نقل أَهل التفسير في قوله تعالى ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ (^٢) أَن معاوية كتب إلى مروان بأَن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن بن أَبي بكر: "لقد جئتم بها هرقلية، أَتبايعون لأَبنائكم" فقال مروان: يا أَيها الناس هذا الذي قال الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا …﴾ (^٢) فسمعت عائشة فغضبت وقالت: "والله ما هو به، ولو شئت أَن أُسميه لسميته، ولكن الله لعن أَباك وأَنت في صلبه فأَنت قضض (^٣) من لعنة الله." لفظ رواية النسائي ورواه الحاكم وابن أَبي خيثمة وابن مردويه من رواية محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه قال مروان: "سنة أَبي بكر وعمر" فقال عبد الرحمن بن أَبي بكر: "سنة هرقل وقيصر" قال مروان: "هذا الذي أَنزل الله. فذكر الآية" فبلغ ذلك عائشة فقالت: "كذب والله ما هو به فيذكره (^٤) ولكن رسول الله ﷺ لعن أَبا مروان
_________________
(١) ص ٦٢ فارغة. وهذا الاستدراك كما سترى لغير المؤلف وانظر المقدمة ص: ١٩.
(٢) سورة الأحقاف ٤٦/ ١٧ وتمامها. ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
(٣) القَضَض ضبطه القاموس بفتحتين وبضمتين وهو القطعة كما سيأتي.
(٤) في الأصل: مدكره.
[ ١٢٩ ]
ومروان في صلبه إلى آخره" ولفظ ابن أَبي خيثمة: أَن معاوية كتب إلى مروان أَن يبايع الناس ليزيد، فقال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية … إلى آخره. وأَصله في البخاري من رواية يوسف بن ماهك عن عائشة دون ما في آخره، وأما الذي أرادته عائشة ولم تسمِّه فلم يوقف له على اسم. وأَنكر الزجاج نزولها في عبد الرحمن لأَنه أَسلم وحسن إسلامه، وقال: الصحيح أَنها نزلت في الكافر العاق. وهذا مروي عن الحسن البصري وعن قتادة أَنه: نعت عبد سوء عاق لوالديه. وقال الزمخشري في الكشاف: نزولها في عبد الرحمن باطل: "ويشهد له أَن المراد بالذي قال: جنس القائلين ذلك أَيضًا. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ إلى آخرها لا يناسب ذلك عبد الرحمن، إلا أَن المهدوي قال: يحتمل أَن يكون هو، وذلك قبل إسلامه وأن الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ ..﴾ للقوم الذين أَشار إليهم المذكور بقوله ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فلا أَن يمتنع يقع ذلك له قبل إسلامه. قال شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين بن حجر: ولكن نفي عائشة أَن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته، أصح إسنادًا وَأَولى بالقبول" فإنَّه نقل أَيضًا أنها نزلت في أَخيه عبد الله وقول عائشة ﵂ "فأَنت قضض من لعنة الله" أَي قطعة منها.
قال ذلك وحرر النقل فيه مستدركًا به على المؤلف في إهماله، كاتبه ومالكه أَحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي أحمد الرملي الشافعي الشهير بأبي الأسباط غفر الله له ولوالديه آمين.
[ ١٣٠ ]