(الحديث الأول): أخرج البخاري ومسلم، واللفظ له، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة وذكر لها أن الله عبد بن عمر يقول: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي" - فقالت عائشة: يغفر الله لأَبي عبد الرحمن أَما إنه لم يكذب ولكنه نسي أَو أخطأَ، إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها فقال: "إنهم يبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها" ورواه مسلم أيضًا عن هشام بن عروة عن أبيه نحوه بلفظ: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا ولم يحفظ، إنما مرت على رسول الله ﷺ جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال: "أنتم تبكون وإنه ليعذب".
واعلم أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة منهم عمر وابن عمر وأنكرته عليهما عائشة وحديثها موافق لظاهر القرآن وهو قوله سبحانه: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (^٢) وموافق
_________________
(١) ص ٣٩ فارغة في الأصل.
(٢) سورة النجم ٥٣، الآية ٣٨.
[ ١٠٢ ]
للأَحاديث الأُخَر في بكاء النبي ﷺ على جماعة من الموتى وإقراره على البكاء عليهم. وكان ﷺ رحمة للعالمين فمحال أَن يفعل ما يكون سببًا
لعذابهم أَو يقر عليه. وهذا مرجح آخر لرواية عائشة. وعائشة جزمت
بالوهم. واللائق لنا في هذا المقام التأْويل، وهل حمل الأَحاديث المخالفة لها إما على من أوصى بذلك فعليه إثم الوصية بذلك لأَنه قد تسبب إلى وجوده، وإما غير ذلك مما ذكره العلماء في كتبهم. والذي يؤكد قول عائشة في "وَهِم" قولها: "إنه ﵇ قال لرجل مات يهوديًا: "إن الميت ليعذب". بلام العهد فالظاهر أَن ابن عمر خفي عله موت اليهودي فحملها (^١) على الاستغراق. ونظير هذا ما رُوي أنه ﷺ رأَى تاجرا يبخس الناس في البيع فقال: "التاجر فاجر" يعني ذلك الرجل، فرواه بعضهم على أَنه للاستغراق. ذكر هذا فخر الدين الرازي في بعض كتبه الأُصولية وجعله من أَسباب الغلط في الرواية. ولا شك أَنه من أَسبابه، لكن هذا الحديث ليس من هذا الباب فإن في السنن: "التاجر فاجر إِلا مَن برَّ وصدق" وهذا يدل على إرادة الاستغراق لوجود الاستثناء فيه
(الحديث الثاني): أخرجا أَيضًا عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أَبيه قال: سمعت ابن عمر يقول: "لأَن أُصبحَ مطليًا بقطران أَحب إلي من أَن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا" قال: فدخلت على عائشة فأَخبرتها بقوله، فقالت: "طيَّبْتُ رسول الله ﷺ فطاف على نسائه ثم أَصبح محرمًا" وفي لفظ البخاري: ذكرته لعائشة فقالت: "يرحم الله أبا عبد
_________________
(١) أي ال التعريف.
[ ١٠٣ ]
الرحمن، كنت أُطيِّب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه ثم يصبح محرمًا ينضخ طيبًا" ورواه النسائي بلفظ: سأَلت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: "لأَن أُطلى بالقطران أَحبُّ إليَّ من ذلك" فذكرت ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أَبا عبد الرحمن، قد كنت أُطيب رسول الله ﷺ فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضخ طيبًا" وفي لفظ لهما: سأَلت عائشة وذكرت لها قول ابن عمر: "ما أُحب أَن أُصبح محرمًا أَنضخ طيبًا" فقالت عائشة: "أَنا طيبت رسول الله ﷺ ثم طاف في نسائه ثم أَصبح محرمًا" والنضخ بالخاء المعجمة كاللطخ فيما يبقى له أَثر؛ يقال نضخ ثوبه بالطيب والنضح بالمهملة فيما كان رقيقًا مثل الماء.
(الحديث الثالث): أَخرجا أَيضًا عن منصور عن مجاهد قال:
"دخلت أَنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن بن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد فسأَلناه عن صلاتهم، فقال: "بدعة" فقال له عروة: "يا أَبا عبد الرحمن [كم] (^١) اعتمر رسول الله ﷺ " قال: "أربع عمر إحداهن في رجب" فكرهنا أَن نكذبه ونرد عليه، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة فقال عروة: "أَلا تسمعين (^٢) يا أُم المؤمنين إلى ما يقول أَبو عبد الرحمن "؟ فقالت: "وما يقول؟ " قال: يقول: "اعتمر رسول الله ﷺ أَربع عمر إحداهن في رجب" فقالت:
_________________
(١) الزيادة عن البخاري (الكتاب ٢٦ الباب ٣) وبها يتم المعنى.
(٢) في الأصل: تسمعي.
[ ١٠٤ ]
"يرحم الله أَبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط". قال ابن الجوزي في مشكله: "سكوت ابن عمر لا يخلو من حالين: إما أَن يكون قد شك فسكت، أَو أَن يكون ذكر بعد النسيان فرجع بسكوته إلى قولها. وعائشة قد ضبطت هذا ضبطًا جيدًا وقال أَنس: "اعتمر رسول الله ﷺ أَربع عمر كلها في ذي القعدة" وهذا الحديث يدل على حفظ عائشة وحسن فهمها.
وقد جاءَ الإنكار عليه منها على وجه آخر أَخرجه أَبو داوود والنسائي وابن ماجه من جهة مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله ﷺ فقال: "مرتين" فقالت عائشة: "لقد علم ابن عمر أَن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قرنها بحجة الوداع". وقد سبق أَن البخاري ومسلمًا (^١) رويا حديث مجاهد عن عائشة، وهو منها تصريح منها تصريح بأَنه سمع منها لا سيما على شرط البخاري. لكن قال يحيى بن سعيد القطان: لم يسمع مجاهد من عائشة، وكان شعبة بن الحجاج ينكره. وهو قول يحيى بن معين وأَبي حاتم الرازي أَيضًا. وفي هذا الحديث أَمر آخر غير مخالفة ما سبق، وهو أَن عائشة روت الإفراد عن النبي ﷺ، لكن قال الطحاوي في معاني الآثار: "هذا لا ينافيه فيجوز أَن تكون قد علمت أَنه ﷺ ابتدأَ فأَحرم بعمرة لم يقرنها حينئذ بحجة، فمضي فيها على أَن يحج في وقت الحج، فكان في ذلك متمتعًا بها، ثم أَحرم بحجة منفردة في إحرامه بها لم يبتدئ معها إحرامًا بعمرة، فصار بذلك قارنًا لها إلى
_________________
(١) في الأصل: ومسلم.
[ ١٠٥ ]
عمرته المتقدمة، فقد كان في إحرامه على أَشياءَ مختلفة: كان في أَوله متمتعًا ثم محرمًا بحجة أَفردها في إحرامه تلزمه مع العمرة التي كان قدمها، فصار في معني القارن والمتمتع. وأَرادت عائشة بالإفراد خلافًا للذين رووا أَنه ﵇ أَهلَّ بهما جميعًا". اهـ.
(الحديث الرابع): وأَخرجا أَيضًا من جهة نافع قال: قيل لابن عمر: إن أَبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة فله قيراط من الأَجر" فقال ابن عمر؛ "أَكثر علينا أَبو هريرة" فبعث إلى عائشة فسأَلها فصدَّقت أَبا هريرة، فقال ابن عمر: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة" وأَخرجه مسلم أَيضًا عن داوود بن عامر بن سعد بن أَبي وقاص عن أَبيه: أَنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر، إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر، أَلا تسمع ما يقول أَبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أَجر، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له الأَجر مثل أُحد" فأَرسل ابن عمر خبَّابًا إلى عائشة يسأَلها عن قول أَبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأَخذ ابن عمر قبضةً من حصى المسجد يقلِّبها في يده، حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: "صدق أَبو هريرة" فضرب ابن عمر بالحصي الذي كان في يده الأَرض وقال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة".
(الحديث الخامس): أَخرج أَبو داوود في سننه عن محمد بن
[ ١٠٦ ]
إسحاق عن الزهري عن سالم بن عبد الله: أَن عبد الله بن عمر كان يصنع ذلك "يعني يقطع الخفين للمرأَة المحرمة" ثم حدثته صفية "بنت أَبي عبيد: أَن عائشة ﵂ حدثتها "أَن رسول الله ﷺ قد كان رخَّص للنساء في الخفين" فترك ذلك. أَخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال فيه: قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري، فزالت علة التدليس. وقال الشافعي: أَنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أَبيه أَنه كان يفتي النساءَ إذا أحر من أَن يقطعن الخفين حتى أَخبرته صفية عن عائشة: "أَنها تفتي النساءَ إذا أَحر من الَّا يقطعن" فانتهى عنه. أَخرجه البيهقي في السنن الكبير من طريق الشافعي. وأَخرج البيهقي أَيضًا عن أبي النضر ثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أَبي لبابة عن ابن باباه المكي: أَن امرأَة سأَلت عائشة: "ما تلبس المرأَة في إحرامها؟ " قالت: "تلبس من خزها وبزها وأَصباغها وحليها" قال بعضهم: أَجمعوا على أَن المراد بالخطاب المذكور في اللباس الرجال دون النساء وأَنه لا بأْس بلباس المخيط والخفاف للنساء.
(الحديث السادس): أَخرج الدارقطني في سننه: عن علي بن عبد العزيز الوراق عن عاصم بن علي عن أبي أُويس أبي أويس: حدثني هشام بن عروة عن أَبيه عن عائشة: أَنه بلغها قول ابن عمر: "في القُبلة الوضوءُ" فقالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ثم لا يتوضأُ" قال الدارقطني: لا أَعلم حدَّث به عن عاصم هكذا غير علي بن عبد العزيز.
[ ١٠٧ ]
(الحديث السابع): قال الطبراني في معجمه الوسط: حدثنا بكر بن سهل ثنا سعيد بن منصور ثنا صالح بن موسى الطلحي عن عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة قال: "بلغ عائشة أن ابن عمر يقول: "إن موت الفجأَة سخطة على المؤمنين" فقالت: "يغفر الله لابن عمر، إنما قال رسول الله ﷺ: موت الفجأَة تخفيف على المؤمنين وسخطة على الكافرين" قال الطبراني لم يروه عن عبد الملك إلا صالح. قلت: وهو ضعيف عندهم.
(الحديث الثامن): روى البخاري من حديث ابن عمر أَن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أُم مكتوم" وأَخرج البيهقي في سننه من جهة يعقوب بن محمد الزهري: ثنا الدراوردي ثنا هشام عن أَبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "إن ابن أُم مكتوم رجل أَعمي، فإذا أَذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" قالت: وكان بلال يبصر الفجر. وكانت عائشة تقول: "غلط ابن عمر" قال البيهقي: كذا قال، وحديث عبيد الله عن القاسم عن عائشة أَصح. يشير إلى ما أَخرجه البخاري كذلك عنها موافقًا لحديث ابن عمر. واعلم أَن حديث عائشة هذا الذي أَخرجه إسناده صحيح وقد رواه أَحمد ومسدد، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، لكن لم يذكرا فيه تغليط ابن عمر. وحمله ابن حبان وابن حزم على أَن الأَذان كان بينهما دُولا: تارة يقدم هذا وتارة يتأَخر. وقد روي ابن أَبي شيبة حديثًا شهد لذلك فقال: حدثنا عثمان ثنا شعبة عن حبيب قال: سمعت عمتي وكانت قد حجت مع
[ ١٠٨ ]
رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن ابن أُم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال" كذا أَو "إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أُم مكتوم" قالت: "وكان يصعد هذا وينزل هذا. قالت فكنا نعلق به (^١) فنقول: "كما أنت حتّى نتسحّر" وكذا رواه أَبو داوود عن شعبة عن خبيب.
(التاسع): روى أَبو منصور البغدادي بإسناده إلى ابن جريج قال ثنا ابن أَبي مليكة عن رجل لا يكذبه: أُخبرَت عائشة ﵂ بقول ابن عمر ﵁: "إن الشهر تسع وعشرون" فأَنكرت ذلك عليه وقالت: "يغفر الله لأَبي عبد الرحمن، ما هكذا قال رسول الله ﷺ، ولكن قال: "إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين" قال الإمام أَحمد في مسنده: حدثنا يحيى عن محمد بن عمرو قال: حدثني يحيى بن عبد الرحمن عن ابن عمر عن النبي ﷺ: "الشهر تسع وعشرون" فذكروا ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أَبا عبد الرحمن، إنما قال: "الشهر قد يكون تسعًا وعشرين".
(العاشر): أَخرج البخاري عن ابن عمر قال: "وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ ثم قال "إنهم الآن يسمعون ما أَقول" فذكر لعائشة فقالت: "إنما قال النبي ﷺ "إنهم ليعلمون الآن أَن ما كنت أَقول لهم حق" قال السهيلي
_________________
(١) هذا الحديث في مسند أَبي داوود مرويا عن أنيسة بنت خبيب عمة خبيب المذكور في الأصل، ولفظه: فكنا نحبس ابن أم مكتوم فنقول .. الخ
[ ١٠٩ ]
في الروض: "وعائشة لم تحضر، وغيرها ممن حضر أَحفظ للفظه ﷺ وقد قالوا له يا رسول الله: "أَتخاطب قومًا قد جيفوا أَو أُجيفوا"؟ فقال "ما أَنتم بأَسمع لما أَقول منهم" وإذا جاز أَن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أَن يكونوا سامعين، إما بآذان رؤُوسهم إذا قلنا إن الروح تعاد إلى الجسد أَو إلى بعضه عند المسأَلة وهو قول جمهور أَهل السنة، وإما بأُذن القلب أَو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع منه إلى الجسد أَو إلى بعضه. قال: "وقد روي أَن عائشة احتجت بقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (^١) وهذه الآية كقوله ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ (^٢) أَي إِن الله هو الذي يهدي ويوفق ويدخل الموعظة إلى آذان القلوب لا أَنت، وجعل الكفار أمواتًا وصمًا على جهة التشبيه بالأَموات وبالصم فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاءَ، فلا تعلق لها في الآية لوجهين: أَحدهما أنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان، الثاني أَنه إنما نفى عن نبيه أَن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله فإنه لا يسمعهم إذا شاءَ إلا هو
_________________
(١) سورة فاطر ٣٥، الآية ٢٢.
(٢) سورة الزخرف ٤٣، الآية ٤٠.
[ ١١٠ ]