أخرج البخاري (^٣) ومسلم (^٤) واللفظ له عن عروةَ بن الزبير قال:
قلت لعائشة زوج النبي ﷺ: "ما أرى على أحد لم يَطُفْ بينَ الصفا والمروةِ شيئًا، وما أُبالي ألا أطَّوَّفَ بينهما" قالت: بئس ما
_________________
(١) وقع في النسخة المطبوعة: عن كيفيته وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب)، وهو حفصة ابنة سيرين كما وجدنا روايتها في مصنف ابن أبي شيبة ٣/ (١٢٩١١) عن عبد الأعلى عن هشام بن حفصة ابنة سيرين في تقصير المرأة من شعرها قالت: إنه يعجبني أن لا تكثر المرأة الشابة، وأما التي قد دلت فإن شاءت أخذت أكثر فإن فعلت فلا تزيد على الربع.
(٢) وقع في النسخة المطبوعة: أربع وهو تحريف أثبتناه من (أ) و(ب) ومصنف ابن أبي شِيبة.
(٣) أخرجه البخاري في الحج باب وجوب الصفا والمروة، وجعل من شعائر الله (١٦٤٣) مطولًا.
(٤) أخرجه مسلم في الحج باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به (٣٠٨١).
[ ٢٤٦ ]
قلتَ يابن أختي، طاف رسولُ الله ﷺ وطاف المسلمون، فكانت سنة، وإنما كان مَنْ أَهَلَّ لمناةَ الطاغية التي بالمشلَّل لا يَطُوفُونَ بينَ الصفا والمروةِ، فلما كان الإسلامُ سألنا النبيَّ ﷺ عن ذلك، فأنزلَ الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] ولو كانت كما تقولُ لكانت: فلا جناح عليه ألَّا يَطَّوَّف بهما".
قال الزهري: فذكرتُ ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فأعجبه ذلك، وقال: "إن هذا للعلم" (^١) ولقد سمعت رجالًا مِن أهل العلمِ: يقولون: إنما كان مَنْ لا يطوف بَيْنَ الصفا والمروة من العرب يقولون: إن طوافنا بَيْنَ هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون (^٢) مِن الأنصار: إنّما أَمِرْنا بالطوافِ بالبيت ولم نُؤمر بينَ الصفا والمروة، فأنزَل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. قال أبو بكر بنُ عبد الرحمن: "فأراها نَزَلَتْ في هؤلاء وهؤلاء ولفظ مسلم: فقالت عائشة: قد سَنَّ رسولُ الله ﷺ الطوافَ بينهما، فليس لأحدٍ أن يترك الطواف بينهما (^٣).
قال بعضُ علماء التفسير: إذا كان الحرجُ في الفعل، قيل: لا جناحَ أن تفعل، وإن كان في الترك، قيل: لا جناح ألَّا تفعل. والحرج هنا كان في الفعل لإرادة مخالفةِ المشركين فيما كانوا يفعلونه من التطواف بهما (^٤) لإساف ونائلةَ فاستدل ابن الزبير على عدمِ الوجوبِ بأن الحرجَ كان في الفعل، لا في
_________________
(١) هكذا في (أ) و(ب)، وعند الصحيحين: إن هذا العلمُ.
(٢) كذا في (أ) و(ب) وفي رواية مسلم: الآخرون.
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: فيهما وهو تحريف في (أ) و(ب) والبخاري: بينهما وعند مسلم بهما (٣٠٨٢).
(٤) في (ب): الطواف بينهما، وليس فيه "لإساف ونائلة".
[ ٢٤٧ ]
الترك، فقالت له عائشة ﵂: "لو كان الحرجُ في الترك وأرِيْدَ نفيه كان: لا جناح ألا يَطَّوَّفَ، لكن الحرج كان في الفعل فقيل: (لا جناح أن يَطَّوَّف) واستفيد الوجوب من (ابدؤوا بما بدأ الله به) (^١) ونحوه من الأدلة عَلَى الوجوب.
وقيل إن ابن الزبير أخذَ بظاهر الاستعمال، وإن السعي غيرُ واجب، ودققتْ عائشةُ النظر بأن نفيَ الجُناح يشمل الواجبَ والمباحَ والمندوبَ والمكروهَ، فلا يُستدل به على أحدها بعينه، بل ذلك لو قال: (ألا يطَّوَّف) فيكونُ فيه نفي الجناح عن تركه، فيختص بالحرام.