(الحديث الأول): إنكارها عليه بطلان الصوم بالجنابة (^١): أخرج مسلم عن ابن جريجٍ، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه: "من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم". قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث، فذكره لأبيه، فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأُم سلمة، فسأَلها عبد الرحمن عن ذلك فقال: فكلماها قالت: "كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير طهر ثم يصوم" فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: "عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول" قال: فجئنا أبا هريرة وأبو بكر حاضر ذلك كله، فذكر له عبد الرحمن فقال أَبو هريرة: "أهما قالتاه لك"؟ قال: "نعم" قال: "هما أعلم" ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، قال أبو هريرة: "سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمع من النبي ﷺ " قال: فرجع أَبو هريرة عما كان يقول من ذلك؟ (^٢).
قال البزار في مسنده: "ولا نعلم روى أبو هريرة عن الفضل بن العباس إلا هذا الحديث الواحد" (^٣) ا. هـ.
وفي لفظ: فقال أبو هريرة: "لا علم لي بذلك، إنما أخبرني مخبر" (^٤).
_________________
(١) انظر: توثيق عائشة للسنة، ص: (١٩٠ - ١٩٢).
(٢) م: (٢/ ٧٧٩ - ٧٨٠) (١٣) كتاب الصيام (١٣) باب صحة صوم من طلع عليه الفجر، وهو جنب. رقم: (١١٠٧٥). وقد رواه البخارى مختصرًا. خ: (٢/ ٣٧) (٣٠) كتاب الصوم (٢٢) باب الصائم يصبح جنبًا. رقم: (١٩٢٥ - ١٩٢٦) من طريق مالك عن سمى، وشعيب عن الزهرى كلاهما عن أبي بكر بن عبد الرحمن به.
(٣) مسند البزار: (٦/ ١٠٧ رقم ٢١٦٦)
(٤) س: الكبرى: (٢/ ١٨٠) كتاب الصيام - (١٢٤) صيام من أصبح جنبًا رقم (٢٩٣٧ - ٢٩٣٨) =
[ ١٠٢ ]
قال البيهقي: ورواه البخارى مدرجًا في روايته عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، إلا أنه قال في حديثه: "فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس، وهو أعلم" (^١).
وروي أنه قال: "أخبرني بذلك أُسامة بن زيد".
أخرجه النسائي في سننه (^٢).
وقد صح رجوعه عن ذلك صريحًا كما سبق.
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن أبي عروبة عن قَتادةَ عن ابن المسيب: "أن أَبا هريرة رجع عن قوله قبل موته" (^٣).
وروى مثله عن عطاء (^٤).
ثم قال: قال ابن المنذر: أَحسن ما سمعت في هذا أن يكون ذلك محمولا على النسخ، وذلك أن الجماع كان في أول الإسلام محرمًا على الصائم في الليل بعد النوم كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم ذلك اليوم لارتفاع الحظر، وكان أبو هريرة يفتى بما سمعه من الفضل على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع من عائشة وأُم سلمة صار إليه ا هـ (^٥).
_________________
(١) = من طريق مالك، عن سمى، عن أبي بكر بن عبد الرحمن به.
(٢) انظر التخريج من البخارى السابق
(٣) س. الكبرى: (٢/ ١٧٨ - ١٧٩) في الكتاب والباب السابقين. من طريق ابن أبي ذئب عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه عن جده عن عائشة. رقم: (٢٩٣١ - ٢٩٣٢)
(٤) السنن الكبرى للبيهقى: (٤/ ٢١٥) كتاب الصيام - باب من أصبح جنبًا في شهر رمضان. من طريق ابن أبي عروبة.
(٥) المصدر السابق (الموضع نفسه) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن عمر بن قيس، عن عطاء به.
(٦) المصدر السابق - (الموضع نفسه).
[ ١٠٣ ]
وجواب ثان: وهو حمله على من طلع الفجر وهو مجامع (^١) فاستدام.
وثالث: أَنَّه إرشاد إلى الأفضل، وهو الاغتسال قبل الفجر، وتركه ﵇ لذلك في حديث عائشة وأُم سلمة؛ لبيان الجواز.
واعلم أنه وقع خلاف في ذلك للسلف أيضًا، ثم استقر الإجماع على صحة صومه، كما نقله ابن المنذر وكذلك الماوردى في الاحتلام، فعن طاوس وعروة والنخعى (^٢): التفصيل بين أن يعلم فإنه مبطل، وإلا فلا. وعن الحسن البصرى: الفصل بين صوم التطوع، فيحرم (^٣) دون الفرض.
وقيل: يصوم ويقضيه وحكى عن سالم بن عبد الله.
وفي معجم الإمام أبي بكر الإسماعيلي: قال سفيان: وكان إبراهيم النخعى يقول: "من يدركه الصبح وهو جنب يفطر"، قال يحيى بن آدم: ثم جعل سفيان يتعجب من قول إبراهيم، فقال له حفص بن غياث: "لعل إبراهيم لم يسمع حديث النبي ﷺ: أنه كان يدركه الصبح وهو جنب" يعنى - ثم يصوم قال سفيان: "بلى، ثنا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به" ا هـ.
(الحديث الثاني): قال أَبو داود الطيالسي في مسنده: حدَّثنا محمد بن راشد عن مكحول قال: قيل لعائشة: إن أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ "الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس" فقالت عائشة: "لم يحفظ أبو هريرة، إنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاثة في الدار والمرأة والفرس. فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله" (^٤).
ومحمد بن راشد وثقه أحمد وغيره، ولكن الشأن (^٥) في الواسطة بين مكحول وعائشة. وقد قال ابن أبي حاتم في المراسيل: "ثنا أبي قال: سألت
_________________
(١) في المطبوعة "من طلع الفجر عليه وهو يجامع"، وما أثبتناه من الأصل.
(٢) في المطبوعة: "عروة النخعى" وهو خطأ، وما أثبتناه من الأصل.
(٣) في المطبوعة: "محرم" وما أثبتناه من الأصل.
(٤) مسند أبي داود الطيالسي: (ص: ٢١٥ رقم ١٥٣٧) مسند عائشة - رضى الله تعالى عنها. عن محمد بن راشد به.
(٥) في المطبوعة: "الشك" بدل: "الشأن" وما أثبتناه من المخطوط.
[ ١٠٤ ]
أبا مسهر: "سمع مكحول من أحد أصحاب النبي ﷺ "؟ قال: "ما صح عندنا إلا أنس بن مالك" قلت: "واثلة"؟ فأنكره ا هـ (^١).
وقد جاءَ الإنكار على وجه آخر: قال الإمام أحمد في مسنده: حدَّثنا روح ثنا سعيد عن قتادة عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: "إن أبا هريرة يحدث أن نبي الله ﷺ كان يقول: "إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار" قال: فطارت شِقّة (^٢) منها في السماءِ وشِقَّة منها في الأرض وقالت: "والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن كان نبي الله ﷺ يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأَة والدابة والدار. ثم قرأت عائشة ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٣) [سورة الحديد: ٢٢].
وأبو حسان اسمه مسلم الأَحْرَد (^٤) يروى عن ابن عباس وعائشة. قال بعض الأئمة: ورواية عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاءَ الله؛ لموافقتها نهيه ﵊ عن الطيرة نهيًا عامًّا، وكراهتها، وترغيبه في تركها بقوله: "يدخل الجنة سبعون أَلْفًا بغير حساب، وهم الذين لا يَكْتَوُون ولا يَسْتَرْقُون ولا يَتَطَيَّرُون وعلى ربهم يتوكلون" (^٥) واستدراكها على أبي هريرة في هذا من جنس استدراكها على ابن عمر في البكاءِ على الميت، بمعنى أن ذلك كان في واقعة خاصة لا على العموم. فإن قيل: فإن غيرها من الصحابة يروى الإثبات،
_________________
(١) المراسيل لابن أبي حاتم: (ص: ٢١١ رقم الترجمة: ٣٨٢) ورقم الفقرة: (٧٨٩).
(٢) الشِّقة: القطعة المشقوقة. وهذا كناية عن غضبها.
(٣) مسند أحمد: (٦/ ٢٤٦).
(٤) في المطبوعة: "الأجرد" وما أثبتناه من المخطوط، وكتب الرواة.
(٥) خ: (٤/ ٤٦) (٧٦) كتاب الطب (٤٢) باب من لم يَرْقِ. من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس به في حديث طويل مرفوعًا. رقم: (٥٧٥٢) م: (١/ ١٩٩ - ٢٠٠) (١) كتاب الإيمان (٩٤) باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب. من طريق الحكم بن الأعرج، عن عمران بن حصين به رقم (٣٧٢/ ٢١٨) ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به. رقم (٣٧٤/ ٢٢٠)
[ ١٠٥ ]
وعائشة نافية، والإثبات مقدم على النفى، ولهذا قال ابن عبد البر بعد هذا: "وأهل العلم لا يرون الإنكار علمًا ولا النفى شهادة ولا خبرا" (^١).
وقد أخرجه البخارى ومسلم من حديث ابن عمر بألفاظ، ومنها: أَن رسول الله ﷺ قال: "لا عدوى ولا طِيرة، وإنما الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار" (^٢).
وأَخرجاه أيضًا من حديث سهل بن سعد وأخرجه مسلم عن جابر (^٣).
وقال الترمذى بعد أن أخرج حديث ابن عمر، وفي الباب عن سهل بن سعد وعائشة وأنس (^٤).
قلنا (^٥): ليس هذا من باب تعارض النفى والإثبات، بل من باب الزيادة المعتبرة (^٦) في الحكم فتقبل باتفاق؛ لكن كلام الترمذى يقتضى أيضًا أن عائشة روته أيضًا، فعلى هذا روايتها مع الجماعة أولى من روايتها على الانفراد كما رجحوا بذلك في مواضع.
على أَنه قد جاءَ عن أبي هريرة خلاف ما سبق، قال أحمد في مسنده: حدَّثنا خلف بن الوليد ثنا أبو معشر عن محمد بن قيس قال: سئل أبو هريرة: "هل سمعت من رسول الله ﷺ: الطِّيَرةُ في ثلاث، في المسكن والفرس والمرأة"؟ قال: "فكنت إذًا أَقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أصدق الطيرة الفأل، والعين حق" (^٧).
_________________
(١) الاستذكار لابن عبد البر: (٢٧/ ٣٢٠) فقرة رقم (٤٠٩٢٦)
(٢) خ: (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١) (٥٦) كتاب الجهاد والسير (٤٧) باب ما يذكر من شؤم الفرس. عن ابن عمر، وسهل بن سعد الساعدى. في رقمى: (٢٨٥٨ - ٢٨٠٩) م: (٤/ ١٧٤٦ - ١٧٤٧) (٣٩) كتاب السلام (٣٤) باب الطيرة والفأل. عن ابن عمر، وسهل بن سعد، وجابر. أرقام: (١١٥ - ١٢٠/ ٢٢٢٥ - ٢٢٢٧).
(٣) انظر التخريج السابق
(٤) سنن الترمذى (٥/ ١١٦ - ١١٧) (٤٤٩ كتاب الأدب (٥٨) باب ما جاء في الشؤم.
(٥) هذا جواب الاعتراض السابق.
(٦) في المطبوعة: "المفيدة"، وما أثبتناه من المخطوط.
(٧) مسند أحمد (٢/ ٢٨٩) =
[ ١٠٦ ]
وأما ابن الجوزى في المشكل فأنكر على عائشة هذا الرد، وقال: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها". والصحيح أن المعنى: إن خيف من شيءٍ أَن يكون سببًا لما يخاف شره ويتشاءَم به، فهذه الأشياءُ، لا على السبيل التي تظنها الجاهلية من العدوى والطيرة، وإنما القدر يجعل للأسباب تأثيرا (^١).
وقال الخطابي: "لما كان الإنسان في غالب أحواله لا يستغنى عن دار يسكنها، وزوجة يعاشرها، وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو من عارض مكروه، أضيف اليمن والشؤم إلى هذه الأشياء إضافة محلّ وظرف، وإن كانا صادرين عن قضاء الله". قال: وقد قيل: "إن شؤم المرأَة أَلَّا تلد، وشؤم الفرس أَلَّا يحمل عليها في سبيل الله، وشؤم الدار سوءُ الجوار" (^٢) (^٣).
(الحديث الثالث): قال أبو بكر البزار في مسنده: حدَّثنا هلال بن بشر: ثنا سهل بن حماد قال: ثنا أبو عامر الخَزَّاز، وثناه محمد بن معمر قال: ثنا عثمان بن عمر قال: ثنا أبو عامر الخَزَّاز عن سيّار عن الشعبي عن علقمة قال: قيل لعائشة رحمة الله عليها: "إن أبا هريرة يروى عن النبي ﷺ: أَن امرأة عذبت في هرة" قال: فقالت عائشة: "إن المرأة كانت كافرة".
قال: "ولا نعلم روى علقمة عن أبي هريرة إلا هذا الحديث" (^٤)
أبو عامر الخَزَّاز (^٥) صالح بن رستم قال فيه أحمد بن حنبل: "صالح الحديث".
_________________
(١) = عن خلف بن الوليد، عن أبي معشر، عن محمد بن قيس به وأبو معشر ضعيف، ومحمد بن قيس لم يدرك الصحابة.
(٢) كشف المشكل (٢/ ٢٦٨) مسند سهل بن سعد - رضى الله تعالى عنه - الحديث الثالث: (٧٥٣/ ٨٩٨)
(٣) أعلام الحديث (٢/ ١٣٧٩) رقم: (٦٤٣/ ٢٨٥٩) (٤٧) ما يذكر من شؤم الفرس
(٤) انظر توثيق عائشة للسنة. ص: (١٣٨ - ١٤٠).
(٥) كشف الأستار: (٤/ ١٨٨ رقم ٣٥٠٦) كتاب صفة جهنم - آخر الكتاب. وقال البزار أيضًا: أخرجته لقول عائشة، وحديث أبي هريرة في الصحيح.
(٦) في المطبوعة أبو عامر الجزار في المواضع الثلاثة وكذلك في المخطوط، وما أثبتناه هو الصواب، كما في كشف الأستار، والتذكرة برواة العشرة (٢/ ٧٢٤ رقم ٢٨٢٥). وكذلك في الرواية التالية في أبي داود الطيالسي، وكذلك في مسند أحمد، كما في التخريج التالي.
[ ١٠٧ ]
ورواه أبو محمد قاسم بن ثابت السَّرَقُسْطِى في كتاب غريب الحديث: نا محمد بن جعفر: قال: نا أبو أحمد محمود بن غيلان المروزي: نا أبو داود الطيالسي قال: نا أبو عامر صالح بن رستم قال: نا سيار أبو الحكم عن الشعبي عن علقمة بن قيس قال: "كنا عند عائشة ومعنا أبو هريرة فقالت: "يا أبا هريرة أنت الذي تحدث عن رسول الله ﷺ: "أن امرأة عذبت بالنار من جَرَّى هرة لا هي أطعمتها ولا سقتها ولا هي تركتها تأكل من خِشَاش الأَرض شيئًا حتى ماتت"؟ قال أَبو هريرة: "سمعته من رسول الله ﷺ"، قالت عائشة: المؤمن أكرم عند الله من أن يعذبه من جرى هرة، أي إن المرأة مع ذلك كانت كافرة؛ يا أَبا هريرة إذا حدثت عن رسول الله ﷺ فانظر كيف تحدث".
قولها "من جرى هرة" تعنى من أجلها (^١). ا هـ.
(الحديث الرابع): قال الحاكم في مستدركه في كتاب العتق: أَخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق: أنا محمد بن غالب: ثنا الحسن بن عمر بن شقيق: ثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن الزهري عن عروة قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "لأَن أُمَتَّعَ بسوط في سبيل الله أحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" وأن رسول الله ﷺ قال: "ولد الزنى شر الثلاثة" و"إن الميت يعذب ببكاء الحى" فقالت عائشة: رحم الله أَبا هريرة أَساءَ سمعًا فأَساءَ إِجابة: أما قوله: "لأن امتع بسوط في سبيل الله أُحب إليَّ من أَن أُعتق ولد الزنى" فإنها لما نزلت ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [سورة البلد ١٣]. قيل: "يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا أن أحدنا له الجارية السوداءُ تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهُن فزنين فجئن بأولاد
_________________
(١) مسند أبي داود الطيالسي (ص: ١٩٩ رقم ١٤٠٠) من طريق علقمة بن قيس، عن أبي عامر صالح بن رستم به. والخَشَاش: الحشرات. مسند أحمد (٢/ ٥١٩) مسند أبي هريرة. عن سليمان بن داود الطيالسي به. قال الهيثمى في المجمع (١/ ١١٦): رجاله رجال الصحيح.
(٢) انظر توثيق عائشة للسنة، ص: (٢٤٧).
[ ١٠٨ ]
فأعتقناهم"؟. فقال رسول الله ﷺ "لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إليَّ من أن آمر بالزنى ثم أُعتق الولد"، وأَما قوله: "ولد الزني شر الثلاثة" فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذى رسول الله ﷺ فقال: "من يعذرني من فلان"؟ قيل: "يا رسول الله، إنه مع ما به ولد زنى" فقال: "هو شر الثلاثة" والله تعالى يقول: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]، وأما قوله: "إن الميت يعذب ببكاء الحى" فلم يكن الحديث على هذا، ولكن رسول ﷺ مر بدار رجل من اليهود قد مات وأهله يبكون عليه، فقال: "إنهم ليبكون عليه وإنه ليعذب" والله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٨٦].
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^١).
وعن الحاكم أخرجه البيهقي في سننه في كتاب الأيمان، في باب عتق ولد الزنى، ثم قال: "وسلمة الأبرش يروى مناكير" (^٢).
قال الذهبي في مختصره: "هو مختلف فيه" (^٣) وقد وثقه أبو داود.
قال البيهقي: روى عن أَبي سليمان الشامي بُرْد بن سِنَان عن الزهري عن عائشة [مرسلًا] في إعتاق ولد الزنى (^٤).
_________________
(١) المستدرك (٢/ ٢١٥) (٢٥) كتاب العتق. عن أبي بكر أحمد بن إسحاق به. قال الذهبي في التلخيص: سلمة لم يحتج به مسلم، وقد وثق، وضعفه ابن راهويه. وفى المطبوعة: "أقنع" في المواضع كلها، وما أثبتناه من المخطوط والمستدرك. وحديث "ولد الزنا شر الثلاثة": رواه أبو جعفر الطحاوى بإسناد حسن من طريق أبي حذيفة، عن الثوري، عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة "شرح مشكل الآثار ٢/ ٣٦٦). ورواه الحاكم (٤/ ١٠٠) والبيهقى: (١٠/ ٥٩) من طريقين عن أبي حذيفة بهذا الإسناد. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) السنن الكبرى (١٠/ ٥٨) كتاب الأيمان.
(٣) انظر التخريج السابق.
(٤) المصدر السابق (الموضع نفسه). وما بين المعكوفين من السنن، وهى ساقطة من المخطوط، والسياق يقتضيها.
[ ١٠٩ ]
وأخرج عن سفيان عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت في ولد الزني: "ليس عليه من وزر أبويه شيء، لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْر أُخْرى".
قال: وروى مرفوعًا، ولم يصح (^١).
ثم أخرج عن إسحاق السلولى: ثنا إسرائيل عن إبراهيم عن محمد بن قيس عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ "ولد الزنى شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه" (^٢).
وقال: ليس بالقوى. وقد روى مثله بإسناد ضعيف من حديث ابن عباس (^٣).
وقال صاحب الاستذكار: قد أنكر ابن عباس على من روي في ولد الزنى "أنه شر الثلاثة" وقال: "لو كان شر الثلاثة ما استؤنى بأُمه أن ترجم حتى تضعه". رواه ابن وهب عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد ذكرناه في التمهيد بإسناده (^٤).
وقال في باب حد الزنى: وقول أُم سلمة: "يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون"؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث" الخبث في هذا الحديث عند أهل
_________________
(١) المصدر السابق: (الموضع نفسه). وعبارته: "رفعه بعض الضعفاء، والصحيح موقوف".
(٢) المصدر السابق: (الموضع نفسه).
(٣) المصدر السابق (١٠/ ٥٨ - ٥٩) في الكتاب السابق. من طريق ابن أبي ليلى عن داود بن علي، عن أبيه، عن جده ابن عباس مرفوعًا. ثم قال: هذا إسناد ضعيف، وإنما يروى هذا الكلام على الخبر من قول سفيان الثورى ثم ساق الحديث بسنده إلى سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال: سئل رسول الله ﷺ عن ولد الزنا فقال: هو شر الثلاثة - قال سفيان: يعنى إذا عمل بعمل والديه.
(٤) الاستذكار: (٢٣/ ١٧٥) (٣٨) كتاب العتق والولاء، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة.
[ ١١٠ ]
العلم أولاد الزنى، وإن كانت اللفظة محتملة لذلك ولغيره (^١).
هذا لفظه، وهو غريب.
وأخرج النسائي من حديث شعبة عن منصور عن سالم عن نُبَيْط بن شَرِيط عن جابان عن عبد الله بن عمرو (^٢): أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل الجنة ولد زنية" (^٣).
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (^٤).
قال الحافظ أبو الحجاج المِزِّيُّ في الأطراف: قال البخاري: لا يعرف
_________________
(١) المصدر السابق (٢٤/ ١١٠) (٤١) كتاب الحدود (٣) باب جامع ما جاء في حد الزنا. وحديث: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون" متفق عليه من حديث زينب بنت جحش: خ: (٤/ ٣١٤) (٩٢) كتاب الفتن (٤) باب قول النبي ﷺ: ويل للعرب من شر قد اقترب. رقم (٧٠٥٩) من طريق ابن عيينة، عن الزهرى، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن زينب ابنة جحش به. م: (٤/ ٢٢٠٧) (٥٢) كتاب الفتن وأشراط الساعة رقم: (١/ ٢٨٨٠) عن ابن عيينة به.
(٢) في المطبوعة والمخطوط: "عبد الله بن مسعود" وهو خطأ، وما أثبتناه من النسائي، مصدر المصنف ومن ابن حبان وكتب التخريج الأخرى المثبتة في الهامش.
(٣) س: الكبرى (٣/ ١٧٥) كتاب العتق (٨) عتق ولد الزنا. عن محمود بن غيلان، عن أبي داود، عن شعبة به رقم: (٤٩١٤). وسالم هو ابن أبي الجعد.
(٤) الإحسان: (٨/ ١٧٨) (١١) كتاب الزكاة (١١) باب ذكر الإخبار عن إباحة تعدد النعم للمُنْعِم على المنعم عليه. من طريق ابن مهدى عن شعبة به ولكن ليس فيه: "ولا ولد زنية". وأكبر الظن أنها سقطت منه؛ لأن ابن حبان أورده ليبين أن خبر أن ولد الزنية لا يدخل الجنة صحيح كما يتبين مما قبله. ثم بين أن الثورى رواه فقال: عن سالم، عن جابان، ولكن الثورى وشعبة هما حافظان "إلا أن الثورى كان أعلم بحديث أهل بلده من شعبه وأحفظ لها منه، ولا سيما حديث الأعمش، وإسحاق، ومنصور، فالخبر متصل عن سالم، عن جابان، فمرة روى كما قال شعبة وأخرى كما قال سفيان".
[ ١١١ ]
لجابان سماع من عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط قال: وقد روى عن عبد الله بن عمرو قوله (^١).
(الحديث الخامس): قال الطبراني في الأوسط: حدَّثنا على بن سعيد الرازي، ثنا عبد الله بن أبي رومان الإسكندراني، ثنا عيسى بن واقد، نا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "مَن لم يوتر فلا صلاة له" فبلغ ذلك عائشة فقالت: مَنْ سَمع هذا من أبي القاسم ﷺ؟ ما بَعْدَ الْعَهْد وما نسينا، إنما قال أبو القاسم ﷺ: "من جاءَ بصلوات الخمس يوم القيامة حافَظ على وُضوئها ومواقيتِها وركوعها وسجودها لم ينتقص منهن شيئًا - كان له عند الله عهد ألَّا يعذبه، ومن جاءَ وقد أنقص منهن شيئًا، فليس له عهد عند الله، إن شاء رحمه وإن شاءَ عذَّبه" ثم قال: لم يروه عن محمد بن عمرو إلا عيسى، تفرد به عبد الله بن أبي رومان (^٢).
(الحديث السادس): قال الحافظ أبو حاتم بن حبان البُسْتِي في صحيحه في النوع التاسع والمئة من القسم الثاني: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، ثنا
_________________
(١) تحفة الأشراف (٦/ ٢٨٤) وانظر توثيق عائشة للسنة، ص: (١٤١ - ١٤٤). وقال البخارى في التاريخ الكبير (٢/ ٢٥٧): "قال لى الجعفى: حدَّثنا وهب سمع شعبة، عن منصور، عن سالم، عن نبيط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة ولد زنى" وتابعة غندر، ولم يقل جرير والثورى: "نبيط" (أي بين سالم وجابان) وقال عبدان: عن أبيه، عن شعبة، عن يزيد، عن سالم، عن عبد الله بن عمرو قوله، ولم يصح. ولا يعرف لجابان سماع من عبد الله بن عمرو، ولا لسالم من جابان ولا من نبيط".
(٢) المعجم الأوسط (٥/ ١٩ رقم ٤٠٢٤). عن علي بن سعيد به. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٢٩٣): "لم يروه عن محمد بن عمرو إلا عيسى بن واقد. قلت: ولم أجد من ذكره". وعبد الله بن أبي رومان ضعيف.
[ ١١٢ ]
أَبو طاهر بن السرح، ثنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة قالت: "ألا يعجبك أبو هريرة؟ جاءَ فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ، يسمعني ذلك، وكنت أُسبِّح فقام قبل أن أقضى سُبْحَتى، ولو أدركته لرددت عليه: أن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم" (^١).
قال أبو حاتم: قول عائشة: "لرددت عليه" أَرادت به سرد الحديث لا الحديث نفسه، وترجم عليه ما يستحب للمرء من ترك سرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها (^٢).
أخرجه مسلم في الصحيح في الفضائل عن حرملة بن يحيى: ثنا ابن وهب به سندًا ومَتنًا (^٣).
(الحديث السابع): ذكر أبو منصور البغدادي (^٤) بإسناده إلى أبي عروبة الحسين بن محمد الحراني قال: ثنا جدى عمرو بن أبي عمرو قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم مولى الأنصار قال: ثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبي هريرة: أنه قال: "مَن غَسَّلَ ميتًا اغتسل، ومن حمله توضأ" فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت: "أَو نجس موتى المسلمين؟ وما على رجل لو حمل عودًا"؟ (^٥).
_________________
(١) الإحسان (١/ ٣٠٢) - ٣٠٣) (٤) كتاب العلم - ذكر ما يستحب للمرء من ترك سرد الأحاديث حذر قلة التعظيم والتوقير لها. عن عمر بن محمد الهمداني به. رقم (١٠٠)
(٢) المصدر السابق (١/ ٣٠٣) الموضع نفسه.
(٣) م: (٤/ ١٩٤٠) (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (٣٥) باب من فضائل أبي هريرة الدوسي - رضى الله تعالى عنه: رقم: (١٦٠/ ٢٤٩٣) عن حرملة بن يحيى به.
(٤) استدراك أم المؤمنين عائشة (ص: ٥٤ - ٥٥ رقم ١٦).
(٥) د: (٣/ ٥١٢) (١٥) كتاب الجنائز (٣٩) باب في الغسل من غسل الميت - رقم: (٣١٦٢) =
[ ١١٣ ]
واعلم أن جماعة من الصحابة رووا هذا الحديث ولم يذكروا فيه الوضوءَ من حمله، منهم عائشة. أخرجه أبو داود (^١)، ومنهم حذيفة: أخرجه البيهقى (^٢)، وهو يقوى إنكار عائشة.
_________________
(١) = عن حامد بن يحيى، عن سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … وأحاله على حديث قبله، متنه: من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ. وهذا إسناد صحيح. قال أبو داود: هذا منسوخ، وسمعت أحمد بن حنبل وسئل عن الغسل من غسل الميت فقال: يجزيه الوضوء. قال أبو داود: أدخل أبو صالح بينه وبين أبي هريرة في هذا الحديث - يعني إسحاق مولي زائدة. ت: (٣/ ٣١٨ - ٣١٩) (٨) كتاب الجنائز (١٧) باب ما جاء في الغسل من غسل الميت. رقم (٩٩٣). من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: من غُسْلِه الغسل، ومن حمله الوضوء - يعنى الميت. قال: وفى الباب عن علي وعائشة. وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن، وقد روى عن أبي هريرة موقوفًا. أما اعتراض عائشة فعند البيهقي: السنن الكبرى: (١/ ٣٠٧) كتاب الطهارة - باب الغسل من غسل الميت. من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن عمر، عن محمد بن إبراهيم أن عائشة قالت: سبحان الله، أموات المؤمنين أنجاس؟ وهل هو إلا رجل أخذ عودًا فحمله؟
(٢) د: (٣/ ٥١١) الموضع السابق. رقم (٣١٦٠). من طريق مصعب بن شيبة عن طلق بن حبيب العنزى، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة أنها حدثته أن النبي ﷺ كان يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، وغسل الميت. قال أبو داود: وحديث مصعب ضعيف، فيه خصال، ليس العمل عليه. وقال البيهقي في السنن الكبرى: (١/ ٣٠٠): أخرج مسلم في الصحيح حديث مصعب بن شيبة، عن طريق طلق بن حبيب، عن ابن الزبير، عن عائشة عن النبي ﷺ: عشر من الفطرة، وترك هذا الحديث فلم يخرجه، ولا أراه تركه إلا لطعن بعض الحفاظ فيه …
(٣) السنن الكبرى (١/ ٣٠٤) في الكتاب والباب السابقين. =
[ ١١٤ ]
ولكن قال البيهقي: "الروايات المرفوعة في هذا الباب عن أبي هريرة غير قوية، لجهالة بعض رواتها وضعف بعضهم".
والصحيح أنه موقوف على أبي هريرة (^١).
(الثامن): قال أَبو عَروبة أيضًا: (^٢) حدَّثنا جدى عمرو بن أبي عمرو قال، ثنا: أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم قال، ثنا الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: "لأنْ يمتلئَ جوف أحدكم قيْحًا ودمًا خير له من أَن يمتلئَ شعرًا" فقالت عائشة ﵂: "لم يحفظ الحديث، إنما قال رسول الله ﷺ: "لأَن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هجيتُ به" (^٣).
_________________
(١) = من طريق يزيد بن زريع، عن معمر بن راشد، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: من غسل ميتًا فليغتسل. قال البيهقي: وقال غيره: عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي إسحاق عن أبي هريرة، وقال أبان، عن يحيى، عن أبي إسحاق سمع أبا هريرة. قال الشيخ أبو بكر بن إسحاق الفقيه: خبر أبي إسحاق عن أبيه، عن حذيفة ساقط. قال: وقال على بن المدينى: لا يثبت فيه حديث. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والمشهور عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب الأسدى، عن علي ﵁. ثم روى البيهقى حديث على في وفاة أبي طالب ودفن على له من طريق ناجية بن كعب الأسدى. ثم قال: وناجية بن كعب الأسدى لم تثبت عدالته عند صاحبى الصحيح، وليس فيه أنه غسله.
(٢) المصدر السابق (١/ ٣٠٣) في الكتاب والباب السابقين. وانظر توثيق عائشة للسنة، ص: ٢٤٨ - ٢٥٠ وعبارته الأخيرة: "والصحيح عن أبي هريرة من قوله موقوفًا غير مرفوع".
(٣) استدراك أم المؤمنين عائشة: (ص: ٥٨ - ٥٩ رقم: ٢٠).
(٤) شرح معاني الآثار (٤/ ٢٩٦) كتاب الكراهية - باب رواية الشعر، هل هي مكروهة أم لا؟. عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن السائب به. ولفظه: قيل لعائشة رضى الله تعالى عنها: إن أبا هريرة يقول: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا. فقالت عائشة رضى الله تعالى عنها: يرحم الله أبا هريرة، حفظ أول الحديث ولم يحفظ آخره، إن المشركين كانوا يهاجون رسول الله ﷺ فقال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا من مهاجاة رسول الله ﷺ.
[ ١١٥ ]
وقد أخرج الشيخان حديث أبي هريرة من جهة الأعمش عن أبي صالح عنه (^١)
وأخرجه مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص (^٢)، وأخرجه البزار من حديث عمر (^٣).
قلت: وقد تابع عائشة على رواية هذه الزيادة جابر بن عبد الله، أخرجه أبو يعلى الموصلى في مسنده من جهة أحمد بن محرز الأزدى عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا بلفظ: "خير له من أن يمتلئَ شعرًا هجيتُ به" (^٤).
قال السهيلى في الروض: وذكر ابن وهب في جامعه: "أَن عائشة ﵂ تأولت هذا الحديث في الأشعار التي هُجى بها النبي ﷺ، وأنكرت قول مَن
_________________
(١) خ: (٤/ ١٢٠) (٧٨) كتاب الأدب (٩٢) باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن. رقم: (٦١٥٥). ولفظه: لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا حتى يُرِيَه خير من أن يمتلئ شعرًا. م: (٤/ ١٧٦٩) (٤١) كتاب الشعر. رقم: (٧/ ٢٢٥٧).
(٢) م: (الموضع السابق) رقم: (٨/ ٢٢٥٨).
(٣) "مسند البزار" (البحر الزخار) (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩) عمرو بن حريث، عن عمر. من طريق الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن حريث عن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ قال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له أن من يمتلئ شعرًا. ثم قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن إسماعيل، عن عمرو بن حريث، عن عمر موقوفًا، ولا نعلم أسنده إلا خلاد بن سفيان. قال أبو حاتم وأبو زرعة: هذا خطأ، وهم فيه خلاد، إنما هو عن عمر قوله (علل الحديث لابن أبي حاتم ٢/ ٢٣٥، ٢٧٥. رقم ٢١٩٤، ٢٣٢٤). وقال الدارقطني في العلل: أسنده خلاد بن يحيى، عن الثوري، عن إسماعيل رفعه إلى النبي - ﷺ، ووقفه غيره عن الثورى، وكذلك رواه يحيى القطان وأبو معاوية وأبو أسامة وغيرهم عن إسماعيل موقوفًا، وهو الصحيح (٢/ ١٨٩ مسألة رقم ٢١٠). وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٢٠ باب ما جاء في الشعر والشعراء): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. وقال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا خلاد بن يحيى.
(٤) مسند أبي يعلى الموصلى (٤/ ٤٧) مسند جابر بن عبد الله. رقم (٢٩٠/ ٢٠٥٦). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٢٠ باب ما جاء في الشعر والشعراء): فيه من لم أعرفهم.
[ ١١٦ ]
حمله على العموم في جميع الشعر" قال السهيلى: "وإذا قلنا بذلك فليس في الحديث إلا عيب: "امتلاء الجوف منه". وأما رواية اليسير على جهة الحكاية والاستشهاد على اللغة فلم يدخل في النهى" (^١).
قال: وقد رد أبو عبيد (^٢) على من تأول الحديث في الشعر الذي هُجي به النبي ﷺ وقال: "رواية نصف بيت من ذلك الشعر حرام فكيف يخص امتلاء الجوف منه بالذَّم"؟ (^٣).
قال السهيلي: "وعائشة أعلم منه. فإن البيت والبيتين والأبيات من تلك الأشعار على جهة الحكاية، بمنزلة الكلام المنثور الذي ذموا به رسول الله ﷺ، لا فرق" وجعل ذلك عذرا لابن إسحاق في ذكر بعض أشعار الكفرة من الهجو (^٤). انتهى.
والصواب: تحريم حكاية هجو النبي ﷺ قليله وكثيره، والحديث لعله خرج على من امتلًا بذلك، فلا يكون له مفهوم في عدم ذم القليل. وأيضًا فالمحذور في الكثير موجود في القليل بعينه، فتأويل عائشة مستقيم إن شاء الله، ولا يرد ما فهمه أبو عبيد (^٥) ولا السهيلي (^٦).
(التاسع): أخرج مسلم والنسائى عن شريح بن هانئ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "من أحب لقاءَ الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءه" قال شريح: فأَتيت عائشة فقلت: "يا أُم المؤمنين سمعت أبا هريرة يذكر عن رسول الله ﷺ حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا" فقالت: إن الهالك من هلك، وما ذاك؟ قال: "قال رسول الله ﷺ: من أَحبَّ لقاءَ الله أَحبَّ الله لقاءَه، ومن كره لقاءَ الله كره الله لقاءَه. وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت"
_________________
(١) الروض الأنف، شرح سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧)
(٢) في المطبوعة: "أبو عبيدة" وهو خطأ.
(٣) غريب الحديث لأبي عبيد: (١/ ١٦٢ - ١٦٣). وانظر نص كلامه وبسطه في كتاب توثيق عائشة للسنة في رقم (٦) من هذا الهامش.
(٤) الروض الأنف (٣/ ٢٧).
(٥) في المطبوعة: "أبو عبيدة" وهو خطأ.
(٦) انظر توثيق عائشة للسنة. ص: (١٩٥ - ٢٠٢).
[ ١١٧ ]
فقالت: "قد قاله رسول الله ﷺ، ولكن ليس بالذي تذهب إليه، ولكن إذا شَخَصَ البصر وحَشْرَج الصدر واقْشَعَرَّ الجلد وتَشَنَّجَت الأصابع، فعند ذلك من أَحبَّ لقاء الله أحب الله لقاءَه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" (^١).
وأخرجه الدارقطنى من جهة محمد بن فضيل قال: ثنا عطاءُ بن السائب عن مجاهدٍ عن أبي هريرَة قال: قال رسول الله ﷺ "إِذا أَحبَّ العبدُ لقاء الله أَحبَّ الله لقاءَه، وإذا كرةَ العبدُ لقاءَ الله كره الله لقاءَه" فذكر ذلك لعائشة فقالت: "يرحمه الله حدثكم بآخر الحديث ولم يحدثكم بأوله" قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ "إذا أَراد الله بعبدٍ خيرًا بعث إليه ملكًا في عامه الذي يموت فيه فيسدده ويبشره، فإذا كان عند موته أتى ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: رأسه فقال: أيتها النفس المطمئنة اخرجى إلى مغفرة من الله ورضوان وتَتَهَوَّع نفسه رجاءَ أَن تخرج، فذلك حين يحب لقاء الله، ويحب الله لقاءَه. وإذا أراد بعبد شرًّا بعث إليه شيطانًا في عامه الذي يموت فيه فأغواه، فإذا كان عند موته أتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال: أيتها النفس، اخرجى إلى سَخَط من الله وغضب، فتفرق في جسده فيسترطه، فذاك حين يبغض لقاء الله، ويبغض الله لقاءَه".
غريب من حديث مجاهد عن أبي هريرة وعائشة، تفرد به عطاء بن السائب عنه. قال الدارقطني: ولا أعلم حدث به عنه غير ابن فضيل (^٢).
قلت: وقد احتج به الشيخان (^٣).
_________________
(١) م: (٤/ ٢٠٦٦) (٤٨) كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٥) باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه - رقم: (١٧/ ٢٦٨٥)
(٢) ذكره في الغرائب. انظر أطراف الغرائب لأبي الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسى نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم (٦٩٧) حديث. لوحة (٣٠٧ / ب، ٣٠٨/ أ). ومعنى: "تتهوع نفسه: أي تخرج بلا تكلف ويسترطه: يبتلعه.
(٣) انظر توثيق عائشة للسنة، ص: (٢٠٣ - ٢٠٥).
[ ١١٨ ]
(العاشر): روى أبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي البغوي حدَّثنا عبيد الله بن عمر قال: ثنا خالد بن الحارث قال: ثنا عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد قال: بلغ عائشة ﵂ أن أبا هريرة يقول: "إن المرأة تقطع الصلاة" فقالت: "كان رسول الله ﷺ يصلى فتقع رجلى بين يديه أو بحذائه فيصرفها فأقبضها" (^١) (^٢).
(الحادي عشر): روى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، ليُنْعِلْهُما جميعًا أَو ليخلعهما" (^٣).
وروى مسلم عن جابر نحوه (^٤).
_________________
(١) روى مثل هذا البخارى ومسلم من حديث مالك: خ: (١/ ١٧٩) (٨) كتاب الصلاة (١٠٤) باب التطوع خلف المرأة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: كنت أنام بين يدى رسول الله ﷺ ورجلاى من قبلته، فإذا سجد غمزني، فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. رقم: (٥١٣) م: (١/ ٣٦٧) (٤) كتاب الصلاة (٥١) باب الاعتراض بين يدى المصلى. عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. رقم: (٢٧٢/ ٥١٢)
(٢) انظر توثيق عائشة للسنة، ص: (٢٢٩ - ٢٣٢).
(٣) خ: (٤/ ٦٦) (٧٧) كتاب اللباس (٤٠) باب لا يمشي في نعل واحدة. عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يمشى أحدكم في نعل واحدة، ليُحْفِهِما أو لينْعَلْهُما جميعًا. رقم: (٥٨٥٦) م: (٣/ ١٦٦٠) (٣٧) كتاب اللباس والزينة (١٩) باب استحباب لبس النعل اليمنى أولا، والخلع من اليسرى أولًا، وكراهية المشي في نعل واحدة. عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. ولفظه: "لا يمش أحدكم في نعل واحدة، ليُنْعِلْهُما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا. رقم: (٦٨/ ٢٠٩٧). ومن طريق الأعمش، عن أبي رَزين قال: خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته فقال: ألا إنكم تحدثون أنى أكذب على رسول الله - لتهتدوا وأضل، ألا وإنى أشهد لسمعت رسول الله - ﷺ يقول: إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش في الأخرى حتى يصلحها رقم: (٦٩/ ٢٠٩٨)
(٤) م: (٣/ ١٦٦١) الكتاب السابق (٢٠) باب النهي عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد. =
[ ١١٩ ]
قال ابن عبد البر في الاستذكار: حديث أبي هريرة وحديث جابر صحيحان ثابتان، وقد روى عن عائشة رحمها الله معارضة لحديث أبي هريرة في هذا الباب [و] لم يلتفت أهل العلم إلى ذلك؛ لأن السنن لا تعارض بالرأى. فإن قيل: لم تعارض أبا هريرة برأيها، وإنما ذكرت أن رسول الله ﷺ ربما انقطع شسع نعله فمشي في نعلٍ واحدة، قيل: لم يرو هذا والله أعلم إلا مَنْدَل بن علي عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة. ومندل وليث ضعيفان لا حجة فيما نقلا منفردان، فكيف إذا عارض نقلهما نقل الثقات الأئمة (^١)؟.
ذكر أبو بكر يعني ابن أبي شيبة: ثنا ابن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن عائشة كانت تمشى في خف واحد وتقول: "لأُحْنِثَنَّ أَبا هريرة" وهذا هو الصحيح، لا حديث مندل عن ليث والله أعلم (^٢).
وقد روى عن علي أنه مشى في النعل الواحدة (^٣)، وهذا يحتمل أن يكون يسيرًا وهو يصلح الأخرى، أو يكون لم يبلغه ما رواه أبو هريرة وجابر، مع أن حديث على لا يثبت (^٤) من وجه يترتب عليه شيء ما (^٥)، وعن رجل من مزينة عن علي: أنه كان يمشى في نعل واحدة وهو يصلح شسعه (^٦).
_________________
(١) = من طريق أبي خيثمة عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ، أو سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا انقطع شسع أحدكم - أو من انقطع شسع نعله فلا يمش في نعل واحدة حتى يصلح شسعه ولا يمش في خف واحد.
(٢) الاستذكار (٢٦/ ١٩٥) رقم (٣٩١٩٧ - ٣٩١٩٨)
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٨/ ٢٢٩) (٨٤٦) من رخص أن يمشى في نعل واحدة حتى يصل الأخرى. رقم: (٤٩٨٢). وفيه: "لأخيفن" وفى مخطوطة للمُصَنَّف: "لأحمقن" وفي المطبوعة هنا "لأخشن" وما أثبتناه من الأصل. والله تعالى أعلم.
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (الموضع السابق). عن ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من مزينة قال: رأيت عليًّا يمشي في نعل واحدة بالمدائن، كان يصلح شسعه. رقم (٤٩٨٠) (¬٤ - ¬٥) ما بين الرقمين ساقط من المطبوع. وأثبتناه من الأصل.
(٥) الاستذكار (٢٦/ ١٩٥ - ١٩٦) أرقام (٣٩١٩٩ - ٣٩٢٠٢) =
[ ١٢٠ ]