(الحديث الأول): أَخرج البخارى ومسلم، واللفظ له، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة - وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول: "إن الميت ليعذب ببكاء الحي" - فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب، ولكنه نسى أو أخطأ، إنما مرَّ رسول الله ﷺ على يهودية يُبْكَى عليها فقال: "إنهم يبكون عليها، وإنها لتعذب في قبرها" (^١).
ورواه مسلم أَيضًا عن هشام بن عروة عن أَبيه نحوه بلفظ: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا ولم يحفظ، إنما مرت على رسول الله جنازة يهودى وهم يبكون عليه، فقال: "أنتم تبكون وإنه ليعذب" (^٢).
واعلم أن تعذيب الميت ببكاء أهله عليه رواه عن النبي ﷺ جماعة من الصحابة؛ منهم عمر وابن عمر، وأنكرته عليهما عائشة، وحديثها موافق لظاهر القرآن وهو قوله سبحانه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة النجم: ٣٨] وموافق للأحاديث الآخر في بكاء النبي ﷺ على جماعة من الموتى، وإقراره على البكاء عليهم. وكان ﷺ رحمة للعالمين، فمحال أن يفعل ما يكون سببًا لعذابهم أو يقر عليه. وهذا مرجِّحٌ آخر لرواية عائشة، وعائشة جزمت بالوهم.
واللائق لنا في هذا المقام التأويل، وهو حمل الأحاديث المخالفة لها إما على
_________________
(١) خ: (١/ ٣٩٧) (٢٣) كتاب الجنائز - (٣٢) باب قول النبي ﷺ "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أنها سمعت عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: نحوه. رقم: (١٢٨٩) م: (٢/ ٦٤٣) (١١) كتاب الجنائز (٩) باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه - عن قتيبة بن سعيد، عن مالك به، ولفظه كما هنا كما نبه المصنف رحمه الله تعالى عليه. رقم: (٢٧/ ٩٣٢)
(٢) م: (٢/ ٦٤٢) في الكتاب والباب السابقين من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن عروة به. رقم: (٢٥/ ٩٣١)
[ ٩٠ ]
من أوصى بذلك فعليه إثم الوصية بذلك أنه قد تسبب إلى وجوده، وإما غير ذلك مما ذكره العلماءُ في كتبهم. والذي يؤكد قول عائشة في "وَهِم" قولها: "إنه ﵇ قال لرجل مات يهوديًا: "وإن الميت ليعذب" .. بلام العهد فالظاهر أن ابن عمر خفى عليه موت اليهودي فحملها على الاستغراق.
ونظير هذا ما رُوى أنه ﷺ رأى تاجرًا يبخس الناس في البيع فقال: "التاجر فاجر" (^١) يعني ذلك الرجل، فرواه بعضهم على أنه للاستغراق. ذكر هذا فخر الدين الرازى في بعض كتبه الأُصولية وجعله من أسباب الغلط في الرواية.
ولا شك أنه من أسبابه، لكن هذا الحديث ليس من هذا الباب فإن في السنن: "التاجر فاجر إِلا مَن برَّ وصدق" وهذا يدل على إرادة الاستغراق؛ لوجود الاستثناء فيه (^٢).
(الحديث الثاني): أخرجا أيضًا عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يقول: "لأن أُصبحَ مطليًّا بقطران أحب إلى من أَن أُصبح محرمًا أنضخ طيبًا" قال: فدخلت على عائشة فأخبرتها بقوله، فقالت: "طيَّبْتُ رسول الله ﷺ فطاف على نسائه ثم أصبح محرمًا" (^٣).
_________________
(١) مصنف عبد الرزاق (٧/ ٢٩٩ - ٣٠٠) باب الغيرة - عن معمر، عن قَتادةَ، عن الحسن أو غيره مرفوعًا. رقم (١٣٢٦٣) وهو مرسل.
(٢) انظر الكلام على هذه المسألة في توثيق عائشة للسنة في أول مسألة في عرض السنة على القرآن الكريم.
(٣) خ: (١/ ١٠٦) (٥) كتاب الغسل (١٤) باب من تطيب ثم اغتسل، وبقى أثر الطيب. من طريق إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سألت عائشة فذكرت لها قول ابن عمر: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبًا، فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﷺ، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا. رقم: (٢٧٠) م: (٢/ ٨٤٩) (١٥) كتاب الحج (٧) باب الطيب للمحرم عند الإحرام من طريق أبي عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه قال: سألت عبد الله بن عمر ﵁، عن الرجل يتطيب، ثم يصبح محرمًا، فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبًا، لأن أطَّلِىَ بقطران أحب إلى من أن أفعل ذلك …، فقالت عائشة: أنا طيبت رسول الله ﷺ عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا. رقم: (٤٧/ ١١٩٢)
[ ٩١ ]
وفي لفظ البخارى: ذكرته لعائشة فقالت: "يرحم الله أَبا عبد الرحمن، كنت أُطَيِّب رسول الله ﷺ فيطوف على نسائه، ثم يصبح محرمًا ينضخ طيبًا" (^١).
ورواه النسائي بلفظ: سألت ابن عمر عن الطيب عند الإحرام فقال: "لأَن أُطلى بالقطران أحبُّ إليَّ من ذلك" فذكرت ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، قد كنت أُطيب رسول الله ﷺ فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضخ طيبا" (^٢) وفي لفظ لهما: سألت عائشة وذكرت لها قول ابن عمر: "ما أُحب أن أُصبح محرمًا أَنضخ طيبًا" فقالت عائشة: "أنا طيبت رسول الله ﷺ ثم طاف في نسائه ثم أصبح محرمًا" (^٣).
والنضخ بالخاءِ المعجمة كاللطخ فيما يبقى له أثر؛ يقال نضخ ثوبه بالطيب والنضح بالمهملة فيما كان رقيقًا مثل الماء (^٤).
(الحديث الثالث): أخرجا أيضًا عن منصور عن مجاهدٍ قال "دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد فسألناه عن صلاتهم، فقال: "بدعة" فقال له عروة: "يا أبا عبد الرحمن [كم] اعتمر رسول الله ﷺ "؟ قال: "أربع عمر إحداهن في رجب" فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة، فقال عروة: "أَلا تسمعين يا أُم المؤمنين إلى مايقول أبو عبد الرحمن "؟ فقالت: "وما يقول"؟ قال: يقول: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر إحداهن
_________________
(١) خ: (١/ ١٠٥) (٥) كتاب الغسل (١٢) باب إذا جامع ثم عاد - من طريق شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه، عن عائشة به. رقم: (٢٦٧).
(٢) س: (٥/ ١٤١) (٢٤) كتاب مناسك الحج (٤٢) موضع الطيب - من طريق شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، قال: سألت … فذكره رقم: (٢٧٠٤)
(٣) خ: (١/ ١٠٦) (٥) كتاب الغسل (١٤) باب من تطيب ثم اغتسل عن أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر به. رقم (٢٧٠) وقد سبق تخريجه قريبًا. م: (٢/ ٨٤٩) الرواية السابقة.
(٤) وانظر تفصيلًا في هذه القضية: توثيق عائشة للسنة، ص: (١٥٧ - ١٦١).
[ ٩٢ ]
في رجب" فقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط" (^١)
قال ابن الجوزي في مشكلة: "سكوت ابن عمر لا يخلو من حالين: إما أن يكون قد شك فسكت، أو أن يكون ذكر بعد النسيان فرجع بسكوته إلى قولها وعائشة قد ضبطت هذا ضبطًا جيدًا، وقال أنس: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر كلها في ذى القعدة" وهذا الحديث يدل على حفظ عائشة وحسن فهمها (^٢).
وقد جاء الإنكار عليه منها على وجه آخر، أخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه من جهة مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله ﷺ فقال: "مرتين" فقالت عائشة: "لقد علم ابن عمر أن رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثًا سوى التي قَرَنَها بحجة الوداع" (^٣).
وقد سبق أن البخارى ومسلمًا (^٤) رويا حديث مجاهد عن عائشة، وهو منهما تصريح بأنه سمع منها، لا سيما على شرط البخارى، لكن قال يحيى بن
_________________
(١) خ: (٣/ ٧٠١) (٢٦) كتاب العمرة (٣) باب كم اعتمر النبي ﷺ. رقم (١٧٧٥ - ١٧٧٦) عن قتيبة، عن جرير، عن منصور، عن مجاهدٍ وعروة عن عبد الله بن عمر وعائشة ﵃. م: (٢/ ٩١٧) (١٥) كتاب الحج (٣٥) باب بيان عدد عمر النبي ﷺ وزمانهن. رقم: (٢١٧/ ١٢٥٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن جرير به.
(٢) كشف المشكل: (٤/ ٣٤٧) مسند عائشة - رضى الله تعالى عنها.
(٣) د: (٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦) (٥) كتاب المناسك (٨٠) باب العمرة من طريق أبي إسحاق - عن مجاهد به. س: الكبرى: (٢/ ٤٧٠) (٢٨) كتاب الحج - أبواب العمرة (٢٨٢) كم عمرة اعتمر ﷺ. رقم: (٤٢١٨) ولم أعثر عليه في ابن ماجه من حديث عائشة، وإنما هو من حديث ابن عباس (٢/ ٩٩٩ - ٢٥ كتاب المناسك - ٥٠ باب كم اعتمر النبي ﷺ؟ رقم ٣٠٠٣).
(٤) في المخطوط: "مسلم" غير منصوبة.
[ ٩٣ ]
سعيد القطان: لم يسمع مجاهد من عائشة، وكان شعبة بن الحجاج ينكره. وهو قول يحيى بن معين وأبي حاتم الرازي أيضًا (^١).
وفي هذا الحديث أمر آخر غير مخالفة ما سبق، وهو أن عائشة روت الإفراد عن النبي ﷺ، لكن قال الطحاوى في معاني الآثار: "هذا لا ينافيه، فيجوز أن تكون قد علمت أنه ﷺ ابتدأ فأحرم بعمرة لم يقرنها حينئذ بحجة، فمضى فيها على أن يحج في وقت الحج، فكان في ذلك متمتعًا بها، ثم أحرم بحجة منفردة في إحرامه بها لم يبتدئ معها إحرامًا بعمرة، فصار بذلك قارنًا لها إلى عمرته المتقدمة، فقد كان في إحرامه على أشياءَ مختلفة: كان في أوله متمتعًا ثم محرمًا بحجة أفردها في إحرامه تلزمه مع العمرة التي كان قدمها، فصار في معنى القارن والمتمتع. وأرادت عائشة بالإفراد خلافًا للذين رووا أنه ﵇ أهلَّ بهما جميعًا" (^٢). اهـ (^٣).
(الحديث الرابع): وأخرجا أيضًا من جهة نافع قال: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تبع جنازة فله قيراط من الأجر" فقال ابن عمر: "أكثر علينا أبو هريرة" فبعث إلى عائشة فسألها فصدَّقت أبا هريرة، فقال ابن عمر: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة" (^٤).
وأَخرجه مسلم أيضًا عن داود بن عامر بن سعد بن أَبي وقاص عن أَبيه: أَنَّه
_________________
(١) انظر الأقوال في سماع مجاهد من عائشة وعدم سماعه منها في تحفة التحصيل لأبي زرعة العراقي بتحقيقنا: (٤٧٨ - ٤٧٩)
(٢) شرح معاني الآثار (٢/ ١٥٠) كتاب مناسك الحج - باب ما كان النبي ﷺ به محرمًا في حجة الوداع.
(٣) انظر: توثيق عائشة للسنة. ص: (١٧٨ - ١٧٩).
(٤) خ: (١/ ٤٧٠) (٢٣) كتاب الجنائز (٥٧) باب فضل اتباع الجنائز. رقم (١٣٢٣) من طريق جرير بن حازم، عن نافع به. م: (٢/ ٦٥٣) (١١) كتاب الجنائز (١٧) باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها رقم (٥٥/ ٩٤٥) من طريق شيبان بن فروخ، عن جرير بن حازم به.
[ ٩٤ ]
كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر، إذ طلع خبَّاب صاحب المقصورة فقال: يا عبد الله بن عمر، ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من خرج مع جنازة من بيتها، وصلى عليها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل أُحُد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الأجر مثل أحد" فأرسل ابن عمر خبَّابًا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة، ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر قبضةً من حصى المسجد يقلِّبها في يده، حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: "صدق أبو هريرة" فضرب ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الأَرض وقال: "لقد فرطنا في قراريط كثيرة" (^١) (^٢).
(الحديث الخامس): أخرج أبو داود في سننه عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن سالم بن عبد الله: أَن عبد الله كان يصنع ذلك "يعنى يقطع الخفين للمرأة المحرمة" ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد: أَن عائشة ﵂ حدثتها "أن رسول الله ﷺ وقد كان رخَّص للنساء في الخفين" فترك ذلك (^٣).
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وقال فيه: قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهرى (^٤)، فزالت علة التدليس.
وقال الشافعي: أنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان يفتى النساءَ إذا أحرمن أن يقطعن الخفين، حتى أخبرته صفية عن عائشة: "أنها تفتى النساءَ إذا أحرمن ألا يقطعن" فانتهى عنه (^٥).
_________________
(١) م: (٢/ ٦٥٣ - ٦٥٤) في الكتاب والباب السابقين. رقم (٥٦/ ٩٤٥) من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن داود بن عامر به.
(٢) انظر: توثيق عائشة للسنة. ص: (١٨٠ - ١٨١).
(٣) د: (٢/ ٤١٤ - ٤١٥) (٥) كتاب المناسك (٣٢) باب ما يلبس المحرم رقم: (١٨٣١). من طريق محمد بن إسحاق قال: ذكرت لابن شهاب فقال: حدثني سالم أن عبد الله بن عمر - كان يصنع ذلك - يعنى يقطع الخفين للمرأة .. الحديث.
(٤) صحيح ابن خزيمة (٤/ ٢٠١) كتاب الحج (٦٠٠) باب ذكر الدليل على أن النبي ﷺ إنما رخص بالأمر بقطع الخفين للرجال دون النساء إذ قد أباح للنساء الخفين، وإن وجدن نعالا، فرخص للنساء في لبس الخفاف دون الرجال. رقم (٢٦٨٦) من طريق عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق به.
(٥) السنن الكبرى للبيهقى (٥/ ٥٢) كتاب الحج - باب ما تلبس المرأة المحرمة من الثياب.
[ ٩٥ ]
أخرجه البيهقى في السنن الكبير من طريق الشافعي.
وأخرج البيهقى أيضًا عن أبي النضر ثنا محمد بن راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن ابن باباه المكى: أَن امرأَة سألت عائشة: "ما تلبس المرأة في إحرامها"؟ قالت: "تلبس من خَزِّها وبَزِّهَا وأَصباغها وحليها" (^١).
قال بعضهم: أَجمعوا على أن المراد بالخطاب المذكور في اللباس الرجال دون النساءِ، وأنه لا بأس بلباس المَخِيط والخِفَاف للنساء.
(الحديث السادس): أخرج الدارقطني في سننه: عن علي بن عبد العزيز الوراق عن عاصم بن علي عن أبي أُويس: حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أنه بلغها قول ابن عمر: "في القُبلة الوضوءُ" فقالت: "كان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم ثم لا يتوضأُ" (^٢).
قال الدارقطني: لا أعلم حدَّث به عن عاصم هكذا غير على بن عبد العزيز (^٣) (^٤).
(الحديث السابع): قال الطبراني في معجمه الوسط: حدَّثنا بكر بن سهل ثنا سعيد بن منصور، ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة قال: "بلغ عائشة أن ابن عمر يقول: "إن موت الفجأة سخطة على المؤمنين" فقالت: "يغفر الله لابن عمر، إنما قال رسول الله ﷺ: موت الفجأة تخفيف على المؤمنين وسخطة على الكافرين".
قال الطبراني: لم يروه عن عبد الملك إلا صالح (^٥).
قلت: وهو ضعيف عندهم.
_________________
(١) المصدر السابق: (٥/ ٥٢) الموضع السابق.
(٢) سنن الدارقطني (١/ ١٣٦) باب صفة ما ينقض الوضوء، وما روى في الملامسة والقبلة. رقم (١٠).
(٣) قال الزيلعي: وعَلِيٌّ هذا مصنف مشهور، ومخرج عنه في المستدرك، وعاصم أخرج له البخارى، وأبو أويس استشهد به مسلم.
(٤) انظر توثيق عائشة للسنة، ص: (١٨٤).
(٥) المعجم الأوسط: (٤/ ١٠٤). عن بكر بن سهل، عن سعيد بن منصور، عن صالح بن موسى الطَّلْحِي، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة به رقم (٣١٥٣).
[ ٩٦ ]
(الحديث الثامن): روى البخارى من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن بلالًا يؤذِّن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أُم مكتوم" (^١).
وأخرج البيهقي في سننه من جهة يعقوب بن محمد الزهري: ثنا الدراوردي ثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "إن ابن أُم مكتوم رجل أعمى، فإذا أذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال" قالت: وكان بلال يبصر الفجر. وكانت عائشة تقول: "غلط ابن عمر".
قال البيهقي: كذا قال، وحديث عبيد الله عن القاسم عن عائشة أصح (^٢).
يشير إلى ما أخرجه البخارى كذلك عنها موافقًا لحديث ابن عمر (^٣).
واعلم أن حديث عائشة هذا الذي أخرجه إسناده صحيح، وقد رواه أحمد ومسدد، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولكن لم يذكر فيه تغليط ابن عمر. وحمله ابن حبان وابن حزم على أن الأذان كان بينهما دُولا: تارة يقدم هذا وتارة يتأخر (^٤).
_________________
(١) خ: (١/ ٢٠٩) (١٠) كتاب الأذان (١١) باب أذان الأعمى إذا كان له من يخبره. رقم (٦١٧) عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه به. وفيه: "وكان رجلًا أعمى، لا ينادى حتى يقال له: أصبحت، أصبحت. م: (٢/ ٧٦٨) (١٣) كتاب الصيام (٨) باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. رقم: (٣٦ - ٣٧/ ١٠٩٢). من طريق يونس عن ابن شهاب، عن سالم به. ومن طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر به وهناك طرق أخرى.
(٢) السنن الكبرى للبيهقى: (١/ ٣٨٢) كتاب الصلاة - باب القدر الذي كان بين بلال وابن أم مكتوم، ورواية من قدم أذان ابن أم مكتوم على أذان بلال.
(٣) انظر توثيق عائشة للسنة. ص: (١٨٥ - ١٨٦)
(٤) صحيح ابن خزيمة: (١/ ٢١٢ - ٢١٣) كتاب الصلاة (٥٣) باب ذكر خبر روى عن النبي ﷺ بعض أهل الجهل أنه يضاد هذا الخبر الذي ذكرنا أن النبي ﷺ قال: إن بلالًا يؤذن بليل. عن خبيب بن عبد الرحمن، عن عمته أنيسة بنت حبيب مرفوعًا، ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة نحوه. ومن طريق يونس، عن أبي إسحاق، عن الأسود نحوه. =
[ ٩٧ ]
وقد روى ابن أبي شيبة حديثًا شهد لذلك فقال: حدَّثنا عَفَّان (^١) ثنا شعبة عن خبيب قال: سمعت عمتي، وكانت قد حجت مع رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: "إن ابن أُم مكتوم ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى ينادى بلال" و"إن بلالًا ينادى بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أُم مكتوم" قالت: "وكان يصعد هذا وينزل هذا. قالت: فكنا نتعلق (^٢) به فنقول: "كما أنت حتى نتسحر" (^٣).
وكذا رواه أبو داود عن شعبة عن خبيب (^٤).
(التاسع): روى أبو منصور البغدادى بإسناده إلى ابن جريج قال أنبأ ابن أبي مليكة عن رجل لا يكذبه: أخبرَت عائشة ﵂ بقول ابن عمر ﵁: "إن الشهر تسع وعشرون" فأنكرت ذلك عليه وقالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، ما هكذا قال رسول الله ﷺ، ولكن قال: "إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين" (^٥).
قال الإمام أحمد في مسنده: حدَّثنا يحيى عن محمد بن عمرو قال: حدثني يحيى بن عبد الرحمن عن ابن عمر عن النبي ﷺ: "الشهر تسع وعشرون" فذكروا ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، إنما قال: "الشهر قد يكون تسعًا وعشرين" (^٦).
_________________
(١) = الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (٨/ ٢٥١ - ٢٥٢) في رقمي (٣٤٦٩ - ٣٤٧٣) (١٢) كتاب الصوم (٤) باب السحور. الأول حديث ابن عمر، والثاني حديث خبيب بن عبد الرحمن.
(٢) في المطبوعة: "عثمان" وهو خطأ، وما أثبتناه من المخطوط ومن كتب التخريج.
(٣) في المطبوعة "نعلق" وما أثبتناه من ابن أبي شيبة، وكأنه هكذا في المخطوط.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٣/ ١١) كتاب الصيام - من كان - يستحب تأخير السحور.
(٥) مسند أبي داود الطيالسي (ص: ٢٣١) مسند أنيسة ﵂ عن النبي ﷺ من طريق خبيب بن عبد الرحمن به. رقم: (١٦٦١) ولكن ليس فيه إلا الجزء الذي فيه ابتداء بلال، ثم ابن أم مكتوم وأغلب الظن أنه سقط منه الجزء الآخر الذي هو في ابن أبي شيبة، وهو موضع الاستشهاد، وهو ابتداء ابن أم مكتوم، ثم تثنيه بلال. والله ﷿ وتعالى أعلم.
(٦) استدراك أم المؤمنين عائشة: (ص: ٥٦ رقم ١٧).
(٧) مسند أحمد (٢/ ٥٦) مسند عبد الله بن عمر ﵄. =
[ ٩٨ ]
(العاشر): أخرج البخارى عن ابن عمر قال: "وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤] ثم قال: "إنهم الآن يسمعون ما أقول" فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ: "إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق" (^١).
قال السهيلي في الروض: "وعائشة لم تحضر، وغيرها ممن حضر أحفظ للفظه ﷺ وقد قالوا له يا رسول الله: "أتخاطب قومًا قد جيفوا أَو أُجيفوا"؟ فقال: "ما أنتم بأَسمع لما أقول منهم" وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين، إما بآذان رءوسهم إذا قلنا: إن الروح تعاد إلى الجسد، أو وإلى بعضه عند المسألة، وهو قول جمهور أهل السنة، وإما بأذن القلب، أو الروح على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع منه إلى الجسد، أو إلى بعضه (^٢).
قال: "وقد روى أن عائشة احتجت بقوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر: ٢٢] وهذه الآية كقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [سورة الزخرف: ٤٠] أي إن الله هو الذي يهدى ويوفق ويدخل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت، وجعل الكفار أمواتًا وصمًّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاءَ، فلا تعلق لها في الآية
_________________
(١) = عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ قال: الشهر تسع وعشرون فذكروا ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن، وهل هجر رسول الله ﷺ نساءه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، فقيل له، فقال: إن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين [وانظر توثيق عائشة للسنة، ص: (١٨٧)].
(٢) خ: (٣/ ٨٧) (٦٤) كتاب المغازى - ٨) باب قتل أبي جهل. من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول، فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال النبي ﷺ: إنهم ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى …﴾ حتى قرأت الآية.
(٣) الروض الأنف (٣/ ٩٢).
[ ٩٩ ]
لوجهين: أَحدهما أَنها إنما نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان، الثاني أنه إنما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله؛ فإنه لا يسمعهم إذا شاءَ إلا هو (^١) (^٢).
* * *
_________________
(١) المصدر السابق: (الموضع نفسه).
(٢) انظر: توثيق عائشة للسنة. ص: (١٣٥ - ١٣٧).
[ ١٠٠ ]