الأولى: - أنه ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها (^١).
فإن قلت: "كيف حث على نكاح الأبكار وتزوج من الثُّيَّاب أكثر؟ " فيه أربعة أجوبة: قلت: تقليلًا للاستلذاذ؛ لأن الأَبكار أَعذب أَفواهًا، ولذلك قال: "فَهَلَّا بكرًا تلاعبها وتلاعبك"، وتكثيرًا لتوسعة الأحكام؛ إذ هنَّ بالفهم والتبليغ أعلق، وجبرًا لما فاتهن من البكارة كما قُدِّمْنَ في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، أو للإشارة إلى تعظيم عائشة وتمييزها بهذه الفضيلة وَحْدَها دونهن؛ لئلا يُشارك فيها، فكأَنها في كِفَّةٍ وهنَّ في كفة أُخرى.
الثانية: أَنها خُيّرت واختارت الله ورسوله على الفور، وكن تبعًا لها في ذلك (^٢).
_________________
(١) خ: (٣/ ٣٥٧) (٦٧) كتاب النكاح (٩) باب نكاح الأبكار - قال البخاري: وقال ابن أبي مليكة: قال ابن عباس لعائشة: لم ينكح النبي ﷺ بكرًا غيرك - ومن طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قلت يا رسول الله، أرأيت لو نزلت واديًا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرًا لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: في التي لم يُرتع منها - يعني أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرًا غيرها. رقم: (٥٠٧٧) سير أعلام النبلاء (٢/ ١٤١) من طريق على بن زيد بن جدعان، عن جدته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعًا ما أعطيتها امرأة بعد مريم بنت عمران … وذكرت منها: ولقد تزوجنى بكرا، وما تزوج بكرا غيرى. وقال الذهبي: رواه أبو بكر الآجرى. وإسناده جيد، وله إسناد آخر صححه الحاكم ووافقه الذهبي (٤/ ١٠ - ١١). نقول: فيه على بن زيد بن جُدعان، وهو ضعيف، وجَدَّتُهُ لا تعرف، والحق أن تزوج عائشة من رسول الله ﷺ وهى بكر مستفيض لا يحتاج إلى دليل، والله ﷿ وتعالى أعلم.
(٢) خ: (٣/ ٢٧٧) (٦٥) كتاب التفسير (٤) باب ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهرى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه، فبدأ =
[ ١٧ ]
(الثالثة): - أَنها حيث خيرت كان خيارها على التراخى بلا خلاف.
وأَما الخلاف في أن جوابهن: هل كان مشروطًا بالفور أم لا؟ ففى غيرها.
هكذا قاله القاضي أبو الطيب الطبرى في تعليقه، فإنه حكى الخلاف، وصحح الفورية، ثم قال: "والخلاف في التخيير المطلق، فأما إذا قال لها: "اختارى أي وقت شئت، كان على التراخى بالإجماع". قال: وعائشة من هذا القبيل لقوله: "ولا عليك ألَّا تعجلى حتى تستأْمرى أبويك" اهـ.
وهو تقييد يرتبط (^١) به إطلاق "الشرح" و"الروضة"، ولم يقف ابن الرُّفْعَة على هذا النقل، فقال في شرح الوسيط: "وفي طَرْد ذلك في بقية أزواجه ﷺ كلهن نظر، من جهة أن المُهْلَ في التخيير إنما قيل لعائشة فقط، وسببه - والله أعلم - أنها كانت أحدث نسائه سنًّا، وأحب نسائه إليه، فكان قوله لها: "لا تبادرينى بالجواب" خوفًا من أن تبتدره باختيار الدنيا. ومغبته ألا يطرد الحكم في غيرها لاسيما إذا نظرنا إلى ما جاء في الصحيح من تخصيص ذلك بها، كأن ذلك يُنَزَّل منزلة ما لو قال الواحد منا لبعض نسائه: "اختارى متى شئت" وقال لأُخرى: "اختارى" فإن خيار الأُولى يكون على التراخى، والأُخرى على الفور.
(الرابعة): - نزول آية التيمم بسبب عقدها حين حبس رسول الله ﷺ الناس، وقال لها أُسيد بن حضير "ما هي بأَول بركتكم يا آل أبي بكر" (^٢).
_________________
(١) = بي رسول الله ﷺ، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلى حتى تستأمرى أبويك، وقد علم أن أبوى لم يكونا يأمرانى بفراقه. قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين. فقلت له: ففى أي هذا أستأمر أبوى؟ فإنى أريد الله ورسوله والدار الآخرة. رقم (٤٧٨٥) وفى (٥) باب ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ﴾ الآية. قال البخارى: وقال الليث حدثني يونس، عن ابن شهاب .. فذكر نحوه. رقم: (٤٧٨٦) وفي آخره: قالت: ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت، ثم قال البخاري: تابعه موسى بن أعين، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني أبو سلمة. وقال عبد الرزاق، وأبو سفيان المعمرى، عن معمر، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة.
(٢) في المطبوعة: "مرتبط" وما أثبتناه من الأصل.
(٣) خ: (١/ ١٢٥) (٧) كتاب التيمم - باب رقم (١)، قال الإمام البخارى =
[ ١٨ ]
(الخامسة): - نزول براءتها نزول براءتها من السماء مما نسبه إليها أَهل الإفك في ست عشرة آية متوالية (^١)، وشهد الله لها بأنها من الطيبات، ووعدها بالمغفرة والرزق الكريم. وانظر تواضعها وقولها: "ولَشَأْنى في نفسى كان أحقر من أن يتكلم الله فيَّ بوحي يتلى" (^٢) قال الزمخشري: "ولو فلَّيت القرآن وفتشت عما أُوعِد به
_________________
(١) = حدثنا عبدُ الله بن يوسُف قال أخبرنا مالكٌ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أَبيه عن عائشةَ زوج النبي ﷺ قالت: خرجَّنا مع رسولِ الله ﷺ في بعض أَسفارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ - أَو بذاتِ الجيش انقَطَعَ عِقْدٌ لى، فأَقامَ رسولُ الله ﷺ على التماسِه، وأَقامَ الناسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ. فَأتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا: أَلا تَرَى ما صنَعَتْ عائشةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والنَّاس، ولَيْسُوا على مَاءٍ وليسَ معهم ماءً؟ فجاءَ أَبو بكر ورسولُ الله ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِى قَدْ نَامَ، فقال: حَبَسْتِ رسول الله ﷺ والناسَ، ولَيْسُوا على مَاءٍ ولَيْسَ مَعَهُمْ مَاءً. فقالت عائشةُ: فعاتبنى أبو بكرٍ وقال ما شاءَ الله أَنْ يَقُولَ، وجعلَ يَطْعَنُنِي بيده في خَاصِرَتي، فلا يمنعنى مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مكان رسول الله ﷺ على فَخِذى، فقام رسولُ الله ﷺ حين أَصْبَحَ على غير ماءٍ، فَأَنْزَلَ الله آيةَ التيمُّم، فَتَيَمَّمُوا. فقال أُسَيْدُ بنُ الحُضَيْر: ما هيَ بِأَوَّلِ بَرَكتكمْ يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البَعير الذي كُنتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. م: (١/ ٢٧٩) (٣) كتاب الحيض (٢٨) باب التيمم - عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. رقم (١٠٨/ ٣٦٧)
(٢) من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ …﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: ١١ - ٢٦].
(٣) يحسن بنا أن نورد حديث الإفك كاملًا للفائدة، ولأنه سيتعلق به كلام من المصنف آتٍ خ: (٢/ ٢٥٣ - ٢٥٧) (٥٢) كتاب الشهادات (١٥) باب تعديل النساء بعضهن بعضًا - عن أبي الربيع سليمان بن داود عن فليح بن سليمان، عن ابن شهاب الزهرى، عن عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثى، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله منه، قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم أَوْعَى مِنْ بَعضٍ وأَثْبَتُ له اقتصاصًا - وأَثْبَتُ له اقتصاصًا - وقَدْ وَعَيْتُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمُ الحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنَى عَنْ عَائِشَةَ، وبَعضُ حَديثهم يُصَدِّقُ بَعضًا. زَعَمُوا أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذا أَرادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْواجِهِ، فَأَيْتُهِنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. فَأَقْرَعَ بَينَنا في غَزَاةٍ غَزاها فَخَرَجَ سَهْمِي فَخَرَجْتُ معه بَعدَما أُنزِلَ الحِجَابُ، فَأَنَا أَحْمَلُ فِي هَودَج وأُنْزَلُ فيه. فَسِرْنا حَتَّى إذا فَرَغَ رسولُ الله ﷺ مِن غَزْوَتِهِ تِلْكَ وقَفَلَ ودَنَوْنَا مِنَ المَدِينَة آذَنَ ليلةً بالرَّحيل، فَقُمْتُ حِينَ آذَنوا بِالرَّحِيل فَمَشَيْتُ حتَّى جاوَزْتُ الجيشَ، فلما قَضَيْتُ شَأَنِي أَقْبَلْتُ إِلى الرَّحْلَ =
[ ١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا عِقْدٌ لى مِنْ جَزْعِ أَظفارٍ قَدِ انْقَطعَ، فَرجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُه، فَأَقبلَ الذينَ يَرحَلونَ لى فاحتملوا هَوْدَجى فرَحَلوهُ على بعيري الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ وَهُم يَحْسِبُونَ أَنِّى فِيه، وكانَ النَّساءُ إذ ذاكَ خِفاقًا لم يَثْقُلْنَ ولم يَغْشَهُنَّ اللحمُ، وإِنَّما يَأْكُلنَ العُلْقَةَ من الطَّعام. فَلَم يَسْتنكِرِ القَومُ حينَ رَفَعُوهُ ثِقَلَ الهودَج فَاحْتَمَلُوه، وكُنتُ جَارِيَةً حَديثةَ السِّنّ، فبعثوا الجَمَل وساروا، فَوَجَدْتُ عِقْدِى بَعدَ ما استَمَرَّ الجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنْزِلَهم ولَيسَ فِيهِ أَحَدٌ، فَأَمَمتُ مَنْزِلى الَّذِي كُنْتُ بِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّهم سَيَفْقِدُونَنى فَيَرْجِعُونَ إِليَّ. فَبَيْنَا أَنا جالسةٌ غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوانُ بنُ المُعطَّل السُّلَمِيُّ ثُم الذَّكوانيُّ من وراءِ الجَيشِ، فَأَصْبَحَ عِندَ مَنزِلى، فَرَأَى سَوادَ إنسان نائم، فأتاني، وكان يراني قبلَ الحِجِاب، فَاستَيْقظتُ باستِرْجاعِهِ حَتَّى أَناخ راحِلَتَه فَوَطئ يدَها فَرَكِبتُها، فانطَلَقَ يَقودُ بى الرَّاحِلَةَ حتَّى أَتَينا الجيشَ بعد ما نَزَلوا مُعرِّسِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرةِ. فَهَلَكَ مَنْ هلك. وكانَ الَّذِى تَولَّى الإِفْكَ عَبدُ الله بن أُبَى بنُ سَلول. فَقَدِمنا المدينةَ فَاشْتَكَيْتُ بها شَهرًا، والناسُ يُفيضونَ مِنْ قَوْلِ أَصحاب الإفك، ويَريثنى في وَجَعى أنى لا أرى مِن النَّبيِّ ﷺ اللُّطف الَّذِى كُنتُ أَرَى مِنهُ حِينَ أَمْرَضُ، إِنَّما يَدْخُلُ فَيُسَلِّم ثمَّ يقولُ: كَيفَ تِيكُم؟ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ حتَّى نقَهْتُ فَخَرجتُ أَنا وأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ المَناصِع مُتَبرَّزِنا، لا نَخْرُجُ إِلَّا ليلًا إِلى لَيْل، وذلك قَبْلَ أَنْ نتَّخِذَ الكُنُفَ قريبًا مِنْ بيوتنا، وأَمرُنَا أَمرُ العَرَب الأول في البرِّيَّةِ أَو في التنزُّه. فَأَقبلتُ أَنا وأُمُّ مِسْطح بِنْتُ أَبِي رُهم نَمْشِي، فَعَثَرَتْ في مِرطِها فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسطَحٌ. فَقُلتُ لها: بِئْسَ مَا قُلتِ، أَتَسُبِّين رَجلًا شَهَدَ بَدْرًا؟ فَقَالَتْ: يَا هَنَتَاهُ، أَلم تَسْمَعِى ما قالوا؟ فَأَخبرَتْني بِقَولِ أَهْلِ الْإِفْكِ، فَازدَدْتُ مَرَضًا على مَرَضِى. فَلمَّا رَجَعتُ إِلى بَيْتِى دَخَلَ عليَّ رَسولُ الله ﷺ فقال: كَيْفَ تِيكُم؟ فَقُلْتُ: ائذَنْ لى إلى أَبويَّ - قَالَتْ: وأَنا حينئذٍ أُريدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهما - فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَيْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلتُ لأُمي: ما يَتَحدَّثُ به النَّاسُ؟ فَقَالتْ: يا بُنيةُ، هَوِّنى على نَفْسِكَ الشَّأْنَ، فوالله لَقَلَّ ما كانتِ امرأَةٌ قطُّ وضيئَةٌ عِنْدَ رَجُل يُحِبُّها ولها ضَرائِرُ إِلَّا أَكْثَرْنَ عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ الله، ولقد يَتَحدَّثُ الناسُ بهذا؟! قَالَتْ: فَبِتُّ تِلكَ الليلةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لا يَرقَأُ لى دَمْعٌ ولا أَكْتَحِلُ بنومٍ. ثُمَّ أَصْبَحْتُ، فَدَعَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ عليَّ بن أبي طالب وأُسامة بن زيد حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحَىُ يَستَشِيرُهُما في فِراقِ أَهْلِهِ، فأَما أُسامةُ فَأَشارَ عَلَيْهِ بالذِي يَعْلَمُ في نَفْسِهِ مِنَ الوُدِّ لهم، فَقَالَ أُسَامَةُ: أهلك يا رَسولَ الله ولا نَعْلَمُ واللَّهِ إِلَّا خَيْرًا. وأَما على بن أبى طالِب فَقَالَ: يَا رَسولَ الله لم يُضِيِّقِ الله عَلَيْكَ، والنِّساءُ سِواها كَثيرٌ، وسَل الجارِيَةَ تَصْدُقْكَ. فَدَعَا رَسولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: يا بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ فِيها شَيْئًا يَرِيبُكِ؟ فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لا والَّذِي بَعَثَكَ بالحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصهُ عَلَيْها قَطُّ أَكثرَ مِن أَنَّهَا جَارِيةٌ حَدِيثَةُ السِّنّ تَنَامُ عَنِ العجين فَتَأَتى الداجِنُ فَتَأكُلُه. فَقامَ رَسولُ الله ﷺ مِنْ يَوْمِهِ فَاستَعْذَرَ مِنْ عَبدِ الله بن أبي بن سلول، فَقَالَ رَسولُ الله ﷺ: مَنْ يَعذُرُنى مِنْ رَجُل بَلَغنى أَذَاهُ فِي أَهْلِي، فَوَاللَّهُ مَا عَلِمتُ=
[ ٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = على أَهْلى إِلَّا خَيْرًا، وَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وما كانَ يَدْخُلُ على أَهْلى إِلَّا معى. فَقامَ سَعدُ بن مُعاذ فقَالَ: يا رسول الله، والله أَنَا أَعْذُرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَه، وإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوانِنَا مِنَ الخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلَنا فِيهِ أَمْرَكَ. فَقامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ وَهُو سَيِّدُ الْخَزْرَجِ - وكانَ قَبلَ ذَلِكَ رَجُلًا صالحًا، ولكن احتَمَلَتْهُ الحَمِيَّةُ - فَقالَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله، والله لا تَقتُلُهُ ولا تَقْدِرُ على ذلِكَ. فَقَامَ أُسَيْدُ بنُ الحُضَير فقالَ كَذَبْتَ لعَمرُ الله، والله لَنقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ المُنافِقِينَ. فَثارَ الحَيَّانِ الأَوسُ والحَزْرَجُ حَتَّى هَمُوا، وَرَسولُ الله عَلَى المُنْبَرَ. فَنَزَلَ فَخَفَضَهُم حَتَّى سَكَتوا وسَكَتَ. وبَكَيْتُ يَوْمِي لا يَرْقَأُ لى دَمْعُ، ولا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، فَأَصْبحَ عِنْدِي أَبَوايَ وقد بَكَيْتُ لَيْلَتى ويَوَمًا حَتَّى أَظُنُّ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدى. قَالَتْ: فبينا هما جالسانِ عِنْدِى وأَنا أَبكى إِذِ اسْتَأْذَنَتِ امرأَةٌ مِنَ الأنصارِ فَأَذِنْتُ لها فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعى، فَبَيْنا نَحْنُ كذلك إِذْ دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ فَجَلَسَ ولم يَجْلس عنْدِى مِنْ يَوْمٍ قِيلَ في ما قِيلَ قَبلَها، وقَد مَكَثَ شَهْرًا لا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي شَئٌ. قَالَتْ: فَتَشهَّدَ ثُمَّ قال: يا عائِشَةُ فإنَّهُ بَلَغَنَى عَنكِ كذا وكذا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ الله ﷿، وإنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِى الله وتُوبى إليه، فَإِنَّ العَبدَ إِذا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ تَابَ الله عَلَيْهِ. فَلمَّا قَضى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَه قَلَص دَمْعِى حَتَّى ما أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، وَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رسول الله ﷺ. قال: والله لا أدرى ما أَقولُ لِرَسولِ الله ﷺ فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبي عَنَّى رَسولَ الله فيما قالَ. قَالَتْ: والله ما أدرى ما أَقولُ لِرَسولِ الله ﷺ. قَالَتْ وأَنا جَارِيَةٌ حَدِيثَهُ السِّنِّ لا أَقْرأُ كَثِيرًا مِنَ القُرآنِ، فَقُلْتُ: إنّى والله لقد علمتُ أَنَّكم سَمِعْتُمُ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ ووَقَرَ فِي أَنْفُسِكُم وصَدَّقتمُ بهِ، وإِنْ قُلْتُ لَكُم إِنِّي بِرَيئةٌ - والله يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ - لا تُصَدِّقُونَنِي بِذلك، ولَئنِ اعتَرَفْتُ بِأَمر - والله يَعلَمُ أَنِّي بريئةٌ - لتُصَدِّقُنَّى. والله ما أَجِدُ لى ولكم مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ إِذْ قالَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثُمَّ تَحَوَّلتُ على فِراشى وأَنا أَرْجُو أَنْ يُبَرِّئنى الله، ولكِنْ والله ما ظَنَنْتُ أَنْ يُنزِلَ في شَأْنِي وَحْيًا، ولأَنَا أَحْقَرُ في نَفْسِي مِنْ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِالقُرْآنِ فِي أَمْرِى، ولكنِّى كُنتُ أَرْجو أَنْ يَرَى رَسولُ اللهِ ﷺ في النَّومِ رُؤيًّا تُبَرِّئُنى، فوالله ما رامَ مَجْلِسَهُ ولا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ حَتَّى أُنزِلَ عَلَيْهِ الوَحى، فَأَخذَهُ ما يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لِيَتَحدَّرُ مِنْهُ مِثلُ الجُمانِ مِنَ العَرَقِ في يَوم شاتٍ. فلمَّا سُرِّي عَنْ رَسُولِ الله ﷺ وهوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَة تَكَلَّمَ بها أَنْ قَالَ لى: يا عَائِشَةُ احمَدِى الله، فَقَد بَرَّأَك الله. قالَتْ لى أَمِّي: قُومِي إِلى رَسولِ اللَّهِ. ﷺ فَقُلتُ: لا والله لا أَقومُ إِلَيهِ، ولا أَحمَدُ إِلَّا الله. فَأَنزَلَ الله تعالى [النور: ١١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآيات فَلمَّا أَنزَلَ الله هذا في بَراءَتى قالَ أَبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁ وكان يُنْفِقُ على مِسْطَحِ بن أثاثةَ لِقَرابَتِهِ مِنهُ - والله لا أُنْفِقُ على مِسْطَحٍ بِشَيء أَبَدًا بعدَ أَنْ قَالَ لِعَائِشَةَ، فَأَنزَلَ الله تعالى [النور: ٢٢] ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا﴾ - إلى قوله - ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَقالَ أَبو بَكْرٍ: بَلى والله، إِنِّي لأحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لى، فَرَجَعَ إِلى مِسْطَح الذي كانَ يُجْرِى=
[ ٢١ ]
العصاة، لم تر الله ﷿ قد غلَّظ في شيء تغليظه في إفك عائشة (^١).
وعن ابن عباس أنه قال بالبصرة يوم عرفة وقد سئل عن هذه الآيات: "من أَذنب ذنبًا ثم تاب منه قبلت توبته، إلا من خاض في إفك عائشة" ثم قال: "برأَ الله تعالى أَربعة بأَربعة: يوسف بالوليد، وموسى بالحجر، ومريم بإنطاق ولدها: "إنى عبد الله" وبرأ عائشة بهذه الآيات العظيمة (^٢).
فإن قلت: فإن كانت عائشة المرادة فكيف قال: المحصنات؟ قلت: "فيه وجهان: أَحدهما: أن المراد أزواج النبي ﷺ وليكن (^٣) الحكم شاملًا للكل. والثانى: أَنها أُم المؤمنين فجُمعت إرادة لها ولبناتها من نساء الأمة.
(السادسة): - جعله قرآنًا يتلى إلى يوم القيامة.
(السابعة): - شرع جلد القاذف، وصار باب القذف وحده بابًا عظيمًا من أبواب الشريعة، وكان سببه قصتها ﵂؛ فإنه ما نزل بها أَمر تكرهه إلا جعل الله فيه للمؤمنين فرجًا ومخرجًا، كما سبق نظيره في التيمم.
تنبيه جليل: على وهمين وقعا في حديث الإفك في صحيح البخارى:
_________________
(١) = عَلَيْهِ. وكانَ رَسولُ الله ﷺ يَسأَلُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمرِى، فقالَ: يَا زَينبُ مَا عَلِمْتِ؟ ما رأيتِ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ، أَحْمِي سَمْعِى وبَصَرِى، والله ما عَلِمْتُ عَلَيها إِلَّا خَيرًا. قَالَتْ: وهي التي كانَتْ تُسامِيني، فَعَصَمَها الله بالوَرَعِ". قال وحَدَّثَنَا فَلَيحٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وعَبدِ اللهِ بن الزُّبيرِ مِثْلَه. قالَ وحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ عَنْ رَبيعَةَ بن أَبي عَبْدِ الرَّحمنِ ويَحْيى بن سعيدٍ عَنِ القَاسِمِ بن مُحَمَّدِ بن أَبي بَكْرٍ مِثْلَهُ. م: (٤/ ٢١٩ - ٢١٣٧) (٤٩) كتاب التوبة - (١٠) باب في حديث الإفك وقبول التوبة - عن حبان بن موسى، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن ابن شهاب ومن طرق أخرى به. رقم (٥٦/ ٢٧٧٠).
(٢) تفسير الكشاف (٣/ ٦٧) في تفسير قوله تعالى في سورة النور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
(٣) المصدر السابق (٣/ ٦٨) وفيه: "ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف بلسان الشاهد: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها الله ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر".
(٤) في المطبوعة: "وليكون الحكم" وما أثبتناه من الأصل.
[ ٢٢ ]
أحدهما قول على ﵁: "وسل الجارية تصدقك" قال: "فدعا رسول الله ﷺ بريرة … " وبريرة إنما اشترتها عائشة وأعتقتها بعد ذلك (^١).
ويدل عليه أنها لما عَتَقَت (^٢) واختارت نفسها، جعل زوجها يطوف وراءها في سكك المدينة ودموعه تحادر (^٣) على لحيته. فقال لها: ﷺ "لو راجعتيه" فقالت: "أتأمرنى؟ " فقال: "إنما أنا شافع". فقال النبي ﷺ: "يا عباس ألا تعجب من حب مغيث لبريرة وبغضها له" والعباس إنما قدم المدينة بعد الفتح (^٤).
والمُخَلِّص من هذا الإشكال: أن تفسير الجارية ببريرة مدرج في الحديث من بعض الرواة، ظنًّا منه أنها هي. وهذا كثيرًا ما يقع في الحديث من تفسير بعض الرواة، فيظن أنه من الحديث، وهو نوع غامض لا ينتبه له إلا الحذاق.
ونظائره (^٥) ما وقع في الترمذى وغيره من حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: "خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش - فذكر الراهب، وقال في آخرها -: فرده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالًا وزوَّده الراهب من الكعك والزبيب" (^٦).
فهذا من الأوهام الظاهرة؛ لأن بلالًا إنما اشتراه أبو بكر بعد مبعث النبي ﷺ، وبعد أن أسلم بلال وعذبه قومه، ولما خرج النبي ﷺ إلى الشام مع عمه أبى طالب كان له من العمر اثنتا عشرة (^٧) سنة وشهران وأيام. ولعل بلالًا لم يكن بَعْدُ ولد.
_________________
(١) انظر حديث الإفك في الهوامش السابقة.
(٢) في المطبوعة: "أعتقت" وما أثبتناه الأصل.
(٣) في المطبوعة: "تتحادر" وما أثبتناه من الأصل.
(٤) خ: (٣/ ٤٠٨) (٦٨) كتاب الطلاق (١٦) باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة - من طريق عكرمة عن ابن عباس أن زوج بريرة كان عبدا يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ لعباس: يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا، فقال النبي ﷺ لو راجعته؟ قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه. رقم: (٥٢٨٣) وهو من أفراد البخارى.
(٥) في المطبوعة: "ومن نظائره" وما أثبتناه من الأصل.
(٦) سنن الترمذى (٥/ ٥٩٠ - ٥٩١) (٥٠) كتاب المناقب (٣) باب ما جاء في بدء نبوة النبي ﷺ. رقم: (٣٦٢٠).
(٧) في الأصل: "اثنى عشر".
[ ٢٣ ]
ولما خرج المرة الثانية، كان له قريب من خمس وعشرين سنة، ولم يكن مع أبي طالب إنما كان مع ميسرة.
الثاني: ما ذكره من تحاور سعد بن عبادة وسعد بن معاذ، وقصة الإفك كانت بعد الخندق عند البخارى وجماعة. قال البخاري في صحيحه: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" (^١) واحتج البخارى لهذا القول بحديث ابن عمر: "عُرضت على النبي ﷺ يوم أُحُد وأنا ابن أربع عشرة فردنى، "ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني" (^٢).
وأُحُد بلا شك سنة ثلاث، فدل على أن الخندق سنة أربع. ثم قال في الصحيح: "إنها غزوة المُرَيْسيع" قال ابن إسحاق: "سنة ست" وقال النعمان بن راشد عن الزهري: "كان الإفك في غزوة المريسيع" وأما موسى بن عقبة فقال: سنة أربع (^٣).
ولا ريب أن قصة الإفك كانت بعد نزول آية الحجاب، والحجاب نزل في شأن زينب بنت جحش أُم المؤمنين، وهى في قصة الإفك كانت عند رسول الله ﷺ ولم تتكلم في عائشة (^٤)، ونكاح زينب ﵂ كان في ذى
_________________
(١) خ: (٣/ ١١٤) (٦٤) كتاب المغازى (٢٩) باب غزوة الخندق، وهى الأحزاب. قال البخاري: قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع. أردف ذلك بحديث من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد الله قال أخبرني نافع عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ عرضه يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يُجزه، وعرضه يوم الخندق، وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه. رقم: (٤٠٩٧).
(٢) انظر التخريج السابق.
(٣) خ: (٣/ ١٢٢) الكتاب السابق (٣٢) باب غزوة بني المُصطَلق من خزاعة وهى غزوة المريسيع. قال البخارى تعليقًا: قال ابن إسحاق: وذلك سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع، وقال النعمان بن راشد، عن الزهرى: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع.
(٤) جاء في حديث الإفك عند البخارى: "وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب بنت جحش عن أمرى، فقال: يا زينب ما علمت؟ ما رأيت؟ فقال: يا رسول الله، أحمي سمعى وبصرى، والله ما علمت عليها إلا خيرا. (انظر حديث الإفك. هامش ص ٢٢).
[ ٢٤ ]
القعدة سنة خمس من الهجرة في قول ابن سعد. وقال قتادة والواقدى: "تزوجها في سنة خمس من الهجرة" (^١) وبه قال غيرهم من علماءِ أَهل المدينة. فدلّ تأَخر آية الحجاب على أنها كانت بعد الخندق، وقد ثبت بلا ريب أن سعد بن معاذ توفى عقب الخندق، وعقب حكمه في بنى قريظة، ولم يكن بين الخندق وقريظة غَزَاة. ولهذا يعدل البخاري في أكثر رواياته لحديث الإفك عن نسبة سعد إلى أبيه فيقول: "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل". وهذه روايته في المغازى (^٢)، وقال: "سنة أربع" فالظاهر أنها على قوله قبل الخندق، لأن الخندق كانت في آخر السنة في شوال واتصلت بغزوة قريظة. وعلى هذا فيصح أن يكون الرادّ (^٣) على سعد بن عبادة هو سعد بن معاذ.
وقد تقدم وهم آخر: وهو رواية مسروق عن أُم رومان (^٤). وأَجاب القاضي أبو بكر بن العربي عن هذا: بأنه جاءَ في طريق: حدثتنى أُم رومان، وفى أُخرى: عن مسروق عن أم رومان مُعَنْعِنًا قال ﵀: "والعنعنة أصح فيه، وإذا كان الحديث مُعَنْعَنًا كان محتملًا ولم يلزم فيه ما يلزم في "حدثني"؛ لأن للراوى أن يقول: عن فلان وإن لم يدركه". حكاه عن الشافعي.
فهذه ثلاثة أوهام ادُّعيتْ في حديث الإفك: وهمٌ في بريرة، ووهم في سعد بن معاذ، ووهم في أُم رومان. والثلاثة ثابتة في الصحيح فلا ينبغي الإقدام على التوهيم إلا بأمر بيِّن. وقد تقدم ما يدفع الكل.
(السابعة): لم ينزل بها أمر إلا جعل الله لها منه مخرجًا وللمسلمين بركة (^٥).
_________________
(١) طبقات ابن سعد (٨/ ٨١).
(٢) رواية البخارى في المغازى: "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل". خ: (٣/ ١٢٤) (٦٤) كتاب المغارى (٣٤) باب حديث الإفك. رقم (٤١٤١) ولقد تتبعت أطراف هذا الحديث في البخارى، فلم أجد ما قال المؤلف: أرقام: (٢٥٩٣، ٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٢٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٣٦٩، ٧٣٧٠، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥).
(٣) في المطبوعة: "أن يكون المراد" وهو خطأ، وما أثبتناه من الأصل.
(٤) سبق أن بين ابن حجر أنه ليس هناك وهم في هذا. (ص: ٧ - ١٠).
(٥) م: (١/ ٢٧٩) (٣) كتاب الحيض (٢٨) باب التيمم - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن =
[ ٢٥ ]
(الثامنة): أن جبريل أتى بها النبي ﷺ في سرقة من حرير فقال: "هذه زوجتك" فقلت: "إن يكن من عند الله يُمْضه" وقد أدخله البخاري في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها (^١).
قال بعضهم: "وهو استدلال صحيح؛ لأن فعل النبي ﷺ في النوم واليقظة سواءٌ، وقد كشف عن وجهها.
وفى رواية الترمذى: "في خرقة حرير خضراءَ" وقال: حسن غريب (^٢). وجاء في رواية غريبة: "أن طول تلك الخرقة ذراعان وعرضها شبر". ذكره الخطيب في تاريخ بغداد من رواية أبى هريرة (^٣).
وأما قوله ﷺ: "إن يكن من عند الله يُمْضِه" فقال السهيلي: ليس بشك
_________________
(١) = أبي أسامة وابن بشر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فأرسل رسول الله ﷺ ناسًا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجًا، وجعل للمسلمين فيه بركة. (١٠٩/ ٣٦٧).
(٢) خ: (٣/ ٣٦٩) (٦٧) كتاب النكاح (٣٥) باب النظر إلى المرأة قبل التزويج - عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال لى رسول الله ﷺ: ﷺ أريتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير، فقال لى: هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب، فإذا أنت هي. فقلت: إن يك هذا من عند الله يُمضه. رقم: (٥١٢٥) م: (٤/ ١٨٨٩ - ١٨٩٠) (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١٣) باب في فضل عائشة من طريق حماد بن زيد به. رقم: (٧٩/ ٢٤٣٨). وقد سبق تفسير كلمة "سَرَقة" وجمعها سَرَق، وهى شقق الحرير.
(٣) ت: (٥/ ٧٠٤) (٥٠) كتاب المناقب (٦٣) باب فضل عائشة ﵂ من طريق عبد الله بن عمرو بن علقمة المكى، عن ابن أبي حسين، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حيث عبد الله بن عمرو بن علقمة.
(٤) رواها الخطيب في ترجمة محمد بن الحسن الدعا الأصم، وفيه: "فأتاه جبريل بخرقة من الجنة طولها ذراعان في عرض شبر فيها صورة لم ير الراءون أحسن منها … ". قال الخطيب بعد هذا الحديث وحديث آخر: رجال هذين الحديثين كلهم ثقات غير محمد بن الحسن، ونرى الحديثين مما صنعت يداه (تاريخ بغداد ٢/ ١٩٤).
[ ٢٦ ]
لأن رؤيا الأنبياء وحى، ولكن لما كانت الرؤيا تارة تكون على ظاهرها، وتارة تَرْهُو (^١) نظير المرئي أو شبهه فيطرق الشك ها هنا.
ويبقى سؤال: لماذا أَتى بـ "إن" والمناسب للمقام "إذا"؛ لأنها للمحقق و"إن" للمشكوك فيه؟ وجوابه يعلم مما قبله.
وذكر الحاكم في المستدرك عن الواقدى: حدثني عبد الواحد بن ميمون مولى عروة، عن حبيب مولى عروة قال: لما ماتت خديجة حزن عليها النبي ﷺ فأَتاه [جبريل] بعائشة في مهد فقال: "هذه تذهب ببعض حزنك، وإن فيها لخَلَفًا من خديجة" الحديث (^٢) ا هـ.
فيحتمل أَنها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلاف الحال، ويشهد له رواية البخارى مرتين.
(التاسعة): أَنها كانت أحب أَزواج النبي ﷺ إليه: قال له عمرو بن العاص: "يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ " قال: "عائشة" قال: "ومن الرجال؟ " قال: "أَبوها" (^٣). أخرجه الشيخان وصححه الترمذى.
_________________
(١) كذا في الأصل، وإن كانت بدون نقط التاء، وأقرب المعانى لها هي ما ذكره الزبيدي في تاج العروس: "الرَّهو: نشر الطائر جناحيه". وقد يكون المعنى على هذا، أي الرؤيا تنشر نظير المرئى. والله تعالى أعلم. هذا وفى المطبوعة اجتهد صاحبها فكتبها "تزهو "والله تعالى أعلم.
(٢) المستدرك: (٤/ ٥ - ٦) (٣١) كتاب معرفة الصحابة - من طريق الواقدى به.
(٣) خ: (٣/ ٩) (٦٢) كتاب فضائل الصحابة (٤) باب فضل أبي بكر بعد النبي ﷺ من طريق خالد الحذاء، عن أبي عثمان، عن عمرو نحوه. رقم (٣٦٦٢) وأبو عثمان هو النهدى. م: (٤/ ١٨٥٦) (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١) باب من فضائل الصديق ﵁ من طريق خالد به. رقم (٨/ ٢٣٨٤). ت. (٥/ ٧٠٦) (٥٠) كتاب المناقب (٦٣) باب فضل عائشة ﵂ عن خالد الحذاء به. وقال: هذا حديث حسن صحيح. رقم: (٣٨٨٥).
[ ٢٧ ]
(العاشرة): وجوب محبتها على كل أحد؛ ففى الصحيح: لما جاءَت فاطمة ﵂ إلى النبي ﷺ قال لها: "ألست تحبين ما أحب؟ " قالت: "بلى" قال: "فأحبى هذه". يعنى عائشة (^١)، وهذا الأمر ظاهر الوجوب.
وتأمل قوله ﷺ لما حاضت عائشة: "إن هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم" (^٢).
وقوله لما حاضت صفية: "عَقْرَى حَلْقَى أَحابستنا هي؟ " (^٣) وفرق عظيم بين المقامين.
ولعل من جملة أَسباب المحبة كثرة ما بلَّغته عن النبي ﷺ دون غيرها من النساء الصحابيات كما قيل بمثل ذلك في قوله: "وحُبِّب إليَّ من دنياكم النساء" (^٤).
_________________
(١) م: (٤/ ١٨٩١) (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١٣) باب في فضل عائشة ﵂ من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: … فذكرت ذلك، في حديث طويل. رقم (٨٣/ ٢٤٤٢)
(٢) خ: (١/ ٤٨١) (٢٥) كتاب الحج (٣٣) باب قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ من طريق أفلح بن حميد عن القاسم بن محمد، عن عائشة .. في حديث طويل. وفيه: "فلا يضيرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن" رقم (١٥٦٠). م: (٢/ ٨٧٣) (١٥) كتاب الحج - (١٧) باب بيان وجوه الإحرام - من طريق سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه به، ولفظه مثل لفظ المصنف. رقم: (١١٩/ ١٢١١).
(٣) خ: (١/ ٥٣٣ - ٥٣٤) (٢٥) كتاب الحج (١٤٥) باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت. من طريق إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة به. في حديث طويل رقم: (١٧٦٢) م: (٢/ ٩٦٥) (١٥) كتاب الحج (٦٧) باب وجوب الوداع وسقوطه عن الحائض من طريق إبراهيم به. رقم: (٣٨٧ - ١٢١١) ومعنى عَقْرَى حَلْقَى؛ أي إنها تحلق قومها، أي تستأصلهم من شؤمها عليهم، أو دعاء بالعقر والحلق. وهذا الدعاء لا يراد به حقيقة معناه، ولكنه كما قالوا: قاتله الله وتربت يداه.
(٤) س: (٧/ ٦١) (٢٦) كتاب عشرة النساء (١) باب حب النساء من طريق عفان بن =
[ ٢٨ ]
(الحادية عشرة): أن من قذفها فقد كفر؛ لتصريح القرآن الكريم ببراءتها. قال الخوارزمي في الكافي، من أصحابنا، في كتاب الردة: "لو قذف عائشة بالزنى صار كافرًا، بخلاف غيرها من الزوجات؛ لأن القرآن نزل ببراءتها" اهـ.
وعند مالك: "أَن من سبها قتل".
قال أَبو الخَطَّاب بن دِحْيَة في أجوبة المسائل: "ويشهد لقول مالك كتاب الله؛ فإن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦] والله تعالى ذكر عائشة فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فسبح نفسه في تنزيه عائشة كما نفسه لنفسه في تنزيهه" حكاه القاضي أبو بكر بن الطيب.
(الثانية عشرة): من أنكر كون أبيها أبى بكر الصديق ﵁ صحابيًّا كان كافرًا، نص عليه الشافعي؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] ذكره صاحب الكافي. ومقتضاه: أنه لا يجرى ذلك في إنكار غيره، وليس كذلك. نعم: يدرك تكفير منكر صحبة الصديق تكذيب النص وصحبة غيره التواتر.
(الثالثة عشرة): أَن الناس كانوا يَتَحَرَّوْن بهداياهم يومها من رسول الله ﷺ، فيتحفونه بما يحب في منزل أحب نسائه إليه، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ. أخرجه الشيخان (^١).
_________________
(١) = مسلم، عن سلام أبي المنذر، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ حبب إلى من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عينى في الصلاة. رقم: (٣٩٣٩) قال الحافظ ابن حجر: وإسناده حسن.
(٢) خ: (٣/ ٣٦) (٦٢) كتاب فضائل الصحابة (٣٠) باب فضل عائشة ﵂ من طريق حماد، عن هشام، عن أبيه قال: كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة. قالت عائشة: فاجتمع صواحبى إلى أم سلمة فقلن: يا أم سلمة، والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمرى رسول الله ﷺ أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان، أو حيث ما دار. قالت: فذكرت ذلك أم سلمة للنبى ﷺ. قالت: فأعرض عنى، فلما عاد =
[ ٢٩ ]
(الرابعة عشرة): أَن سَوْدَةَ وهبت يومها لها بخصوصها (^١).
(الخامسة عشرة): اختياره ﷺ أن يمرض في بيتها (^٢).
قال أَبو الوفا بن عقيل (^٣) ﵀: "انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت واختار لموضعه من الصلاة الأب، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرافضة، عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلا عن الناطق".
(السادسة عشرة): وفاته ﷺ بين سَحْرِها ونَحْرِها (^٤) قال الصاغانى:
_________________
(١) = إليَّ ذكرت له ذلك، فأعرض عنى، فلما كان في الثالثة ذكرت ذلك له، فقال: يا أم سلمة، لا تؤذينى في عائشة؛ فإنه والله ما نزل على الوحى وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها. رقم: (٣٧٧٥) م: (٤/ ١٨٩١) (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١٣) باب في فضل عائشة - من طريق عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة، يبتغون بذلك مرضاة رسول الله ﷺ.
(٢) خ: (٣/ ٣٩١) (٦٧) كتاب النكاح (٩٨) باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها - من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، وكان النبي - ﷺ يقسم لعائشة يومها ويوم سودة. رقم (٥٢١٢). م: (٢/ ١٠٨٥) (١٧) كتاب الرضاع (١٤) باب جواز هبتها نوبتها لضرتها - من طرق عن هشام بن عروة به نحوه. رقم (٤٧ - ٤٨/ ١٤٦٣)
(٣) خ: (١/ ٨٤) (٤) كتاب الوضوء (٤٥) باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة - عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عائشة قالت: لما ثقل النبي ﷺ واشتد به وجعه استأذن أزواجه في أن يمرض في بيتي، فأذنَّ له … الحديث. رقم (١٩٨) م: (١/ ٣١٢) (٤) كتاب الصلاة (٢١) باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر - من طريق معمر، عن الزهرى نحوه - رقم (٩١/ ٤١٨). ومن طريق الليث، عن عُقَيْل بن خالد به. رقم (٩٢/ ٤١٨)
(٤) في المطبوعة: "أبو الوفا عقيل" وهو خطأ، وما أثبتناه من الأصل وهو الصواب.
(٥) خ: (١/ ٧٢٤) (٢٣) كتاب الجنائز (٩٦) باب ما جاء في قبر النبي ﷺ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليتعذر في مرضه، أين أنا اليوم، أين أنا غدًا، استبطاء ليوم عائشة، فلما كان يومى قبضه الله بين سَحْرِى ونَحْرِى، ودفن في بيتى. رقم (١٣٩٠) م: (٤/ ١٨٩٣) (٤٤) فضائل الصحابة (١٣) باب في فضل عائشة ﵂ من طريق هشام بن عروة به. رقم: (٨٤/ ٢٤٤٣)
[ ٣٠ ]
"السَّحْرُ بفتح السين وضمها ما تعلق بالحلقوم وبالمرئ من أعلى البطن من الرئة وغيرها" وعن الفراءِ فيه: "سَحَر بالتحريك" وكان عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير يقول: "إنما هو بين شجرى" بشين معجمة وجيم، فسئل عن ذلك، فشبك بين أصابعه وقدمها عن صدره يضم شيئًا، يريد أنه ﵇ قبض وقد ضمته بيديها إلى نحرها وصدرها وخالفت بين أصابعها. وكأنه عنده مأخوذ من قولهم اشتجرت الرماح إذا اشتبكت بعضها ببعض.
(السابعة عشرة): وفاته ﷺ في يومها (^١).
(الثامنة عشرة) وفاته ﷺ في بيتها (^٢).
(التاسعة عشرة) دفنه في بيتها (^٣) ببقعة هي أفضل بقاع الأرض بإجماع الأُمة.
(العشرون) أنها رأت جبريل ﷺ في صورة دحية الكلبي، وسلم عليها.
ثبت في الصحيحين (^٤).
_________________
(١) انظر التخريج السابق
(٢) انظر التخريج السابق. وهذه الخصيصة سقطت من المطبوعة.
(٣) انظر التخريج السابق.
(٤) لم أعثر على هذا في الصحيحين، ولكن فيهما أن الذي رأى جبريل في صورة دحية أم سلمة. خ: (٢/ ٥٣٦ - ٥٧٣) (٦١) كتاب المناقب (٢٥) علامات النبوة في الإسلام من طريق معتمر بن أبي سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان عن أسامة بن زيد: أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة، فجعل يحدث ثم قام، فقال النبي ﷺ لأم سلمة: من هذا - أو كما قال. قالت: هذا دحية، قالت أم سلمة: أيم الله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة نبى الله ﷺ - يخبر عن جبريل. رقم (٣٦٣٤) م: (٤/ ١٩٠٦) (٤٤) كتاب الفضائل (١٦) باب من فضائل أم سلمة ﵂ من طريق معتمر به. رقم (١٠٠/ ٢٤٥١) ولكن روى الحاكم في مستدركه (٤/ ١٠) أن عائشة قالت: ورأيت جبريل ﵊، ولم يره أحد من نسائه غيرى. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي فربما لم تعلم السيدة عائشة برؤية أم سلمة له. وقد روى الطبراني في الأوسط (٩/ ٣٧٧ - ٣٧٨) من طريق المقدام بن داود عن عمه سعيد بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أشرس، عن عبد الله بن عمر، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم =
[ ٣١ ]
زاد الحاكم في مستدركه عن مسروق عنها: "قلت: يا رسول الله هذا؟ قال: بمن شبهته؟ قلت: بدحية. قال: لقد رأيتِ جبريل" (^١).
وفي رواية له عن عبد الله بن صفوان، عنها: "ورأيتُ جبريل ولم يره أحد من نسائه غيرى".
فأخرج من جهة مالك بن سُعير، عن إسماعيل بن أبي خالد، أنا عبد الرحمن بن الضحاك: أَن عبد الله بن صفوان أتى عائشة وآخر معه، فقالت عائشة لأحدهما: "أسمعت حديث حفصة يا فلان؟ " فقال: "نعم يا أُم المؤمنين" فقال لها عبد الله بن صفوان: "وما ذاك يا أم المؤمنين"؟ قالت: "خلال تسع لم تك لأحد النساء قبلى إلا ما أتى الله مريم بنت عمران، والله ما أقول هذا أنى أفخر على أحد من صواحباتى". فقال لها عبد الله بن صفوان: "وما هن يا أم المؤمنين"؟ قالت: "جاءَ الملك بصورتى إلى رسول الله ﷺ، وتزوجنى رسول الله ﷺ وأنا ابنة سبع سنين، وأهديت إليه وأنا ابنة تسع سنين، وتزوجنى
_________________
(١) = ابن محمد، عن عائشة أن رسول الله ﷺ سمع صوت رجل فوثب وثبة شديدة وخرج إليه، فاتبعته فإذا هو متكئ على عَرْف برذونه، وإذا هو دحية الكلبى. فلما دخل رسول الله ﷺ قلت: لقد وثبت وثبة شديدة، وخرجت فإذا هو دحية الكلبى. قال: ورأيته؟ قلت: نعم. قال: ذاك جبريل ﵇ أمرنى أن أخرج إلى بني قريظة. قال الطبراني: لم يروه عن عبيد الله إلا أخوه، ولا عنه إلا عبد الرحمن وروح وقال الهيثمى: شيخه مقدام بن داود ضعيف. (مجمع ٦/ ١٤١) وربما أراد المصنف أن ما ثبت في الصحيحين هو تسليمه عليها، وهو كذلك، وتقدم، انظر: (ص: ٦).
(٢) المستدرك (٤/ ٧) (٣١) كتاب معرفة الصحابة - ذكر الصحابيات من أزواج رسول الله - ﷺ من طريق مجالد بن سعيد، عن الشعبى، عن مسروق قال: قالت لى عائشة: لقد رأيت جبريل ﵊ واقفًا في حجرتي هذه، ورسول الله ﷺ يناجيه، فلما دخل قلت: يا رسول الله، من هذا؟ قال: بمن شبهتيه؟ قلت: بدحية الكلبى. قال: لقد رأيت خيرًا كثيرًا، ذاك جبريل ﵇، فما لبثت إلا يسيرا حتى قال: يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السلام. قالت: قلت: وعليه السلام، جزاه الله من دخيل خيرًا. وفيه مجالد بن سعيد وقد ضعفه كثير من الأئمة.
[ ٣٢ ]
بكرًا لم يشركه فيَّ أحد من الناس، وكان يأتيه الوحى وأنا وهو في لحاف واحد، وكنت من أحب الناس إليه، ونزل فيَّ آيات من القرآن كادت الأمة تهلك فيها، ورأيت جبريل، ولم يره أحد من نسائه غيرى، وقبض في بيتي ولم يَلِه أحد غير الملك وأنا" (^١). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ا هـ.
ومالك بن سُعير من رجال مسلم، وقال أَبو حاتم: "صدوق"، وضعفه أبو داود. وهذه الزيادة فيها نظر؛ لما في كتاب مسلم: أَن أُم سَلَمَة رأَته في صورة دحية أيضًا.
قال أبو الفرج: "وإنما سلم عليها ولم يواجهها؛ لحرمة زوجها، وواجه مريم؛ لأنه لم يكن لها بَعْل.
فمن نُزِّهَت لحرمة بعلها عن خطاب جبريل كيف يُسَلَّطُ عليها أُكُفُّ أَهل الخطايا"؟ (^٢).
(الحادية والعشرون): اجتماع ريق رسول الله ﷺ وريقها في آخر أنفاسه.
رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (^٣).
_________________
(١) المستدرك: (٤/ ١٠) (٣١) كتاب معرفة الصحابة من طريق أبي الخطاب زياد بن يحيى الغسانى، عن مالك بن سعير به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) كشف المشكل: (٤/ ٣٥٠). وقد اختصر المصنف قول ابن الجوزى.
(٣) المستدرك (٤/ ٨) الكتاب السابق. من طريق إسماعيل بن عُلَيَّةَ، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة قال: قالت عائشة ﵂: مات رسول الله ﷺ في بيتى وفى يومى وبين سَحْرِى ونَحْرِى، ودخل عليه عبد الرحمن بن أبى بكر ومعه سواك رطب، فنظر إليه حتى ظننت أن له فيه حاجة، فأخذته فمضغته وقضمته وطيبته، ثم دفعته إليه فاستن كأحسن ما رأيته مستنًّا قط، ثم ذهب يرفعه إلى فسقطت يده، فأخذت أدعو له بدعاء كان يدعو له به جبريل ﵊، وكان يدعو به إذا مرض، فلم يَدْعُ به في مرضه ذاك، فرفع بصره إلى السماء وقال: الرفيق الأعلى، وفاضت نفسه ﷺ فالحمد لله الذي جمع بين ريقى وريقه في آخر يوم من الدنيا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.
[ ٣٣ ]
(الثانية والعشرون): لم ينزل الوحى على رسول الله ﷺ وهو في لحاف امرأة من نسائه غيرها.
أَخرجه البخاري في المناقب (^١)، ورواه ابن حبان في صحيحه (^٢).
والحاكم في المستدرك بلفظ: "ما نزل الوحى عليَّ وأنا في بيت امرأة من نسائى غير عائشة". وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" (^٣). والأول أصح فقد كان ينزل عليه في بيت خديجة.
(الثالثة والعشرون): كانت أكثرهن علمًا.
قال الزهرى: "لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل (^٤).
وقال عطاء: "كانت عائشة أفقه الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة" (^٥).
وذكر أبو عمر بن عبد البرّ ﵀: "أنها كانت وحيدة عصرها في ثلاثة علوم: علم الفقه، وعلم الطب، وعلم الشعر" (^٦).
وقال أبو بكر البزار في مسنده: "حدثنا عمرو بن علي، ثنا خلاد بن يزيد، ثنا
_________________
(١) انظر التخريج في (ص: ٢٩ - ٣٠)
(٢) ابن حبان (الإحسان ١٦/ ٤٣، ٤٤) (٦١) كتاب إخباره ﷺ عن مناقب الصحابة. من طريق هشام بن عروة، عن عوف بن الحارث بن الطفيل، عن رميثة أم عبد الله بن محمد بن أبي عتيق، عن أم سلمة به، في حديث فيه قصة. رقم: (٧١٠٩).
(٣) الذي في مستدرك الحاكم: "وأنا في ثوب امرأة من نسائى". [٤/ ٩ من كتاب معرفة الصحابة من المستدرك]. وفي حديث آخر فيه: "وكان يأتيه الوحى وأنا وهو في لحاف واحد" (٤/ ١٠ من المستدرك) والله ﷿ وتعالى أعلم.
(٤) الاستيعاب لابن عبد البر: (٤/ ٣٥٨) ورواه الطبراني في المعجم الكبير برجال ثقات (٢٣/ ١٨٤ برقم ٢٩٩)، وهو مرسل.
(٥) المصدر السابق (الموضع نفسه) وفيه: وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس، وأعلم الناس رأيًا في العامة.
(٦) لم أعثر على هذا القول لابن عبد البر في الاستيعاب، ولكن نقل عن هشام بن عروة عن أبيه، ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر من عائشة: (١/ ٣٥٨).
[ ٣٤ ]
محمد بن عبد الرحمن أبو غِرارَة زوج جَبْرَة (^١) قال حدثني عروة بن الزبير قال: "قلت لعائشة: إني لأتفكر في أمرك فأَعجب: أجدك من أفقه الناس، فقلت ما يمنعها؟ زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبى بكر، وأجدك عالمة بأيام العرب وأنسابها وأشعارها، فقلت: وما يمنعها وأبوها علَّامة قريش؟ ولكن إنما أَعجب أن وجدتك عالمة بالطب فمن أين"؟ فأخذت بيدى وقالت: "يا عُريَّة، إن رسول الله ﷺ كثرت أسقامه فكان أطباءُ العرب والعجم يُبْعَثُون له، فتعلمت ذلك".
قال: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عائشة إلا بهذا الإسناد" (^٢). اهـ.
ومحمد بن عبد الرحمن مختلف فيه، لكن رواه أبو نعيم في الحلية عنه من جهة أحمد بن حنبل: ثنا عبد الله بن معاوية الزبيرى، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه (^٣) به وروى الحاكم (^٤) نحوه من جهة إسرائيل عن هشام، وقال: "صحيح الإسناد" قال الذهبي في مختصره: "على شرط الشيخين" (^٥).
(الثالثة والعشرون): كانت أفصحهن لسانًا.
عن موسى بن طلحة قال: "ما رأيت أحدًا أَفصح من عائشة" أخرجه الترمذى وقال: "حسن صحيح غريب) (^٦).
_________________
(١) في المطبوعة: "خيرة" وما أثبتناه من الأصل ومن كشف الأستار، ومن المؤتلف والمختلف للدارقطنى.
(٢) كشف الأستار (٣/ ٢٤٠) كتاب المناقب. مناقب عائشة ﵂ عن عمرو بن علي به. رقم (٢٦٦٢) وجَبْرَة هي بنت محمد بن ثابت بن سباع. روت عن أبيها، حدث عنها إسماعيل بن عيَّاش وزوجها محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر المليكى (المؤتلف والمختلف للدارقطنى ١/ ٣٨٤)
(٣) الحلية لأبي نعيم (٢/ ٥٠). في ترجمة السيدة عائشة ﵂.
(٤) في المطبوعة: "ورد في الحاكم" وما أثبتناه من الأصل.
(٥) المستدرك (٤/ ١٩٧) (٣٧) كتاب الطب. من طريق إسرائيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قلت لعائشة ﵂: قد أخذت السنن عن رسول الله ﷺ والشعر والعربية عن العرب، فعن من أخذت الطب؟ قالت: إن رسول الله ﷺ كان رجلًا مسقامًا، وكان أطباء العرب يأتونه فأتعلم منهم. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح على شرط البخارى، ومسلم.
(٦) ت: (٥/ ٧٠٥) (٥٠) كتاب المناقب (٦٣) باب فضل عائشة ﵂ من=
[ ٣٥ ]
الأحنف وروى محمد بن سيرين عن بن قيس قال: "سمعت خطبة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبي طالب والخلفاء كلهم هلم جرًّا إلى يومي هذا، فما سمعت الكلام من فم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة" أخرجه الحاكم (^١) في مستدركه.
وساق أبو الفرج في التبصرة لها كلامًا طويلا موشحًا بغرائب اللغة والفصاحة (^٢).
وقال صاحب زهر الآداب: "لما توفى الصديق ﵁ وقفت عائشة على قبره فقالت:
"نضر الله وجهك يا أبت، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مذلًّا بإدبارك عنها، وللآخِرة معزًّا بإقبالك عليها، ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله ﷺ رَزْؤُك، وأعظم المصائب بعده فقدك، وإن كان الله ليعد بحسن الصبر عنك حسن العوض منك، وأنا أستنجز موعود الله فيك بالصبر، وأستقضيه بالاستغفار لك. أما لئن كانوا قاموا بأمر الدنيا لقد قمت بأمر الدين؛ لما وهى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه، فعليك سلام الله توديع غير قالية لحياتك، ولا زارية على القضاء فيك" (^٣).
(الرابعة والعشرون): أن الأكابر من الصحابة كان إذا أشكل عليهم الأَمر في الدين استفتوها فيجدون علمه عندها.
قال أبو موسى الأشعرى: "ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا".
أخرجه الترمذي وقال: "حسن صحيح" (^٤).
_________________
(١) = طريق عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة نحوه. وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. المستدرك (٤/ ١١) (٣١) كتاب معرفة الصحابة - من طريق زائدة، عن عبد الملك بن عمير نحوه.
(٢) المستدرك: (٤/ ١١) (٣١) كتاب معرفة الصحابة.
(٣) التبصرة: (١/ ٤٥٩ - ٤٦٠).
(٤) كذلك نقله عمر رضا كحالة في أعلام النساء، ولكن لم يعزه (٣/ ١١٤).
(٥) ت: (٥/ ٧٠٥) (٥٠) كتاب المناقب (٦٣) باب فضل عائشة ﵂. من طريق خالد بن سلمة المخزومي عن أبي بردة، عن أبي موسى به. وقال: هذا حديث حسن صحيح. رقم (٣٨٨٣)
[ ٣٦ ]
وقال مسروق: "رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرائض" (^١).
(الخامسة والعشرون): جاءَ في حقها: "خذوا شطر دينكم عن الحُمَيْرَاءِ" (^٢) وسألت شيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير ﵀ عن ذلك فقال: "كان شيخنا حافظ الدنيا أبو الحجاج المزى ﵀ يقول "كل
_________________
(١) المعجم الكبير للطبرانى (٢٣/ ١٨١ - ١٨٢) من طريق الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق أنه قيل له: هل كانت عائشة تحسن الفرائض؟ فقال: والذي نفسى بيده لقد رأيت مشيخة أصحاب محمد ﷺ يسألونها عن الفرائض. رقم: (٢٩١). قال الهيثمى في المجمع: وإسناده حسن: (٩/ ٢٤٢). ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٢) به.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب (ص ١٧٠): "حديث غريب جدًّا، بل هو منكر، سألت عنه شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزى فلم يعرفه، وقال: لم أقف له على سند إلى الآن، وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: هو من الأحاديث الواهية التي لا يعرف لها إسناد". هذا، وقال العجلونى في كشف الخفا في هذا الحديث (٤٤٩ - ٤٥٠): قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث ابن الحاجب من إملائه: لا أعرف له إسنادًا، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير ذكره في مادة (ح م ر)، ولم يَذْكُر من خَرَّجه، ورأيته في الفردوس بغير لفظه، وذكره عن أنس بغير إسنادٍ بلفظ خذوا ثلث دينكم من بيت الحميراء، وذكر ابن كثير أنه سأل الحافظين المزى والذهبيَّ عنه، فلم يَعْرِفاه، وقال السيوطي في الدُّرّ: لم أقف عليه، لكن في الفردوس عن أنس خذوا ثلث دينكم من بيت عائشة انتهى، قال القارى: لكن معناه صحيح، ثم قال: وقد اشتهر أيضًا حديث: كلمتين يا حميراء، وليس له أصل عند العلماء، وقال ابن الفرس رأيت في الأجوبة على الأسئلة الطرابلسية لابن قيم الجوزية أن كل حديث فيه يا حميراء أو ذكر الحميراء فهو كذب مختلق كحديث يا حميراء لا تأكلى الطين، فإنه يورث كذا وكذا، وحديث خذوا شطر دينكم عن عن الحميراء، والحميراء تصغير حمراء، وكانت عائشة بيضاء، والعرب تسمى الأبيض أحمر، ومنه حديث بعثت إلى الأحمر والأسود انتهى ملخصًا. وأقول فيه إن الحديث الذي رواه البيهقى والدارقطنى وغيرهما عن عائشة في الماء المشمس أن النبي قال لها لا تفعلى يا حميراء، فإنه يورث البرص ليس بكذب مختلق بل ضعيف، قال فيه الرملى: وهذا وإن كان ضعيفًا لكنه يتأيد بما روى عن عمر أنه كان يكره الاغتسال فيه، وقال: إنهُ يورث البرص انتهى.
[ ٣٧ ]
حديث فيه ذكر الحميراء باطل إلا حديث في الصوم في سنن النسائي".
قلت: وحديث آخر في النسائي أيضًا عن أبي سلمة قال: قالت عائشة: دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لي: "يا حميراء أتحبين أن تنظرى إليهم … " الحديث، وإسناده صحيح (^١).
وروى الحاكم في مستدركه حديث: ذكر النبي ﷺ خروج بعض أُمهات المؤمنين فضحكت عائشة، فقال: "انظرى يا حميراء ألا تكوني أنت" ثم التفت إلى عليّ فقال: "إن ولِّيتَ من أمرها شيئًا فارفق بها" وقال: صحيح الإسناد (^٢).
وذكرها الشيخ أبو إسحاق الشيرازى في طبقاته في جملة فقهاء الصحابة.
ولما ذكر ابن حزم أَسماءَ الصحابة الذين رويت عنهم الفتاوى في الأحكام على مزية كثرة ما نقل عنهم، قدَّم عائشة على سائر الصحابة.
وقال الحافظ أبو حفص عمر بن عبد المجيد القرشي الميانشي في كتاب "إيضاح ما لا يسع المحدث جهله": "اشتمل كتاب البخاري ومسلم على ألف
_________________
(١) س: (الكبرى (٥/ ٣٠٧) (٧٩) كتاب عشرة النساء (١٨) إباحة الرجل لزوجته النظر إلى اللعب - من طريق يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لى: يا حميراء، أتحبين أن تنظرى إليهم … الحديث رقم: (٨٩٥١) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٤٤): إسناده صحيح، ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا.
(٢) المستدرك: (٣/ ١١٩) (٣١) كتاب معرفة الصحابة - من طريق عبد الجبار بن الورد عن عمار الدهنى، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم سلمة ﵂ قالت: ذكر النبي ﷺ … الحديث. وقال في هذا وما قبله وما بعده: هذه الأحاديث الثلاثة كلها صحيحة على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولكن قال الذهبي: عبد الجبار لم يخرجا له. أقول: عبد الجبار وثقه أحمد ويحيى وغيرهما، ولينه (خ) وابن حبان (التذكرة للحسيني ٢/ ٩٥٩ رقم: (٣٧٤٦)
[ ٣٨ ]
حديث ومائتى حديث من الأحكام، فروت عائشة من جملة الكتابين مائتين ونيفٍ وتسعين حديثًا لم يخرج عن الأحكام منها إلا يسير (^١).
قال الحاكم أبو عبد الله: "فحمل عنها ربع الشريعة". قال أبو حفص: "وروينا بسندنا عن بقيّ بن مَخْلَد ﵁: "أَن عائشة روت ألفين ومائتى حديث وعشرة أحاديث، والذين رووا الأُلوف عن رسول الله ﷺ أربعة: أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك وعائشة ﵃ (^٢). اهـ
(السادسة العشرون): لم ينكح النبي ﷺ امرأَة أَبواها مهاجران بِلا خلاف، سواها.
(السابعة والعشرون): أن أَباها وجدَّها صحابيان، وشاركها في ذلك جماعة قليلون.
قال موسى بن عقبة: "لا نعرف أَربعة أَدركوا النبي ﷺ هم وأبناؤُهم إلا هؤلاء الأربعة. فذكر أَبا بكر الصديق وأباه وابنه عبد الرحمن وابنه محمدًا أبا عتيق" حكاه عنه ابن الصلاح في النوع الرابع والأربعين من علومه (^٣)، وكذا صاحب مسند الفردوس، وقال: "ولا نعلم من العشرة العشرة أحدًا أَسلم أبوه على يدى رسول الله ﷺ إلا أبا بكر" قلت: "وقد أفرد ابن مندة جزءًا فيمن روى عن النبي ﷺ هو وولده واشتركوا في رؤيته وصحبته والسماع منه، وبدأ بوالد الصديق أبي قحافة وروي له حديثًا، ثم بالصديق، ثم بولده عبد الرحمن. ومنهم حارثة بن شراحيل وابنه زيد بن حارثة وابنه أُسامة بن زيد حب رسول الله ﷺ.
وروى أبو القاسم البغوي في معجمه من جهة محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ "إذا بلغ المرء المسلم أربعين سنة صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون والجذام
_________________
(١) ما لا يسع المحدث جهله لأبى حفص عمر بن عبد المجيد الميانشى. تحقيق صبحى السامرائى، شركة الطبع والنشر الأهلية، بغداد ص: (١٠).
(٢) ما لا يسع المحدث جهله، ص: (١٠).
(٣) مقدمة ابن الصلاح، ص: (٥٣٩).
[ ٣٩ ]
والبرص .. " الحديث ثم قال: لا أعلم لعبد الله بن أبي بكر عن: النبي ﷺ غير هذا الحديث، وفي إسناده ضعف وإرسال (^١).
وقال الدارقطنى: فأما (^٢) عبد الله بن أَبى بكر فأُسند عنه حديث في إسناده نظر، يرويه عثمان بن الهيثم المؤذن، عن رجال ضعفاء (^٣).
قال المنذرى: "وقد وقع لنا من حديث عبد الله بن أبي بكر الصديق عن رسول الله ﷺ حديثان آخران غير هذا الحديث، أحدهما: "أَن رسول الله ﷺ فرق بين جارية بكر وزوجها، زوَّجَها أبوها وهى كارهة .. " الحديث الثاني: "أن النبي ﷺ قال: "لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله".
وهذان الحديثان يرويهما عنه المهاجر بن عِكْرِمَة المخزومي. وعندى في سماع المهاجر هذا من عبد الله بن أبي بكر نظر؛ فإن عبد الله قديم الوفاة؛ فإنه توفى في شوال سنة إحدى عشرة من الهجرة، وهى السنة التي توفى فيها رسول الله ﷺ، وقيل: سنة اثنتى عشرة، والأول أشهر. وكانت وفاته بالمدينة ونزل حفرته عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵃.
(الثامنة والعشرون): كان أَبوها أَحب الرجال إليه وأَعزهم عليه.
(التاسعة والعشرون): أَن أَباها أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ.
وقد سئل عن ذلك مالك فقال: "وهل في ذلك شك؟ " وقد صح عن علي بن أَبى طالب ذلك أَيضًا. أَخرجه أَبو ذر في كتاب السنة له.
_________________
(١) المستدرك (٣/ ٤٧٨) (٣١) كتاب معرفة الصحابة من طريق عثمان بن الهيثم، عن الهيثم بن الأشعث، عن محمد بن عمارة الأنصارى، عن جهم بن عثمان السلمى، عن محمد بن عبد الله، عن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله ﷺ: إذا بلغ المرء المسلم أربعين سنة صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون والجذام والبرص، وإذا بلغ خمسين سنة غفر له ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، وكان أسير الله في الأرض، والشفيع في أهل بيته يوم القيامة.
(٢) في المطبوعة: "ثنا عبد الله بن أبى بكر فأسند عنه حديثًا"، وما أثبتناه من المخطوط.
(٣) هو هذا الحديث الذي خرجناه من المستدرك، ففيه "عثمان بن الهيثم".
[ ٤٠ ]
وأَخرج البخارى في صحيحه عن محمد بن الحنفية قال: "قلت لأبى: أَيُّ الناس خير بعد رسول الله؟ " قال: "أبو بكر" قلت: "ثم من؟ " قال: "عمر" وخشيت أن يقول: عثمان؛ قلت: "ثم أنت" قال: "ما أنا إلا رجل من المسلمين" (^١).
وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين على وعثمان، وذهب قوم إلى تساويهما في الفضيلة، وحكى عن مالك ويحيى بن سعيد القطان. وأما ما ذكره ابن عبد البر في كتاب الصحابة: "أَن السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر وعلى" (^٢) فقد غُلِّطَ في ذلك ووهِّم، لا سيما وثَبَّتَ بأن من كان يعتقد ذلك من السلف أبو سعيد الخدرى وهذا بعيد. وقد أخرج البخارى في صحيحه عن نافع عن ابن عمر قال: "كنا نخيِّر بين الناس في زمان رسول الله ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان عفان، ثم نترك أصحاب رسول الله ﷺ لا نفاضل بينهم" (^٣).
وقد أنكر ابن عبد البر صحة هذا الخبر وقال: إنه غلط لوجهين:
أحدهما: أَنه حكى عن هارون بن إسحاق قال: سمعت يحيى بن معين يقول: "من قال: أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، وعرف لعلى سابقته وفضله فهو صاحب سنة، ومن قال: أبو بكر وعمر وعلى وعثمان وعرف لعثمان سابقته وفضله فهو صاحب سنة". فذكرت له هؤلاء الذين يقولون: أبو بكر بكر وعمر وعثمان ويسكتون فتكلم فيهم بكلام غليظ (^٤).
_________________
(١) خ: (٣/ ١٢) (٦٢) كتاب فضائل الصحابة (٤) باب فضل أبى بكر عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي يعلى، عن محمد بن الحنفية قال: قلت لأبى … الحديث رقم (٣٦٧١).
(٢) الاستيعاب: (٣/ ٥٢) قال: "واختلف السلف أيضًا في تفضيل على وأبى بكر".
(٣) خ: (٣/ ١٩) (٦٢) كتاب فضائل الصحابة (٧) باب مناقب عثمان بن عفان - رضى الله تعالى عنه -. من طريق عبد العزيز بن سلمة الماجشون، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - رضى عنهما - قال: كنا في زمن رسول الله ﷺ لا تعدل بأبى بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبي ﷺ لا تفاضل بينهم. رقم: (٣٦٩٧)
(٤) الاستيعاب (٣/ ٥١ - ٥٢) =
[ ٤١ ]
وهذا عجيب؛ لأن ابن معين إنما أنكر على رأى قوم لا على نقلهم. وهؤلاء القوم العثمانية المغلون في عثمان وذم على. ومن قال ذلك واقتصر على عثمان فلا شك أَنه مذموم. وليس في الخبر ما يدل على أن عليًّا ليس بخير الناس بعدهم الثاني: أنه خلاف قول أَهل السنة: إن عليًّا أفضل الناس بعد عثمان. هذا لا خلاف فيه، وإنما اختلفوا في تفضيل على وعثمان.
قال: واختلف السلف أيضًا في تفضيل على وأبى بكر. وفى إجماع الجماعة التي ذكرنا دليل على أن حديث ابن عمر وهم وغلط اهـ (^١).
وهذا أعجب من الأول؛ فإن الحديث صحيح أورده الأئمة البخاري فمن دونه في كتبهم الصحاح. والحامل له على ذلك اعتقاده أن حديث ابن عمر يقتضى أن عليًّا ليس بأفضل الناس بعد عثمان، وليس كذلك، بل هو مسكوت عنه.
(الثلاثون): كان لها يومان وليلتان في الْقَسْم دونهن، لما وهبتها سودة يومها وليلتها.
(الحادية والثلاثون): أَنها كانت تغضب فيترضاها ولم يثبت ذلك لغيرها.
(الثانية والثلاثون): لم يَرْوِ عن النبي ﷺ امرأة أكثر منها. ونقل الماوردى في الأقضية من الحاوى عن أبي حنيفة: أنه لا ينقل من أحاديث النساء إلا ما روته عائشة وأم سلمة (^٢). وهو غريب.
_________________
(١) = قال ابن عبد البر أيضًا: ومن قال بحديث ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت - يعنى فلا نفاضل، وهو الذي أنكر ابن معين وتكلم بكلام غليظ؛ لأن القائل بذلك قد قال بخلاف ما اجتمع عليه أهل السنة من السلف والخلف من أهل الفقه والأثر أن عليًّا أفضل الناس بعد عثمان ﵁، وهذا مما لم يختلفوا فيه، وإنا اختلفوا في تفضيل على وعثمان. وقال: وفي إجماع الجمع الذي وصفنا دليل على أن حديث ابن عمر وهم وغلط، وأنه لا يصح معناه، وإن كان إسناده صحيحًا.
(٢) المصدر السابق: (٣/ ٥٢).
(٣) قال الماوردى في الحاوى (٢٠/ ١٤٦) كتاب أدب القاضي: =
[ ٤٢ ]
(الثالثة والثلاثون): كان يتبع رضاها كلعبها باللُّعب، ووقوفه في وجهها لتنظر إلى الحبشة يلعبون (^١)، واستنبط العلماءُ ذلك أحكامًا كثيرة، فما أعظم بركتها.
(الرابعة والثلاثون): أَنها أَفضل امرأَة مات عنها رسول الله ﷺ بلا خلاف. واختلفوا في التفضيل بينها وبين خديجة على وجهين: حكاهما المتولى في التَّتِمَّة. وقال الآمدى في أبكار الأفكار: مذهب أهل السنة أن عائشة أفضل نساء العالمين: وقالت الشيعة: "أفضل زوجاته خديجة وأفضل نساءٍ العالمين فاطمة ومريم وآسية" اهـ.
ومنهم من توقف في ذلك وهو ما مال إليه الكِيَا (^٢) الطبري في تعليقه في الأُصول. واحتج من فضَّل خديجة بأنها أول الناس إسلامًا، كما نقل الثعلبى الإجماع عليه، وبأن لها تأثيرًا في أول الإسلام، وكانت تسلى رسول الله ﷺ وتبذل دونه مالها، فأدركت غُرَّة الإسلام، واحتملت الأذى في الله ورسوله، وكانت نصرتها للرسول في أعظم أوقات الحاجة، فلها من ذلك ما ليس لغيرها.
_________________
(١) = وامنتع أبو حنيفة من قبول أخبار النساء في الدِّين إلا أخبار عائشة وأم سلمة". قال الماوردى: "وهذا فاسد من وجهين": "أحدهما: لو كان نقص الأنوثة مانعًا لَعَمَّ. "والثانى: أن قبول قولهن في الفتيا يوجب قبوله في الأخبار، لأن الفتيا يوجد قبوله؛ لأن الفتيا أغلظ شروطًا".
(٢) مما هو متفق عليه:
(٣) حديث عائشة ﵂ قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لى صواحب يلعبن معى، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يَتَقَمَّعْنَ منه، فيسربهن إلى فيلعبن معى. خ: (٧٨) كتاب الأدب (٨١) باب الانبساط إلى الناس. م (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١٣) باب في فضل عائشة - رضى الله تعالى عنها -.
(٤) حديث عائشة قالت: وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدَّرَق والحراب، فإما سألت النبي ﷺ، وإما قال: تشتهين تنظرين فقلت: نعم، فأقامنى وراءه خدى على خده وهو يقول: دونكم يا بنى أَرْفِدَه، حتى إذا مَلِلْت قال: حسبك؟ قلت: نعم. قال: فاذهبي. خ: [(٣/ ٣٠٢) (١٣) كتاب العيدين (٢) باب الحراب والدَّرَق يوم العيد رقم (٩٥٠)] م: (الموضع السابق).
(٥) "الكيا" ليست في المطبوعة، وأثبتناها من الأصل.
[ ٤٣ ]
قال أبو بكر بن داود: "ولأن عائشة أقرأها رسول الله ﷺ السلام من جبريل (^١)، وخديجة أقرأها جبريل السلام من ربها على لسان محمد فهي أفضل" (^٢).
واحتجَّ من فضل عائشة بأن تأثيرها في آخر الإسلام، فلها من التفقه في الدين وتبليغه إلى الأمة وانتفاع بنيها بما أدت إليهم من العلم ما ليس لغيرها".
قال السهيلى: "وأَصح ما روى في فضلها على النساءِ حديث "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" - كما أخرجه الشيخان من حديث أنس (^٣) قال: "وأراد بالثريد اللحم". كذلك رواه مَعْمر في جامعه مُفَسَّرًا عن قتادة - وأَبان يرفعه - فقال فيه: "كفضل الثريد باللحم" (^٤).
_________________
(١) حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: يا عائش، هذا جبريل يقرأ عليك السلام، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى - تريد النبي ﷺ. خ: (٥٩) كتاب بدء الخلق (٦) باب ذكر الملائكة. م: (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١٣) باب في فضل عائشة - رضى الله تعالى عنها -.
(٢) حديث أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها¬ السلام من ربها ومنى، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب. خ: (٦٣) كتاب مناقب الأنصار (٢٠) باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها. م: (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١٢) باب فضائل خديجة أم المؤمنين - رضى الله تعالى عنها -.
(٣) حديث أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله - يقول: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام. خ: (٦٢) كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ (٣٠) باب فضل عائشة ﵂. م: (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١٣) باب في فضل عائشة رضى الله تعالى عنها. وجاء ذلك من حديث أبي موسى - رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول - -: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. خ: (٦٠) كتاب الأنبياء (٣٢) باب قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾. م (٤٤) كتاب فضائل الصحابة (١٢) باب فضائل خديجة أم المؤمنين - رضى الله تعالى عنها -.
(٤) مصنف عبد الرزاق (١٠/ ٤٢٣) كتاب الجامع - باب الثريد. =
[ ٤٤ ]
ووجه التفضيل من هذا الحديث أنه قال في حديث آخر: "سيد أُدُم الدنيا والآخرة اللحم" (^١) مع أن الثريد إذا أُطلق لفظه فهو ثريد اللحم، أَنشد سيبويه:
إذا ما الخبز تَأْدِمُه بلحمٍ … فذاك أمانة الله الثريد
قال: "ولولا قوله في خديجة: "والله ما أَبدلنى الله خيرا منها" (^٢) لقلنا بتفضيلها على خديجة وعلى نساء العالمين اهـ. وهذا الحديث الذي أشار إليه أخرجه ابن ماجه في سننه: حدثنا العباس بن الوليد الخلال الدمشقى ثنا الحسن بن صالح، حدثني سليمان بن عطاء الجزرى، حدثني مسلمة الجهنى، عن عمه أَبِي مَشْجَعَة، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "سيد طعام أهل الدنيا
_________________
(١) = عن معمر عن قتادة وأبان قالا: قال رسول الله ﷺ: مثل عائشة في النساء مثل الثريد واللحم في الطعام. رقم: (١٩٥٧٢)
(٢) المعجم الأوسط للطبراني (٨/ ٢٣٢ - ٢٣٣) من طريق سعيد بن عتبة القطان، عن أبي عبيدة الحداد، عن أبي هلال عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: سيد الإدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الله بن بريدة إلا أبو هلال، ولا رواه عن أبي هلال إلا أبو عبيدة الحداد، تفرد به سعيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٥) (كتاب الأطعمة - باب سيد الإدام والشراب: فيه سعيد بن عتبة القطان لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر.
(٣) حم: (٦/ ١١٧ - ١١٨) مسند عائشة ﵂. عن علي بن إسحاق، عن عبد الله، عن مجالد، عن الشعبى، عن مسروق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها، فأحسن الثناء، قالت: فغرت يوما، فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق، قد أبدلك الله ﷿ خيرًا منها. قال: ما أبدلنى الله ﷿ خيرًا منها قد آمنت إذ كفر بى الناس، وصدقتنى إذ كذبنى الناس، وواستنى بمالها إذ حرمنى الناس، ورزقنى الله ﷿ ولدها إذ حرمنى أولاد النساء. قال الهيثمى في المجمع (٩/ ٢٢٤) كتاب المناقب - باب فضل خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله ﷺ. قال: إسناده حسن.
[ ٤٥ ]
وأهل الجنة اللحم" (^١) وقال ابن الجوزى في مشكله: "العرب تفضل الثريد؛ لأنه أسهل في تناوله، ولأنه يأخذ جوهر المرَق" ا هـ (^٢). فلم يُقَفْ على هذا المعنى الحسن. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في طبقاته: "روينا عن الإمام أبي الطيب سهل الصعلوكى أنه قال في قول النبي ﷺ: "فضل عائشة على النساءِ كفضل الثريد على سائر الطعام": أراد فضل ثريد عمرو (^٣) الْعُلى الذي عظم نفعه وقدره، وعم خيره وبرُّه، وبقى له ولعقبه ذكر حتى قال فيه القائل:
عمرو الْعُلَى هَشَمَ الثَريد لقومه … ورجال مكة مُسْنِتُون عِجَافُ
ثم قال ابن الصلاح: "أبعد سهلٌ في تأويل الحديث والذي أراه: أَن معناه ثريد كل طعام على باقى ذلك الطعام. وسائر بمعنى باقى … وهو كذلك، فإن خير اللحم قد حصل فيه فهو أفضل منه" اهـ (^٤).
_________________
(١) جه (٢/ ١٠٩٩) (٢٩) كتاب الأطعمة (٢٧) باب اللحم. من طريق سليمان بن عطاء الجزرى، عن مسلمة بن عبد الله الجهنى عن عمه أبى مَشْجَعَة، عن أبى الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم. قال البوصيرى في مصباح الزجاجة (٣/ ٨١): ذكره ابن الجوزى في الموضوعات، وقال ابن حبان: سليمان بن عطاء يروى عن مسلمة أشياء موضوعة. قال: ولا أدرى التخليظ منه أو مسلمة. وقال في الزوائد: في إسناده أبو مشجعة وابن أخيه مسلمة بن عبد الله: لم أر من جرحهما ولا من وثقهما، وسليمان بن عطاء ضعيف. قال السندى: قلت: قال الترمذى: وقد اتهم بالوضع.
(٢) كشف المشكل (١/ ٤١٤ - ٤١٥) رقم (٣٨٨).
(٣) هو هاشم الأب الثالث لرسول الله ﷺ، قالوا: وهو أول من فعل ذلك.
(٤) طبقات الفقهاء الشافعية لابن الصلاح - تهذيب النووى (١/ ٤٨٢ - ٤٨٣). والبيت لابن الزِّبَعْرَى، ونسبه ابن دريد في الاشتقاق إلى مطرود الخزاعى. وقال السبكى معقبًا على كلام المصنف: إذا كان يريد عمرو العُلى في ذلك الزمان هو المشهور فما أبعد سهل، بل ما قاله هو الصواب والألف واللام في الثريد تنصرف إلى المعهود، والمعهود عندهم المشهور لديهم ثريد عمرو العلى. ثم أنت ترى البيت كيف أورده ابن الصلاح: "ورجال مكة مسنتون عجاف". =
[ ٤٦ ]
وسئل ابن الحاجب في أَماليه عن قوله ﷺ: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران وآسية، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" هل الألف واللام لاستغراق الجنس أولا؟ فأجاب "بأن النساء في الأول لمن عدا عائشة. وفى الثاني لمن عدا مريم وآسية" فلا دلالة فيها على تفضيل أحد القبيلين على الآخر، كقولك زيد أفضل القوم وعمرو أفضل القوم: فيه دليل على أنهما أفضل القوم، ولا تفضيل لمجرد ذلك لأحدهما على الآخر.