعي قاضي مصر والشام وخطيب الخطباء وشيخ الشيوخ وكبير طائفة الفقهاء وبقية رؤساء الزمان. ولد بمصر في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وقدم دمشق صغيرًا فنشأ عند أقاربه بالمزة وأحضر على جده وسمع من أبيه وعمه وطلب الحديث بنفسه =
[ ٣٢ ]
الشافعي أَدام الله علوه وكبت عدوه إذ لمذهب الشافعي من ثماره أَي روضات، وهو لمحرابه إِمام يتلو فيه من معجز القول آيات. قد أَظهر عرايس فضله المجلوة، وأَبرز نفائس نقله المحبوة، وبهر العقول بدقائقه التي بهرت، وزاد المباحث رونقًا بعبارته التي سحرت الأَلباب وما شعرت، تهدى العلوم إِليه وهو حقيقة أَدرى من المهدي بهن وأَعلم. وكنت في إِهدائه إلى مقامه كمن يهدي إلى البستان أَزهاره؛ وإلى الفلك شموسه وأَقماره، وإلى البحر جدولًا، وإلى السيل وشلًا، ولكن عرضت هذا المصنف على ملك الكلام؛ بل أَمير المؤمنين في الحديث والإِمام،
_________________
(١) = وهو صغير في حدود الأربعين وسمع من شيوخ مصر والشام. ولازم المزي والذهبي وأثنى على فضائله وحصل الأجزاء، وتخرج على الشيوخ واشتغل في فنون العلم وتوفي والده سنة تسع وثلاثين وهو صغير فكتبت خطابة القدس باسمه واستنيب له ثم باشر بنفسه وهو صغير وانقطع ببيت المقدس ثم أضيف إليه تدريس الصالحية بعد وفاة العلائي، ثم خطب إلى قضاء الديار المصرية بعد عزل أبي البقاء في جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وباشره بنزاهة وعفة ومهابة وحرمة. وعزل نفسه فسأله السلطان وترضاه حتى عاد واستمر إلى أن عزل نفسه ثانيًا في شعبان سنة سبع وسبعين وعاد إلى القدس على وظائفه، ثم سئل في العود إلى القضاء فأعيد في صفر سنة إحدى وثمانين فباشرها ثلاث سنين إلى أن عزل نفسه في صفر سنة أربع وثمانين وعاد إلى القدس. ثم خطب إلى قضاء دمشق والخطابة بعد موت القاضي ولي الدين في ذي القعدة سنة خمس وثمانين، ثم أضيف إلى مشيخة الشيوخ بعد سنة من ولايته وقام في أمور كبار تمت له. قال الحافظ ابن حجر: "عزل نفسه في أثناء ولايته غير مرة ثم يسأل ويعاد وكان محببًا إلى أُناس، وإليه انتهت رياسة العلماء في زمانه، فلم يكن أحد يدانيه في سعة الصدر وكثرة البذل وقيامة الحرمة والصدع بالحق وقمع أهل الفساد مع المشاركة الجيدة في العلوم. واقتنى من الكتب النفيسة بخطوط مصنفيها وغيرهم ما لم يتهيأ لغيره" ا هـ. وجمع تفسيرًا =
[ ٣٣ ]
لأثقفه باطلاعه عليه والسلام. والله تعالى يجعل أَيامه كلها مواسم، ويطرز التصانيف بفوائده حتى تصير كالثغور البواسم.
_________________
(١) = في عشر مجلدات وفيه غرائب وفوائد. وتوفي شبه الفجأة في شعبان ودفن بتربة أقاربه بني الرحبي بالمزة.
[ ٣٤ ]