هذا هو أول مقاييس النقد، وأهمها في تثبيت صحة الأحاديث، إلا أن هذا المقياس ناقشه العلماء مِن المتقدمين والمتأخرين، وهو مستند على عمل النبي ﷺ وتطبيق بعض الصحابة الكبار، والأحاديث المروية في هذا المجال عندَ بعضهم. وقد اعترض بعضهم بأن هذه الروايات ضعيفة جدًّا، إذ الحديث الصحيح لا يخالف القرآن، ولهذا لا حاجة لعرض الحديث الصحيح على القرآن عندهم. ولا نريد أن نسرد هذه الروايات والمناقشات هنا، ولكن لا شك أن هذا المنهج استعمله بعض الصحابة والفقهاء وبعض المحدثين على ما رأينا في مصادرنا.
وإذا نظرنا إلى أقوال هؤلاء الصحابة وأفعالهم وجدناهم هم أول من طبق هذا المعيار حق التطبيق، فإنهم - رضوانُ الله عليهم - كانوا يردون الأحاديث حينما يرون أنها معارضة للقرآن الكريم، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا.
[ ٥٢ ]
"وقد تبين بعد استقراء تلك المسائل أن القرآن الكريم كان عندهم المقياسَ الأول، فلم يقبلوا ما خالفه من أحاديث، بل حكموا على رواتها بالوهم والخطأ، وتركوا الأخذ بها والعمل بمقتضاها لمعارضتها لذلك النص القرآني، ويتبين هذا باستعراضِ المسائلِ التي جعلوا فيها معارضةَ الحديث لنص الكتاب كافيةً في رده على صاحبه. وهذا الردُّ ليسَ لحكم رسول الله ﷺ، فالقرآن والسنة الصحيحة لا يُمكن أن يختلفا أو يتناقضا، ولعل الناقل أخطأ أو نسي، أو لم ينقل ما سمعه كله، أو فَهِمَ مِن اللفظ النبوي غير ما أراده ﷺ " (^١).
ونرى في مقدمة هؤلاء الصحابة الذين كانوا يعرضون الروايات على القرآن أم المؤمنين عائشة، وقد استدركت ﵂ على كثير من الصحابة وأشارت إلى أوهامهم وأخطائهم وصححت رواياتهم بهذا المقياس وقد أجادت وأفادت وسنت هذا المنهج الحكيم لمن جاء بعدها إلى يوم الدين.
حتى إننا نراها تذكر رسول الله ﷺ آيةً من القرآن عندما سمعت منه الحديثَ، فكأنها رأت بينهما تعارضًا، فسألت النبي ﷺ حقيقة الأمر كما أخرجه البخاري في العلم باب من سمع شيئًا فراجع فيه حتى تعرفه وأن النبيَّ ﷺ قال: "من حُوسِب عُذِّب" قالت عائشة: فقلت: أوليس يقول الله تعالى:؟ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قالت: فقال: "إنما ذلك العَرْضُ، ولكن مَنْ نُوقِشَ الحِسابَ يَهْلِكُ" (^٢).
"وهذا يدل على ما كان عند عائشة مِن الحرص على تفهم معاني الحديث، ومقابلة السنة بالكتاب والمبادرة إلى السؤال عما لم يظهر لها
_________________
(١) انظر: مقاييس نقد متون السنة للدميني، ص ٦١ (بالاختصار).
(٢) أخرجه البخاري (١٠٣) وأحمد (٢٤٦٠٥) و(٢٤٧٧٢) و(٢٤٢٠٠).
[ ٥٣ ]
وجهه، فهذه ميزة فيها، وممارستها لهذا بين يدي النبيِّ ﷺ وتلقيها التوجيه والتصحيح منه، يُعطيها القوةَ العلمية، ويُربي فيها الملكة الفكرية" (^١).
وقد جمع الزركشي عِدةَ أمثلة في كتابه هذا لِعرض أم المؤمنين في روايات سمعتها مِن الصحابة والتابعين على القرآن. على ما سيرى القُرَّاءُ الكِرام أنها قد أصابت في أكثر انتقاداتها كُلَّ الإصابة.
غير أن هناك بعض الأمثلة الأخرى مِن استدراكاتها على الصحابة قد اعترض عليها بعضُ العلماء بأنها هي وهمت فيها، ولم تصب في العرض على القرآن.
خذ مثلًا ما أخرجه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: اطلع النبي ﷺ على أهلِ القَلِيب، فقال: "وجدتم ما وَعَد ربكم حقًّا؟ " فقيل له: أتدعو أمواتًا؟ فقال: "ما أنتم بأسمعَ منهم ولكن لا يُجيبون" (^٢).
وأخرج البخاري بعدها عن عائشة ﵂ قالت: إنما قال النبي ﷺ: "إنهم ليعلمون الآن أنَّ ما كنت أقول لهم حق. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] (^٣).
وقد خالفها الجمهورُ في ذلك، وقبلوا حديثَ ابن عمر لموافقة من رواه غيره عليه (^٤). فقد بَيَّنَ العلماءُ أنها غيرُ مصيبة في استدراكها على من
_________________
(١) منهج نقد المتن للإدلبي، ص ١٠٨ - ١٠٩.
(٢) أخرجه البخاري (١٣٧٠) و(٤٠٢٦).
(٣) أخرجه البخاري (١٣٧١) و(٣٩٧٩ - ٣٩٨١).
(٤) فتح الباري لابن حجر ٣/ (١٣٧٠)، وانظر أيضًا: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، ص ١٠١ - ١٠٤.
[ ٥٤ ]
روى حديث "ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم" في قصة القَلِيب التي رواها الشيخان وغيرهما. وإنكارها لسماع الموتى هو من جنس إنكارها لغيره من الأمور التي لم يتقدم لها به علم، وهي مجتهدة وقد تُصيب، وقد تخطئ ﵂ (^١).
فكما تلحظ فإن جملة (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق) غير ثابتة من رواية الصحابة الذين شهدوا الواقعة، وسمعوا من لفظ النبي ﷺ مباشرة، إنما هو من رواية عائشة، والظاهر أنه من اجتهادها في فهم ما قاله النبيُّ ﷺ ولهذا احتجت بالقرآن، ولم تذكر أنها سمعت مِن النبي ﷺ مباشرة، وظنت أن الصحابي الذي روى الحديثَ قد أخطأ في سماع الحديث فاستدركت عليه، وفاتها أن الحديث رواه أيضًا أبو طلحة وعُمر وابنُ مسعود وعبدُ الله بن سيدان، وكلهم ممن شهد الواقعة" (^٢).
وقد اعترض السهيليُّ على استدراك عائشة وعرضها هذا الحديث على القُرآنِ مِن وجوه وقال:
١ - "عائشة لم تحضر، وغيرها ممن حضر أحفظُ لِلفظ النبي ﷺ.
٢ - إذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جازَ أن يكونوا سامعين.
٣ - إن الله تعالى جعل الكفارَ أمواتًا وصُمًّا على جهة التشبيه بالأموات وبالصم في هذه الآية، فلا تعلق لها في الآية" (^٣).
_________________
(١) سماع الميت في ضوء الكتاب والسنة، للدكتور ياسر أحمد الشمالي، مجلة دراسات علوم الشريعة والقانون، المجلد: ٢٤، العدد: ٢، سنة،١٩٩٧، ص ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٢) جمع المفترق من الحديث النبوي، للمؤلف السابق، ص ٩١، دار الفرقان، عمان - ١٩٩٩.
(٣) الروض الأنف، للسهيلي ٥/ ١٧٤ - ١٧٦.
[ ٥٥ ]
وقال الحافظ ابن حجر: "ومن الغريب أن في المغازي لابنِ إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل هذا الحديث وفيه "ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم" أخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رَجَعَتْ عن الإنكارِ، لِما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة" (^١).
قلت: والذي عند أحمد: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة عن إبراهيم عن عائشة، ولفظها: فقال: "ما أنتم بأفهم لقولي منهم، أو لَهُمْ أفهمُ لقولي منكم"، وإسناده ضعيف لانقطاعه (^٢).
وأما رواية ابن إسحاق فلفظها:. . . فقال لهم: "لقد علموا أن ما وعدهم رَبُّهم حقٌّ". قالت عائشة: "والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلتُ لهم" وإنما قال رسول الله ﷺ: "لقد عَلِموا" (^٣). ونقلها عنه الإمام أحمد في مسنده بهذا اللفظ (^٤).
وقال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرةِ الرواية، والغوصِ على غوامض العلم ما لا مزيدَ عليه، لكن لا سبيلَ إلى رد رواية الثقة إلا بنصٍّ مثلهِ يدل على نسخه أو تَخصيصه أو استحالته، فكيف والجمعُ بين الذي أنكرتْه وأثبتَه غيرُها ممكن" (^٥).
وهناك أمثلة أخرى اعترض بعضُ العلماء على عائشة رغم أنها قد أصابت في استدراكها على ما رأينا.
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر ٧/ (٣٩٧٩ - ٣٩٨١) بالاختصار.
(٢) المسند (٢٥٣٧٢).
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٦٣٨ - ٦٣٩.
(٤) المسند، (٢٦٣٦١) إسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق.
(٥) نقله ابن حجر في الفتح ٧/ (١٣٩٢ - ٣٨١).
[ ٥٦ ]
ومثال لهذا اعتراض ابن خزيمة عليها في إنكارها على رواية ابن عباس في الرؤية وتابعه النووي وقال: "إن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "لم أرَ ربي" وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] ولقول الله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣].
ثم إن ابن عباس أثبت شيئًا نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافي، فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله ﷺ رأى ربَّه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره. ثم أن عائشة ﵂ لم تنفِ الرؤية بحديث عن رسول الله ﷺ ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات (^١).
قال الزركشي في الإجابة: ونقل عن ابن خزيمة أنه قال في كتاب التوحيد له: "إنه خاطب عائشة على قدر عقلها ثم أخذ يحاول تخطئتها، وليس كما قال، فقد جاء عن غيرها ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ منهم ابن مسعود. وقد بسط الزركشي الكلام في هذا الموضوع ونقل المناقشات فيه كما سيرى القارئ الكريم (^٢).
والمثال الثاني لهذا إنكار ابن الجوزي على عائشة في رَدِّها على رواية أبي هُريرة: "الشؤمُ في ثلاثةٍ: في الدارِ والمرأةِ والفَرَسِ". فقالت عائشة: لم يحفظ أبو هريرة، إنه دخلَ ورسولُ الله ﷺ يقول: "قاتل الله
_________________
(١) شرح مسلم للنووي ٣/ ٥ - ٦.
(٢) انظر: استدراكها على ابن عباس (الحديث الثالث) من الإجابة. انظر أيضًا: فتح الباري لابن حجر ٨/ (٤٨٥٥).
[ ٥٧ ]
اليهودَ، يقولون: الشؤم في ثلاثة: في الدار والمرأة والفرس"، فَسَمِعَ آخرَ الحديثِ ولم يسمع أوله.
وفي رواية عن أبي هريرة يُحدث أن نبي الله ﷺ يقول: "إنما الطِّيَرَةُ في المرأة والدابة والدار". فطارت شِقَّة منها في السماء وشِقَّةٌ منها في الأرضِ، وقالت: والذي أنزلَ القرآن على أبي القاسم ما هكذا يقول، ولكن كان نبي الله ﷺ يقول: كان أهلُ الجاهلية يقولون: الطِّيَرَةُ في المرأةِ والدابَّةِ والدارِ، ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. فأنكر ابن الجوزي في "المشكل" على عائشة هذا الرد وقال: "الخبر رواه جماعة ثقات فلا يعتمد على ردها" (^١).
وقال معمرُ بنُ راشد: "سمعتُ مَنْ يفسر هذا الحديثَ يقولُ: شؤمُ المرأة: إذا كانت غيرَ ولود، وشؤم الفَرَسِ: إذا لم يغز عليه في سبيل الله، وشؤمُ الدارِ: جارُ السوء" (^٢).
وقد ذهب الخطابيُّ إلى جهة التأويل وقال: "لما كان الإنسان في غالب أحواله لا يستغني عن دار يسكنها، وزوجة يُعاشرها، وفرس يرتبطه، وكان لا يخلو مِن عارض مكروه، أضيفَ اليُمن والشؤم إلى هذه الأشياء إضافةَ محل وظرف، وإن كانا صادرين عن قضاء الله" (^٣).
وقال ابن حجر بعدما ذكر استدراك عائشة: "ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا مِن الصحابة له في ذلك، وقد تأوله
_________________
(١) انظر: استدراكها على أبي هريرة، (الحديث الثاني) من الإجابة.
(٢) الجامع لمعمر بن راشد، ١٠/ (١٩٥٢٨) ضمن مصنف عبد الرزاق.
(٣) هذا ما نقله الزركشي في الإجابة، ووقع تأويله بألفاظ قريبة منه في معالم السنن للخطابي ٤/ ٢١٨.
[ ٥٨ ]
غيرُها على أن ذلك سيق لبيان اعتقاد الناس في ذلك، لا أنه إخبار عن النبيِّ ﷺ بثبوت ذلك، وسياقُ الأحاديث الصحيحة المتقدِّم ذكرها يُبْعِدُ هذا التأويل (^١).
وقال الزركشي (^٢): قال بعضُ الأئمة: "وروايةُ عائشة في هذا أشبه بالصواب إن شاء الله لموافقتها نهيه ﵊ عن الطِّيَرة نهيًا عامًا، وكراهتها وترغيبه في تركها بقوله: "يدخل الجنة سبعون ألفًا بغيرِ حساب، وهم الذين لا يكتوون لا يَسْتَرْقُونَ ولا يتطيرون وعلى رَبِّهم يتوكلون" (^٣).