نقل أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ [سورة الأحقاف: ١٧] أن معاوية كتب إلى مروان بأن يبايع الناس ليزيد، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: "لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم"، فقال مروان: يا أيها الناس هذا الذي قال الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ فسمعت عائشة فغضبت وقالت: "والله ما هو به، ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فَضَضٌ (^٢) من لعنة الله". لفظ رواية النسائي (^٣).
_________________
(١) هذا الفصل ليس للمؤلف، وإنما هو لصاحبه أحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي أحمد الرملي الشافعي الشهير بأبي الأسباط. وقال في آخره مبينًا ذلك: "قال ذلك وحرر النَّقل فيه مستدركًا به على المؤلف في إهماله. كاتبه أحمد … إلخ. ومما يدل على أن هذا الفصل ليس للمؤلف كذلك أنه استشهد بكلام شيخه ابن حجر في نهايته. وابن حجر يعتبر من تلاميذ الزركشي وليس شيخًا له.
(٢) فَضَضٌ: قال الفيروزبادى بعد أن أشار إلى هذا الحديث: ويُروى فُضُض كعُنُق وغراب، أي قطعة منها. (القاموس) وفى المطبوعة قضض بالقاف وهو خطأ.
(٣) السنن الكبرى للنسائي (٦/ ٤٥٨ - ٤٥٩) (٨٢) كتاب التفسير - سورة الأحقاف - (٣٢٩) قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الآية رقم ١٧]. عن علي بن الحسين، عن أمية بن خالد عن شعبة، عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر، فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ الآية، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب والله، ما هو به، ولو شئت أن أسمى الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان، ومروان في صلبه، فمروان فَضَضٌ من لعنة الله. [وانظر تفسير النسائي ٢/ ٢٩٠]. المستدرك: (٤/ ٤٨١) (٥٠) كتاب الفتن والملاحم. من طريق على بن الحسين الدرهمي به. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: فيه انقطاع، محمد لم يسمع من عائشة. كشف الأستار: (٢/ ٢٤٧) كتاب الإمارة. =
[ ١٢٦ ]
ورواه الحاكم وابن أبي خيثمة وابن مردويه من رواية محمد بن زياد. قال:
_________________
(١) = من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله البهى مولى الزبير قال: كنت في المسجد ومروان يخطب، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: والله ما استخلف أحدًا أهله، فقال مروان: أنت الذي نزلت فيك: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ فقال عبد الرحمن: كذبت، ولكن رسول الله - ﷺ لعن أباك. رقم: (١٦٢٤) قال البزار: لا نعلمه عن عبد الرحمن إلا من هذا الوجه. قال الهيثمي: رواه البزار، وإسناده حسن (٥/ ٢٤١ من المجمع) كما روى البزار في هذا الموضع ما يبين مسألة لعن أبي مروان: روى عن طريق عبد الله بن نمير، عن عثمان بن حكيم، عن أبي أمامة بن سهل، عن عبد الله بن عمرو قال: كنت عند رسول الله ﷺ، فبينا نحن عنده إذ قال: ليدخلن عليكم رجل لعين، وكنت تركت عمرو بن العاص يلبس ثيابه ليلحقني، فمازلت أنظر وأخاف حتى دخل الحكم بن أبي العاص. قال البزار: لا نعلم هذا بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمرو بهذا الإسناد. رقم (١٦٢٥). وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار إلا أنه قال: "دخل الحكم بن أبي العاص" والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح (٥/ ٢٤١ من المجمع). كما روى الحاكم في الموضع السابق (٤/ ٤٨١) من طريق أبي الحسن الجزرى، عن عمرو بن مرة الجهني - وكانت له صحبة - أن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي ﷺ، فعرف النبي - ﷺ صوته وكلامه فقال: ائذنوا له، عليه لعنة الله، وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم وقليل ما هم، يَشْرُفون في الدنيا، ويضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يعطون في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ولكن قال الذهبي: لا والله، فأبو الحسن من المجاهيل. وساق له الحاكم من حديث عبد الله بن الزبير ﵄ أن رسول الله ﷺ لعن الحكم وولده. رواه من طريق الحجاج عن رُشْدِين المصرى، عن إبراهيم بن منصور الخراساني، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن محمد بن سوقة، عن الشعبي، عن عبد الله بن الزبير به. وقال: هذا الحديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ولكن قال الذهبي: رشدين ضعيف. وقد روى البخارى القصة في صحيحه من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن مَاهَك قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية … فذكر الحديث. ولكن فيه قول عائشة فقط: "ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذرى [خ ٣/ ٢٩١/ ٦٥ كتاب التفسير ٤٦ - سورة الأحقاف. رقم ٤٨٢٧] =
[ ١٢٧ ]
لما بايع معاوية لابنه قال مروان: "سنة أبي بكر وعمر" فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: "سنة هرقل وقيصر" قال مروان: "هذا الذي أنزل الله" فذكر الآية فبلغ ذلك عائشة فقالت: "كذب والله ما هو به فيذكره، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه إلى آخره" (^١).
ولفظ ابن أبي خيثمة: أن معاوية كتب إلى مروان أن يبايع الناس ليزيد، فقال عبد الرحمن: لقد جئتم بها هرقلية … إلى آخره (^٢).
وأصله في البخاري من رواية يوسف بن ماهك عن عائشة دون ما في آخره (^٣).
وأما الذي أرادته عائشة ولم تسمِّه فلم يوقف له على اسم.
وأنكر الزجاج نزولها في عبد الرحمن؛ لأنه أسلم وحسن إسلامه، وقال: الصحيح أنها نزلت في الكافر العاق (^٤). وهذا مروى عن الحسن البصرى.
وعن قَتادةَ أنه: نعت عبد سوءٍ عاق لوالديه (^٥)
وقال الزمخشري في الكشاف: نزولها في عبد الرحمن باطل: "ويشهد له
_________________
(١) = ومن هذا كله يمكننا أن نقول بهذه الشواهد إن الحديث حسن على أقل تقدير. والله ﷿ أعلم.
(٢) انظر التخريج السابق.
(٣) ذكر الزيلعي في تخريج الكشاف إسناده فقال: ورواه ابن أبي خيثمة في أول تاريخه فقال: ثنا موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد أن معاوية كتب إلى مروان بن الحكم أن يبايع الناس ليزيد بن معاوية، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية … الخ. كما ذكر الزيلعي أن ابن مردويه رواه في تفسيره من حديث أمية بن خالد، عن شعبة، عن محمد بن زياد قال: لما بويع ليزيد بن معاوية قال مروان بن الحكم: سنة أبي بكر وعمر … إلى آخره. (تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الكشاف ٣/ ٢٨٢).
(٤) انظر التخريج السابق في الصفحة السابقة.
(٥) نقل ذلك ابن حجر في فتح البارى (٨/ ٤٤١) في كتاب التفسير - سورة الأحقاف.
(٦) جامع البيان للطبرى (٢٥/ ١٣) في تفسير سورة الأحقاف.
[ ١٢٨ ]
أَن المراد بـ "الذي قال" جنس القائلين ذلك، وأيضًا قوله تعالى (^١): ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ إِلى آخرها، لا يناسب ذلك عبد الرحمن (^٢)، إِلا أَن المهدوى قال: يحتمل أن يكون هو، وذلك قبل إسلامه وأن الإشارة بـ ﴿أولئك﴾ للقوم الذين أشار إليهم المذكور بقوله ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فلا يمتنع أن يقع ذلك له قبل إسلامه (^٣). قال شيخنا شيخ الإسلام شهاب الدين بن حجر: "ولكن نفى عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته،، أَصح إسنادًا وَأَوْلى بالقبول" (^٤).
فإِنَّه نقل أَيضًا أنها نزلت في أخيه عبد الله. (^٥)
وقول عائشة ﵂ "فأَنت فَضَضٌ من لعنة الله" أي قطعة منها.
* * *
_________________
(١) في المطبوعة: "أيضًا وقوله" وما أثبتناه من المخطوط.
(٢) تفسير الكشاف (٣/ ٤٤٦) وقال: "وعبد الرحمن كان من أفاضل المسلمين وسرواتهم".
(٣) فتح البارى (٨/ ٤٤١) الموضع السابق - نقله عنه ابن حجر - رحمه الله تعالى.
(٤) المصدر السابق - الموضع نفسه.
(٥) نقل ابن حجر ذلك عن ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن مجاهد. (فتح ٨/ ٤٤١ - الموضع نفسه).
[ ١٢٩ ]