روى البخارى: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: "دخلت على أبى بكر فقال: "في كم كفنتم النبي ﷺ؟ " قالت: "في ثلاثة أثواب بيض سَحُولِيَّة ليس فيها قميص ولا عمامة". وقال لها: "في أي يوم توفى رسول الله ﷺ "؟ قالت: "يوم الاثنين" قال: "فأى يوم هذا"؟ قالت: "يوم الإثنين" قال: "أرجو فيما بينى وبين الليل" ينظر إلى ثوب عليه كان يُمَرَّضُ فيه، به رَدْع من زعفران فقال: "اغسلوا ثوبى هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفنونى بها" قلت: "إن هذا خَلَق" قال: "إن الحَيَّ أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمِهلَة" فلم يتوفَّ حتى أمسى ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح" (^٢). ورواه عبد الرزاق (^٣).
قال: وقوله (إنما هو للمِهلة): من كسر الميم فإنه أراد الصديد، ومن ضمها شبهه بعكر الزيت، وهو المُهل. والرواية بكسر الميم، وقال ابن السِّيد في المقتبس: قوله: (إنما هو للمهلة) كذا رواه يحيى؛ والمعروف المهلة أو المهلة
_________________
(١) "الباب الثاني في استدراكاتها على أعلام الصحابة - الفصل ١" كل هذا العنوان زيد على المخطوط، وهو من المطبوعة. ولا بأس به، وكذلك العناوين التالية.
(٢) خ: (١/ ٤٢٦) (٢٣) كتاب الجنائز (٩٤) باب موت يوم الاثنين عن معلى بن أسد، عن وهيب، عن هشام به. رقم: (١٣٨٧) والسحولية: البيضاء أو من القطن. والرَّدْع: الزعفران، أو لطخ منه، وأثر الطيب في الجسد.
(٣) المصنف: (٣/ ٤٢٣) كتاب الجنائز - باب الكفن. عن معمر، عن هشام بهذا الإسناد نحوه. رقم: (٦١٧٦).
[ ٥٧ ]
يعنى بالفتح أَو بالكسر، فإذا حذفت تاءُ التأنيث قلت: المهل لا غير. ورواه أَبو عبيد (^١): إنما هو للمُهل وقال: المهل في هذا الحديث الصديد والقيح، وهو في غيره كل شئ أُذيب من جواهر الأرض، كالذهب والفضة والنحاس. والمهل عكر الزيت قال: وأكثر رواة الموطَّأ على الكسر.
وقال الزمخشرى في الفائق: روى للمُهلة وللمَهلة والمِهلة بالكسر، ثلاثتها: الصديد والقيح الذي يذوب ويسيل من الجسد، ومنه قيل للنحاس الذائب: المُهْل (^٢).
قال البيهقى في شعب الإيمان - وقد روى حديث أبى قتادة "من ولى أخاه فليحسن كفنه فإنهم يتزاورون فيها" (^٣) -: هذا إن صح لم يخالف قول الصديق ﵁، وإنما هو للمهل يعنى الصديد؛ لأنه كذلك في رؤيتنا. ويكون ما شاء الله في علم الله، كما قال في الشهداء: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وهو ذا يراهم يتشحطون في الدماء، وهم في الغيب كما أخبر الله عنهم، ولو كانوا في رؤيتنا كما أَخبر عنهم لارتفع الإيمان بالغيب (^٤).
_________________
(١) في المطبوع أبو عبيدة، وما أثبتناه من المخطوط. والكلام لأبى عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث له (٢/ ٧ - ٨). قال أبو عبيد: المُهل في هذا الحديث الصديد والقيح، والمُهل في غير هذا كل فلزٍّ أذيب.
(٢) الفائق (٣/ ٣٩٥). وفيه الكلمة الأولى: "للمُهل".
(٣) شعب الإيمان للبيهقى (٧/ ١٠) الرابع والستون من شعب الإيمان وهو باب في الصلاة على من مات من أهل القبلة. من طريق مسلم بن إبراهيم الوراق، عن عكرمة بن عمار، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي قتادة به. قال السيوطي في اللآلئ: الحديث حسن صحيح له طرق كثيرة وشواهد استوعبتها في كتاب شرح الصدور (اللآلئ ٢/ ٤٤٠ - ٤٤١). ثم ساق شواهد له. أقول: ومن شواهده حديث جابر في مسلم: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه". م: (٢/ ٦٥١) (١١) كتاب الجنائز - (١٥) باب في تحسين كفن الميت رقم: (٩٤٣).
(٤) المصدر السابق (٧/ ١٠) الموضع السابق.
[ ٥٨ ]
وقد رَوَى عنها أحاديث، منها ما أخرجه الطبراني في معجمه الوسط من جهة منصور عن مجاهد، عن خالد سعد، عن غالب بن أبجر، عن أبي بكر الصديق، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "في الحبة السوداء شفاءٌ من كل داءٍ إلا السام". وقال: لا يروى عن أبي بكر عن عائشة إلا بهذا الإسناد (^١).
وذكر ابن الصلاح في النوع الرابع والأربعين من علومه: أَن هذا غلط ممن رواه عن أبي بكر الصديق عن عائشة، إنما هو عن أَبى بكر بن أبى عتيق عن عائشة وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بن عبد الرحمن (^٢) اهـ. وفي التنقيح لابن الجوزى في باب من روى عن ابنه: روى أبو بكر الصديق عن ابنته عائشة حديثين وكذلك روت أُم رومان عن ابنتها عائشة حديثًا (^٣).
* * *
_________________
(١) المعجم الأوسط: (١/ ١٠٦ - ١٠٧). من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور به. قال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن أبي بكر، عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبيد الله بن موسى. رقم: (١٠٥) والسَّام: الموت كما جاء في بعض الروايات. والحديث في البخارى من طريق عبيد الله بهذا الإسناد، إلا أنه عن خالد بن سعد ومعه غالب بن أبجر، عن ابن أبي عتيق، عن عائشة رقم: (٥٦٨٧). خ: (٤/ ٣٤) (٧٦) كتاب الطب (٧) باب الحبة السوداء.
(٢) مقدمة ابن الصلاح (ص ٥٣٨ - ٥٣٩).
(٣) قال سراج الدين البلقينى في محاسن الاصطلاح (على مقدمة ابن الصلاح ص ٥٣٩): وذكر ابن الجوزى أن الصديق روى عن ابنته عائشة وروت عنها أمها أم رومان، فإن كانت رواية الصديق أخذت من ذلك الحديث [أي الحبة السوداء …] فقد تقدم أنه وهم.
[ ٥٩ ]