الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبا طاهرًا مباركًا فيه.
اللهم إنى أثنى عليك كما أثنيت على نفسك، وكما أثنى عليك أنبياؤك ورسلك، وعبادك الصالحون، وملائكتك المقربون.
وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد ..
فهذا كتاب "الإجابة"، وهو كتاب فريد رائد في بابه؛ لأن موضوعه هو استدراكات السيدة عائشة، المُحَدِّثة الفقيهة، على الصحابة في رواياتهم، ومن هنا جاءت أهمية هذا الكتاب، إذ يرسى من خلال هذه الاستدراكات قواعد في توثيق سنة رسول الله ﷺ.
فهى تعرض ما يرويه الصحابة على الأصول الثابتة والمشاهدة من أحوال رسول الله ﷺ، فتجد الكثير الذي أُدِّى أداء متقنًا، كما صدر من رسول الله ﷺ.
وتجد بعضه قد اعتراه الخطأ أو الوهم، أو يتعارض مع ما شاهدته أو سمعته من رسول الله ﷺ.
ومن هنا نشأت قواعد النقد الخارجي والداخلي للحديث،
ومنها قواعد الضبط، وعرض السنة على القرآن الكريم، والثابت المتعارف عليه من سنة رسول الله ﷺ، والأصول الإسلامية الأخرى.
ولم تكن السيدة الصِّدِّيقة وحدها في هذا المجال، وإنما كان هناك من الصحابة من حذا حذوها، أو حذت حذوه، أو تشابها في هذه الاستدراكات، وفى القواعد التي أسست عليها.
[ ٣ ]
ومن مجموع هذه الاستدراكات التي صدرت من السيدة عائشة، ومن غيرها يمكننا أن نقول: إن السنة خرجت من أيدى الصحابة خالية من الأخطاء والأوهام التي كانت تعترى بعض الصحابة وهم يقومون بدور تبليغها، وهم بشر ليسوا بمعصومين.
ومعنى هذا أيضًا أن السيدة عائشة كان عندها هذه المقاييس وطبقتها على ما عندها السنة كلها فما هو صحيح أَقَرَّته، ولو من طريق السكوت عنه، وما كان فيه خطأ - من وجهة نظرها - بينته.
ولا يَظُنَّ ظَانٌّ أن ما أبدته السيدة عائشة من استدراكات كانت غير قابلة للمناقشة، أو جاءت فيها بالقول الفصل، بل كثير منها اجتهادات تقابلها وجهات نظر أخرى تُقِرُّ ما عليه الآخرون، مما استدركته عليهم بحيث لا تتعارض الروايات التي استدركتها مع ما تراه هي صحيحًا، أو تكون هذه الروايات المستدركة منسوخة وصدر ناسخها دون علم بعض الصحابة الذين يروونها بهذا الناسخ، أو يكون هذا وذاك من باب العام والخاص، أو المطلق والمقيد. بحيث يمكن الجمع بين هذه الروايات التي تبدو متعارضة وهى في الحق ليست بمتعارضة. وكلها بحمد الله تعالى على هذا النحو.
وكل هذا قد فَصَّلَته دراسة يتواكب خروجها مع هذا التحقيق وهى "توثيق السيدة عائشة للسنة" وقد أحلنا عليها، وبينا مواضع التفصيل في القضايا التي تناولها هذا الكتاب بالإيجاز.
وهذا الكتاب يؤكد من طَرْفٍ غير خفى أن الصحابة لم يكونوا يكذبون على رسول الله ﷺ. فما كان هناك استدراك اتُّهِمَ فيه أحد الصحابة أنه كذب على رسول الله ﷺ؛ بل بادرت السيدة عائشة بنفى الكذب في بعض الاستدراكات فقالت: "إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكنَّ السمعَ يُخطئ".
ولكن المفيد غاية الفائدة - كما قلنا - أن السيدة عائشة، بهذه الاستدراكات، قد أرست قواعد في النقد الخارجي والداخلي للسنة كانت فيما بعد أدوات لتوثيق السنة، وإبعاد التحريف والزيف والخطأ عنها.
[ ٤ ]
إنها في مجال النقد الداخلى عرضت السنة على القرآن الكريم، وعلى السنة النبوية المعروفة والمشهورة أو المشاهدة من رسول الله ﷺ، وعلى الأصول الإسلامية.
وفى مجال النقد الخارجي بينت خطأ بعض الرواة بما أسهم في اشتراط الضبط في تلقى الأحاديث، وفي أدائها.
وكل ذلك كان له شأن كبير على مر العصور في توثيق سنة رسول الله - ﷺ الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي؛ في الدراسات الحديثية والفقهية على حد سواء.
وهذا من بركات السيدة عائشة ﵂، وما أكثر بركاتها.
ولسنا في حاجة إلى تقديم ترجمة للسيدة عائشة ﵂، فقد كفانا المؤلف مئونة ذلك، وقدّم ترجمة طيبة لها في أول الكتاب.