فيه أحاديث:
(الحديث الأول): أخرج البخارى ومسلم في حديث عبد الله بن أبى مليكة قال: توفيت ابنة لعثمان بن عفان بمكة؛ فجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس وإني لجالس بينهما؛ جلست إلى أحدهما، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبى فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجهه: ألا تنهى عن البكاء؛ فإن رسول الله ﷺ قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فقال ابن عباس: "قد كان عمر يقول بعض ذلك".
ثم حَدَّث قال: صدرت مع عمر من مكة حتى إذا كان بالبيداء وإذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال: "اذهب فانظر من هؤلاء الركب" قال: فنظرت فإذا هو صُهَيب قال: فأخبرته فقال: "ادعه لى" قال: فرجعت إلى صهيب فقلت: "ارتحل فالحق أمير المؤمنين" قال: فلما أُصيب عمر، وجعل صهيب يبكى يقول: وا أخاه، واصاحباه، فقال عمر: "يا صهيب أتبكى عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه".
قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: "رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ ".
وقال مسلم: "يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله ﷺ أَن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: "إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه" قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ٣٨] قال ابن أبي مليكة: "فوالله ما قال ابن عمر شيئا" (^١).
ووقع في الوسيط وشرح الوجيز للرافعي: أَنها قالت:
_________________
(١) خ: (١/ ١٣٩٦ - ٣٩٧) (٢٣) كتاب الجنائز (٣٢) باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكائه عليه. عن عبدان، عن عبد الله، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة به. أرقام (١٢٨٦ - ١٢٨٨). م: (٢/ ٦٤١ - ٦٤٢) (١١) كتاب الجنائز (٩) باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه رقم (٢٣/ ٩٢٨) =
[ ٦٠ ]
"رحم الله عمر ما كذب؛ ولكنه أخطأ أو نسى" (^١).
وهذا مردود، ولم تقل ذلك إلا لابن عمر على ما سيأتي.
قال النووى في تهذيبه: "ولا شك في غلط الغزالى في هذا، ولا عذر له ولا تأويل" (^٢).
قلت: بلى له العذر في التأويل؛ أَخرج مسلم عن ابن أبي مليكة: فذُكر ذلك لعائشة فقالت: أما والله ما عرفونى هذا الحديث عن كاذِبَيْن ولا مُكَذَّبَيْن، ولكن السمع يخطئ (^٣). وقد (^٤) ذكره أبو البغدادي في كتابه (^٥).
_________________
(١) = من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج به.
(٢) الوسيط في المذهب للغزالي (٢/ ٣٩٤) في كتاب الجنائز - القول في التعزية والبكاء. وبقية كلامه: "إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية ماتت ابنتها، وهى تبكى، فقال ﵊: إنهم يبكون عليها، وإنها تعذب في قبرها".
(٣) تهذيب الأسماء واللغات للنووى (٢/ ٣٢٧)، قال النووى: "في الوسيط، في آخر باب التعزية: فإن قيل: أليس قال: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه، هكذا رواه عمر، قلنا: قال ابن عمر: ما قال رسول الله ﷺ هذا، إنما قال: يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه، حسبكم قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقالت عائشة ﵂: ما كذب عمر، ولكنه أخطأ ونسى، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية ماتت ابنتها … إلى آخره". قال النووى: هكذا وقع هذا كله في الوسيط في جميع النسخ، وفيه غلطان فاحشان، لا شك فيهما: أحدهما قوله في الأول: "قال ابن عمر" صوابه: قالت عائشة، فهى التي أنكرت على عمر، ولم ينكر عليه ابن عمر، بل روى مثله في الصحيحين من طرق. والثانى قوله: "وقالت عائشة: ما كذب عمر، وصوابه: ما كذب ابن عمر". "هكذا ثبت الحديثان في الصحيحين وغيرهما، كما ذكرت صوابه، ولا شك في غلط الغزالى فيهما، ولا عذر له فيهما ولا تأويل". هذا وقضية البكاء على الميت، وهل يُعذب بهذا البكاء أو لا يعذب سيتعرض لها المصنف مرة أخرى عندما يعرض لاستدراك السيدة عائشة على ابن عمر - ﵃. هذا وسنعرض للروايات الأخرى - إن شاء الله ﷿ بشيء من التفصيل ووجهة النظر المقابلة لما رأته السيدة عائشة ﵂ ما يبين منها أن ما ما ذهبت إليه هو صحيح، وما ذهب إليه جماعة من الصحابة ورووه هو صحيح أيضًا، ويمكن الجمع بين الروايات التي ظاهرها التعارض، وقد أشار المصنف إلى ذلك هناك. [وانظر كتاب توثيق عائشة للسنة. ص: (١٢٦ - ١٣١)].
(٤) م: (٢/ ٦٤١) في الكتاب والباب السابقين. من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة به. رقم: (٩٢٩).
(٥) في المطبوعة: "وهل ذكره" وهو خطأ.
(٦) استدراك أم المؤمنين عائشة: (ص: ٧٣ رقم: ٣٢).
[ ٦١ ]
(الحديث الثاني): قال الطحاوى في مشكل الآثار: حدَّثنا صالح بن عبد الرحمن، ثنا أبو عبد الرحمن المقرى (^١): قال ثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة (^٢). قال: سمعت عبيد بن رفاعة الأنصارى يقول: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذاكروا الغسل من الإنزال فقال زيد: "ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة".
فقام رجل من أَهل المجلس، فأَتى عمر فأَخبره بذلك، فقال عمر للرجل: "اذهب أنت بنفسك فأتني به حتى تكون أنت الشاهد عليه"، فذهب فجاءَه به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ؛ منهم على بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، فقال له عمر: أي (^٣) عُدَي نفسه تفتى الناس بهذا"؟ فقال زيد: "أَما والله ما ابتدعته، ولكن سمعته من أعمامي؛ رِفَاعَة بن رافع، ومن أَبي أَيوب الأنصارى".
فقال عمر لمن عنده من أصحاب رسول الله ﷺ: "ما تقولون"؟ فاختلفوا عليه، فقال عمر: "يا عباد الله قد اختلفتم، وأَنتم أهل بدر الأخيار" فقال له على: "فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فإنه إن كان شيءٌ من ذلك ظهرن عليه" فأرسل إلى حفصة فسألها فقالت: "لا علم لي بذلك" ثم أرسل إلى عائشة فقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل". فقال عمر عند ذلك: "لا أعلم أحدًا فعله ثم لم يغتسل إلا جعلته نكالا" (^٤).
_________________
(١) في المطبوعة: "المصرى" وما أثبتناه من المخطوط.
(٢) في المطبوعة: "أبي حيية" وما أثبتناه من المخطوط، ومن شرح معاني الآثار ومشكل الآثار.
(٣) في المخطوط: "أم عُدَى نفسه".
(٤) الحديث بهذا الإسناد ليس في شرح مشكل الآثار، وإنما هو في شرح معاني الآثار - (١/ ٥٨) كتاب الطهارة - باب الذي يجامع ولا ينزل. عن صالح بن عبد الرحمن به. ومن طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه قال: إنى لجالس عند عمر … فذكر نحوه. وهذا الطريق الثاني في شرح مشكل الآثار (١٠/ ١٢٢ - ١٢٣) =
[ ٦٢ ]
أخرجه مسلم في الصحيح، لكن لم يذكر أن عمر هو السائل، بل ذكر عن أَبِي موسى الأشعرى قال: اختلف رهط من المهاجرين والأنصار فقال الأنصاريون: "لا يجب الغسل إلا في الدفق أو من الماء". وقال المهاجرون: "بل إذا خالط فقد وجب الغسل". فقال أَبو موسى: "أنا أشفيكم من ذلك" فقمت فاستأذنت على عائشة .. الحديث نحو ما سبق وقالت: "إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل" (^١) فقال أبو موسى: "لا أسأل عن هذا أحدًا بعدك" (^٢).
قال أبو عمر بن عبد البر: هذا وإن لم يكن مسندًا بظاهره (^٣) فإنه يدخل في المسند (^٤). ثم قال: وقد روى حديثها هذا عنها مسندًا إلى النبي ﷺ ثم ذكره إلى أَبي موسى عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إذا التقى الختانان وجب الغسل" (^٥).
وقد نازعه الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام ﵀ فيما وجدته بخط بعض تلامذته وقال: "ليس ما ذكره أبو عمر عنه أَولًا، وهو قوله "إذا جاوز" هو ما ذكره ثانيًا من قوله: "إذا التقى الختانان" فكيف يصح منه أن يقول، وقد روى حديثها هذا، ويشير إلى ما اشترطت فيه المجاوزة، ولم يذكر ما لم يشترط فيه
_________________
(١) = ورجاله ثقات غير أن محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن (انظر مزيدًا من تخريجه في هامش شرح مشكل الآثار (١٠/ ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) م: (١/ ٢٧١ - ٢٧٢) (٣) كتاب الحيض (٢٢) باب نسخ الماء من الماء. عن محمد بن المثنى، عن محمد بن عبد الله الأنصارى، عن هشام بن حسان، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعرى وعن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن هشام به. وهو مرفوع في هذه الرواية على عكس ما أورده المصنف.
(٣) هذه العبارة ليست في رواية مسلم السابقة، وهى في رواية الموطأ: ط: (١/ ٤٦) رقم (٧٣) (٢) كتاب الطهارة (١٨) باب واجب الغسل إذا التقى الختانان. عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي موسى، عن عائشة.
(٤) أي في رواية الموطأ، وليس في رواية مسلم كما ذكرنا في الهامش السابق.
(٥) التمهيد لما في الوطأ من المعانى والأسانيد، أبو عمر يوسف بن عبد البر (٣٦٨ هـ ٤٦٣) وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب (٢٣/ ١٠٠).
(٦) وهى رواية مسلم السابقة، وإن كان لفظها: "ومس الختان الختان فقد وجب الغسل".
[ ٦٣ ]
المجاوزة؟. فيجب أن يحمل قول عائشة "إذا جاوز" على حكاية فعلها مع رسول الله ﷺ لا على قول النبي ﷺ، بدليل قولها لما سمعت قضاءَ عليٍّ للمهاجرين بإيجاب الغسل من التقاء الختانين: "ولَمَّا فعلنا ذلك بإذن رسول الله تيممنا واغتسلنا" ولا يحمل فعلها إلا على الجماع الكامل، لا على مجرد التقاء الختانين؛ لبُعد ذلك. ولعل جميع ما ذكره عن المهاجرين من الصحابة كابن عمر وعلى وغيرهم في قول كل واحد منهم: "إذا جاوز الختان الختان" نقلًا من كل منهم لما ذكرته عائشة حاكية عن الفعل المذكور لا عن القول. وكذلك قولها لأبي سلَمة لما سألها: ما يوجب الغسل؟ فقالت: "يا أبا سلمة مثلك مثل الفروج يسمع الديكَة تصرخ فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل" وإن لم يحمل قولها على حكاية الفعل وقول الصحابة على حكاية قولها، أدى إلى إلغائه بالكلية؛ لثبوت الروايات الصحيحة عنه ﷺ في قوله: "إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل" ولمخالفة اشتراط المجاوزة لإجماع العلماء. اهـ.
وقد تكلمت على علل هذا الحديث ومتابعة غير عائشة على رواية هذا عن النبي ﷺ غيرها من الصحابة: في الثالث من باب الغسل من (الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز).
(الحديث الثالث): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدَّثنا عمرو بن على، ثنا أبو داود، قال: ثنا محمد بن أبي حميد: قال: أنا عبد الله بن عمرو بن أُمية، عن أبيه: "أَن عمر أتى عليه في السوق وهو يسوم بمرطٍ فقال: "ما هذا يا عمرو"؟ قال: "مرط (^٢) أَشتريه، فأتصدق به" فقال له عمر: "فأَنت أَنت إِذًا" ثم أتى عليه بعد فقال: "ياعمرو ما صنع المِرْط"؟ قال: "تصدقت به" قال: "على من "؟ قال: "على رفيقة مُرَيَّة" (^٣) قال: "أَليس زعمت أنك تصدق به"؟ قال: "بلى، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن من شيءٍ فهو لكم
_________________
(١) انظر توثيق عائشة للسنة. ص (١٥٤ - ١٥٦).
(٢) المرْط: كساء من صوف أوخز، جمعه مروط.
(٣) في المطبوعة والمخطوط "رقيقة مزنية" وما أثبتناه من كشف الأستار، أصل المصنف. وهو المناسب للسياق وكتب التخريج الأخرى.
[ ٦٤ ]
صدقة". فقال عمر: "يا عمرو لا تكذب على رسول الله ﷺ " فقال: والله لا أُفارقك حتى نأتى أُم المؤمنين عائشة" فقال: فاستأذنوا على عائشة فقال عمرو: "أنشدك الله أسمعتِ رسول الله ﷺ يقول: ما أعطيتموهن فهو لكم صدقة" فقالت: "اللهم نعم، اللهم نعم" فقال عمر: "أين كنت عن هذا؟ ألهاني الصفق بالأسواق" (^١).
ومحمد بن أبي حميد ضعيف.
(الحديث الرابع): أخرجه البيهقي في سننه عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: "إذا رميتم وحلقتم فقد حلَّ لكم كل شيءٍ إلا النساء والطيب".
قال سالم: وقالت عائشة: "كل شيءٍ إلا النساء، وأنا طيبت رسول الله ﷺ لحِلِّه" (^٢).
_________________
(١) كشف الأستار (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) عشرة النساء - باب نفقة الرجل على أهله. عن عمرو بن علي به. قال الهيثمي: رواه البزار، وروى له أحمد: "ما أعطى الرجل امرأته فهي صدقة"، وفي إسنادهما محمد بن أبي حميد، وهو ضعيف (٤/ ٣٢٤). والحديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده [وهو الذي روي عنه عمرو بن علي حديث البزار] (ص ١٩٤ - ١٩٥. رقم ١٣٦٤): بهذا الإسناد. وفيه: "قال: اشتريته، فتصدقت به. قال: علي من؟ قال: على الرفيقة. قال: ومن الرفيقة؟ قال: امرأتى". مسند أبي يعلى: (١٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩) حديث عمرو بن أمية الضمرى. من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري، عن الزبرقان بن عبد الله بن عمرو بن أمية، عن أبيه عن عمرو بن أمية قال: مر عثمان بن عفان - أو عبد الرحمن بن عوف بمرط، فاستغلاه، فمر به على عمرو بن أمية فاشتراه، فكساه امرأته سخيلة بنت عبيدة بن الحارث بن المطلب، فمر به عثمان - أو عبد الرحمن فقال: ما فعل المرط الذي ابتعت؟ قال عمرو: تصدقت به علي سخيلة بنت عبيدة، فقال: إن كل ماصنعت إلى أهلك صدقة؟ قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ - يقول ذاك؟ فذكر ما قال عمرو لرسول الله ﷺ فقال: صدق عمرو، كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥): رواه أبو يعلى والطبرانى ورجال الطبراني ثقات كلهم. أقول: وبهذا يتقوى الحديث الذي معنا فيما هو مرفوع منه إلى درجة الحسن والله ﷿ وتعالى أعلم.
(٢) السنن الكبرى للبيهقى (٥/ ١٣٥).
[ ٦٥ ]
ثم أَخرج عن ابن عيينة عن عمرو عن سالم قال: قالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ لحله وإحرامه" قال سالم: "وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع". وقد أخرج الشيخان عن القاسم عنها قالت: "طيبت رسول الله ﷺ لحُرْمِه حين أحرم، ولحله حين حل؛ قبل أن يطوف بالبيت" (^١).
وقد تابعها على ذلك ابن عباس، فيما أخرجه البيهقى أيضًا من جهة الثورى، عن سلمة، عن الحسن العُرَنى عن ابن عباس قال: "إذا رميتم الجمرة فقد حلَّ لكم كل شيءٍ إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت" فقال رجل: "والطيب يا أبا العباس" فقال له: "إني رأيت رسول الله ﷺ يُضَمَّخُ رَأْسُه بالسُّكِّ (^٢)، أَوَ طيب هو، أم لا"؟ (^٣).
(الحديث الخامس): قال البزار في مسنده: حدَّثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثني عبد الرحيم بن مطرف قال حدثني عيسى بن يونس عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر عن ابن عمر (^٤) قال: "أَقبلنا مع عمر حتى إذا كنا بذى الحليفة أهلَّ وأهللنا فمر بنا راكب يَنْفَحُ عنه ريحُ ريحُ الطِّيب، فقال عمر: "مَن هذا"؟ قالوا: "معاوية" فقال: "ما هذا يا معاوية"؟ قال: "مررت بأُم حبيبة بنت أبي سفيان ففعلت بي هذا" قال: "ارجع فاغسله عنك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحاج الشَعِثُ التَّفِل".
_________________
(١) المصدر السابق: (٥/ ١٣٥ - ١٣٦) خ: (١/ ٤٧٥) (٢٥) كتاب الحج (١٨) باب الطيب عند الإحرام. رقم (١٥٣٩) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن عائشة به. م: (٢/ ٨٤٦) (١٥) كتاب الحج (٧) باب ما يحل بالتحلل الأول من محظورات الإحرام عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. رقم: (٣٣/ ١١٨٩)
(٢) في المطبوعة "بالمسك"، وما أثبتناه من المخطوط والبيهقى، مصدر المصنف، والسُّكُ: هو طيب يتخذ من الرامك (تاج العروس).
(٣) السنن الكبرى للبيهقى: (٥/ ١٣٦) كتاب الحج - باب ما يحل بالتحلل الأول من محظورات الإحرام. وانظر كتاب توثيق عائشة للسنة ص: (١٥٧ - ١٦١).
(٤) "عن ابن عمر": ليس في المخطوط ولا في المطبوعة. وأثبتناه من البزار مصدر المصنف.
[ ٦٦ ]
قال البزار: "لا نعلم له إسنادًا عن عمر إلا هذا، وإبراهيم بن يزيد ليس بالقوى، وقد حدث عنه سفيان الثوري وجماعة كثيرة" (^١) اهـ.
قلت: ورواه مالك في الموطأ عن نافع عن أسلم مولى عمر: أَن عمر به (^٢) وأخرجه البيهقي في سننه عن شعيب عن الزهري قال: "وكان ابن عمر يحدث عن عمر: أَنَّه وجد من معاوية ريح طيب وهو بذي الحليْفَة وهم حجاج فقال عمر: "ممَّن ريح هذا الطيب"؟ قال: "منى، طيبتني أُم حبيبة" فقال: "لعمرى أُقسم بالله لترجعن إليها حتى تغسله، فوالله لأن أجد من المحرم ريح القطِران أحب إلى من أَن أَجد منه ريح الطيب" (^٣). قال البيهقي: "يحتمل أنه لم يبلغه حديث عائشة، أو كره ذلك لئلا يغتر به الجاهل، فيتوهم أن ابْتداءَ الطيب يجوز للمحرم، كما قال طلحة في الثوب المُمَشَّق" (^٤) ا هـ
وذكره الحازمي في ناسخه، ثم قال: "ولم يبلغ عمر حديث عائشة - يعني (طيبت النبي ﷺ فأصبح وإِنَّ وَبيص المسك في مَفَارِقه). قال: "ولو بلغه لرجع إليه وإذا لم يبلغه؛ فسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع" (^٥) اهـ
ولهذا ذكرت هذا في المستدركات.
_________________
(١) مسند البزار: (١/ ٢٨٥ - ٢٨٦) من طريق عيسى بن يونس، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عمر، قال: أقبلنا مع عمر … الحديث … ثم قال: "وهذا الحديث لا نعلمه إلا عن عمر، ولا نعلم له إسنادًا عن عمر إلا هذا الإسناد … " الخ. قال الهيثمي في المجمع: (٣/ ٢١٨): رواه أحمد والبزار، وزاد بعد الأمر بغسله: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: الحاج الشعث التفل. ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن سليمان بن يسار لم يسمع من عمر، وإسناد البزار متصل، إلا أن فيه إبراهيم بن يزيد الخوزى، وهو متروك.
(٢) ط: (١/ ٣٢٩) (٢٠) كتاب الحج (٧) باب ما جاء في الطيب في الحج. رقم (١٩)
(٣) السنن الكبرى للبيهقى (٥/ ١٣٥) كتاب الحج - باب الطيب للإحرام.
(٤) المصدر السابق - الموضع السابق.
(٥) الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار (ص: ٢٨٥)
[ ٦٧ ]
وحديث عائشة مقدم لا محالة؛ لأنها نقلت النص، وعمر ﵁ إنما منع استدامة التطيب بالاستنباط من قوله ﷺ: "الحاج الشعِثُ التفِل".
وسيأتي إنكارها على ابن عمر مثل ذلكِ.
(الحديث السادس) (^١): قال البزار أيضًا: حدَّثنا علي بن نصر، ومحمد بن معمر، واللفظ له قالا: ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى (^٢): أَن عمر كَبَّرَ على زينب بنت جحش أربعًا ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ: "من يدخل هذه قبرها"؟ فقلن: "من كان يدخل عليها في حياتها" ثم قال عمر: "كان رسول الله ﷺ يقول: "أسرعكن بي لحوقًا أطولكن يدًا" فكن يتطاولن بأيديهن [وإنما كان ذلك] (^٣) لأنها كانت صناعًا تعين بما تصنع في سبيل الله.
قال البزار: "وهذا الحديث روى عن النبي ﷺ من وجوه، ولا نعلم رواه عنه أَجلُّ من عمر، ورواه غير واحد عن إسماعيل عن الشعبي مرسلًا (^٤)، وأسنده شعبة".
وقوله: ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ عائشة وأصله في العموم (^٥) فلهذا ذكرناه في هذا الباب ا. هـ.
_________________
(١) من هنا حتى آخر الحديث الثامن في استدراك السيدة عائشة على ابن عباس أثبت في الأصل المخطوط آخر الكتاب بعد السماع، وهو في ثماني أوراق بعضها أنصاف، وضعها مجلد المجموعة خطأ في غير موضعها.
(٢) في المطبوعة: "عبد الرحمن بن أبي بكر" وهو خطأ، وما أثبتناه من المخطوط.
(٣) ما بين المعكوفين من البزار، مصدر المصنف، وفى المطبوعة بين معكوفين: [وإنما عنى] أنها .. إلخ.
(٤) "مسند البزار" (١/ ٣٦٠ - ٣٦١ - رقم ٣٦٠) عن علي بن نصر ومحمد بن معمر به. وبقية كلام البزار: "وأسنده شعبة فقال: "عن ابن أبي ليلى" ولا نعلم حدث به عن شعبة إلا وهب. قال الهيثمي في المجمع: (٩/ ٢٤٨): رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح. وانظر رواياته والاختلاف فيها في علل الدارقطني (٢/ ١٧٧ - ١٧٨).
(٥) في رواية الطبراني في الكبير ما يوضح هذا الاستدراك؛ ففيها: "وكان يعجبه - أي عمر - أن يدخل قبرها". وعلى هذا يكون الاستدراك هو بيان سنة خلاف ما يريده عمر ﵁.
[ ٦٨ ]
(الحديث السابع): روى مسلم عن أنس قال: "كان عمر يضرب الأيدى على صلاة بعد العصر" (^١).
وأخرج أيضًا عن طاوس عن عائشة قالت: "وَهِمَ عمر، وإنما نهى رسول الله ﷺ أن يُتحرى طلوع الشمس وغروبها" (^٢).
قال ابن عبد البر: وبقول عائشة قال ابن عمر وغيره، وهو مذهب زيد بن خالد الجهني أيضًا؛ لأنه رآه عمر بن الخطاب يركع بعد العصر ركعتين، فمشى إليه وضربه بالدِّرَّة، فقال له زيد: "يا أمير المؤمنين اضرب، فوالله لا أدعهما بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يصليهما"، فقال له عمر: "يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذها الناس سُلَّمًا إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما" (^٣) (^٤).
(الحديث الثامن): قال البيهقي في شعب الإيمان: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن وهب: أَخبرني ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن عمر بن الخطاب قال: "لا يحل للمؤمن أن
_________________
(١) م: (١/ ٥٧٣) (٦) كتاب المسافرين (٥٥) باب استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب رقم: (٣٠٢/ ٨٣٦).
(٢) م: (١/ ٥٧١) (٦) كتاب صلاة المسافرين (٥٣) باب لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها. رقم: (٢٩٥/ ٨٣٣)
(٣) التمهيد لابن عبد البر (١٣/ ٣٢ - ٣٣) والحديث رواه عبد الرزاق وأحمد والطبراني: المصنف: (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢) كتاب الصلاة - باب الساعة التي يكره فيها الصلاة - عن ابن جريجٍ، عن أبي سعد الأعمى، عن السائب مولى الفارسيين، عن زيد بن خالد الجهني نحوه رقم: (٣٩٧٢) [في مخطوط للمصنف عن أبي سعيد الأعمى] وهو الصواب. حم: (٤/ ١١٥) مسند زيد بن خالد الجهني ﵁ عن عبد الرزاق وابن بكر، عن ابن جريجٍ، عن أبي سعيد الأعمى به. المعجم الكبير: (٥/ ٢٦٠) من طريق عبد الرزاق به رقم: (٥١٦٧) ومن طريق عمرو بن أبي عاصم عن أبيه، عن ابن جريجٍ به مختصرًا رقم: (٥١٦٦). قال الهيثمي في المجمع: (٢/ ٢٢٣): إسناده حسن.
(٤) وانظر توثيق عائشة للسنة. ص: ١٦٢ - ١٦٥
[ ٦٩ ]
يدخل الحمام إلا بمنديل ولا مؤمنة إلا من سقم، فإني سمعت عائشة تقول: إن رسول الله ﷺ يقول: "أيما امرأَة وضعت خمارها في غير بيتها فقد هتكت الحجابّ فيما بينها وبين ربها" قال: وهو منقطع (^١).
_________________
(١) شعب الإيمان (٦/ ١٥٩) (٥٤) باب الحياء - فصل في الحمام. عن أبي زكريا بن أبي إسحاق، عن أبي العباس الأصم به. قال البيهقي: "وفى هذ الأثر عن عمر تأكيد لما رواه الأفريقى غير أنه منقطع وروى عن عمر من وجه آخر أقوى". هذا والحديث الذي يشير إليه هو حديث تفرد به عبد الرحمن بن زياد الأفريقى عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: إنها ستفتح عليكم أرض الأعاجم، وستجدون فيها بيوتًا يقال لها الحمامات فلا يدخلها الرجال إلا بالإزار، وامنعوا النساء أن يدخلنها إلا مريضة أو نفساء. قال البيهقي: وقد أخرجه أبو داود في السنن عن أحمد بن يونس عن زهير، عن عبد الرحمن بن زياد به. [انظر كتاب الحمام - الباب الأول ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢ - رقم ٤٠١١] قال البيهقى: وأكثر أهل العلم لا يحتج بحديثه. وحديثنا فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف ولكن له شواهد تقويه، وتجعله حسنًا، ومن هذه الشواهد ما رواه الحاكم بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: اتقوا بيتًا يقال له: الحمام. قالوا: يا رسول الله، إنه يذهب الدّرن وينفع المريض؟ قال: فمن دخله فليستتر". قال الحاكم: هذا حديث على شرط مسلم، ولم يخرجاه. وأقره الذهبي [المستدرك ٤/ ٢٨٨] كما روى عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. [المستدرك ٤/ ٢٨٨] وعن أم الدرداء قالت: خرجت من الحمام، فلقينى النبي ﷺ فقال: من أين يا أم الدرداء؟، فقلت: من الحمام، فقال: والذي نفسي بيده ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهى هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن ﷿. قال الهيثمي: رواه أحمد، والطبرانى في الكبير بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ١/ ٢٧٧ - باب في الحمام والنورة) [وانظر حم: (٦/ ٣٦١ - ٣٦٢) والطبراني في الكبير ٢٤/ ٢٥٢ - ٢٥٥ - أرقام ٦٤٥، ٦٤٦، ٦٥٢ و٢٥/ ٧٣ رقم ١٧٩]
[ ٧٠ ]