أَخرج الترمذى والنسائي وابن ماجه من جهة شريك بن عبد الله، عن المقدام بن شريح بن هانيء، عن أَبيه عائشة قالت: "من حدثكم أَن رسول الله ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إِلا قاعدًا". هذا لفظ الترمذى وقال: "هو أحسن شيءٍ في هذا الباب وأَصح". انتهى. وإسناده على شرط مسلم. (^١)
واعلم أّنه قد حَدَّث عن رسول الله ﷺ بالبول قائمًا حذيفة؛ أَخرجاه في الصحيحين (^٢).
وجمع بعضهم بين الروايتين؛ لأَن النفى في حديث عائشة ورد على صيغة "كان" بمعنى الاستمرار في الأَغلب، وحديث حذيفة ليس فيه "كان" فلا يدل إِلا على مطلق الفعل ولو مرة.
ويدل لذلك ما رواه الحاكم في مستدركه من جهة أَبى هريرة أَن رسول الله ﷺ بال قائمًا من جرح كان بمَأْبِضِه، وقال: رواته ثقات (^٣).
_________________
(١) ت: (١/ ١٧ - ١٨) أبواب الطهارة (٨) باب ما جاء في النهى عن البول قائما، رقم (١٢) وقال الترمذى: وفى الباب عن عمر، وبريدة، وعبد الرحمن بن حسنة. س: (١/ ٢٦) (١) كتاب الطهارة (٢٥) البول في البيت جالسًا. رقم: (٢٩) جه (١/ ١١٢) (١) كتاب الطهارة وسننها (١٤) باب في البول قاعدًا رقم: (٣٠٧) ولفظه: "من حدثك أن رسول الله ﷺ بال قائمًا فلا تصدقه، أَنا رأيته يبول قاعدًا". وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٨٥).
(٢) خ: (١/ ٣٩٤) (٤) كتاب الوضوء (٦٢) باب البول عند سباطة قوم. رقم (٢٢٦) م: (١/ ٢٢٨) (٢) كتاب الطهارة (٢٢) باب المسح على الخفين.
(٣) المستدرك (١/ ١٨٢) كتاب الطهارة - البول قائما وقاعدًا. وقال: هذا حديث صحيح ورواته ثقات. والمأْبِض: باطن الركبة.
[ ١٦٠ ]
وحكى الخطابي عن الشافعي أَنه قال: كانت العرب تستشفى لوجع الصُّلبْ بالبول قائمًا، فيرى أنَّه ﷺ لعله كان به إذ ذاك وجع الصلب (^١).
والحمل على هذا متعين لأجل الجمع بين الروايتين. وأما رواية ابن ماجه: "من حدثك أن رسول الله ﷺ بال قائمًا فلا تصدقه". ففيها مخالفة، فإِن كانت محفوظة فمحمولة على تلك، لأَن مخرجهما واحد، والمعنى الإِخبار عن الحالة المستمرة. ولم تطلع على ما اطلع عليه حذيفة. ولهذا علقت مستند إِنكارها برؤيتها حيث قالت: "أَنا رأَيته يبول قاعدًا". وأَيضًا القاعدة الأُصولية تقضى لحديث حذيفة من حيث إنه مُثبت فيقدم على من روى النفى.
ويدل عَلَى حمل الحديث على حالٍ: ما روى سفيان الثورى عن المقدام بن شريح عن أَبيه عائشة قالت: "ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أُنزل عليه القرآن" أَخرجه الحاكم، ثم أَخرجه عن إسرائيل عن المقدام به بلفظ: "سمعت عائشة تقسم بالله: ما رأى أحد رسول الله ﷺ يبول قائمًا منذ أُنزل عليه القرآن" وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والذي عندى أنَّهما لما اتفقا على حديث منصور عن أَبي وائل عن حذيفة: "أَن رسول الله ﷺ أَتى سباطة قوم فبال قائمًا". ولكن حديث المقدام عن أَبيه عن عائشة ثقات رجاله، فتركاه والله أَعلم (^٢).
وقد روى النهي عن البول قائمًا عمر بن الخطاب وابن عمر، أَخرجها ابن ماجه، وإسنادها لا يثبت (^٣).
_________________
(١) معالم السنن (١/ ١٨).
(٢) المستدرك (١/ ١٨٥) كتاب الطهارة - البول قائمًا وقاعدًا. ووافقه الذهبي.
(٣) جه (١/ ١١٢) الموضع السابق. من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم بن أبي أمية، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: رآني رسول الله ﷺ وأنا أبول فقال: يا عمر، لا تبل قائمًا فما بلت قائمًا بعدُ. رقم: (٣٠٨). قال البوصيرى في الزوائد: عبد الكريم متفق على تضعيفه. =
[ ١٦١ ]
ومن جهة بريدة أَخرجه البزار في مسنده (^١)، قال الترمذي: "إِنه غير محفوظ" (^٢).
وقال ابن ماجه: سمعت أَحمد بن عبد الرحمن المخزومي يقول: قال سفيان الثوري في حديث عائشة: "أَنا رأَيته يبول قاعدًا"، قال: الرجل أَعلم بهذا منها.
قال أَحمد بن عبد الرحمن: وكان من شأْن العرب البول قائمًا. أَلا تراه في حديث عبد الرحمن بن حسنة: قعد رسول الله ﷺ يبول كما تبول المرأَة (^٣) (^٤).
_________________
(١) = وهو عبد الكريم بن أبي المخارق. وقال الترمذى في الموضع السابق: وإِنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف عند أَهل الحديث، ضعفه أيوب السَّخْتياني، وتكلم فيه. قال: وروى عبيد الله عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر ﵁: ما بُلْت قائمًا منذ أسلمت. (رواه البزار - كشف الأستار ١/ ١٣٠) وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع ١/ ٢٠٦) قال الترمذى: وهذا أصح من حديث عبد الكريم. وعلى هذا فقول المصنف "عن عمر، وابن عمر" يريد به: عن عبد الله بن عمر، عن عمر، ولهذا قال: وإسنادها لا يثبت؛ أي هي رواية واحدة.
(٢) كشف الأستار (١/ ٢٦٦) كتاب الصلاة - باب ما نهى عنه في الصلاة. قال البزار: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الله بن داود، حدثنا سعيد بن عبيد الله، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أَبيه أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، أَو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أَو ينفخ في سجوده. وقال البزار: لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة، عن أَبيه إِلا سعيد، ورواه عن سعيد عبد الله بن داود وعبد الواحد بن واصل. رقم (٥٤٧). قال الهيثمي: رواه البزار والطبرانى في الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح (مجمع ٢/ ٨٣) وانظر المعجم الأوسط للطبراني (٦/ ٤٧٠ - ٤٧١).
(٣) الموضع السابق. وقال العينى: إسناده صحيح (عمدة القارى ٣/ ١٣٥). وقال المباركفوري تعقيبًا على من يقول بصحة هذا السند: "الترمذى من أئمة هذا الشأن، فقوله حديث بريدة في هذا غير محفوظ يعتمد عليه، وأما إخراج البزار حديثه بسند ظاهره الصحة فلا ينافي كونه غير محفوظ" (تحفة الأحوذى ١/ ٦٨).
(٤) جه: (٢/ ١١٢) (١) كتاب الطهارة وسننها (١٤) باب البول قاعدًا، عقب حديث رقم: (٣٠٩).
(٥) انظر: توثيق عائشة للسنة، ص: (٢٣٦ - ٢٣٩).
[ ١٦٢ ]