نقل أهلُ التفسير في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٥/ (٢٧٧٣١) قال حدثنا ابن فضيل عن أبي نصر ويحيى الجابر عن سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: يا أبا عباس، أرأيت رجلًا قتل مؤمنًا متعمدًا ما جزاؤه؟ قال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣] قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ فقال: وأنى له التوبة ثكلتك أمك، إنه يجيء يوم القيامة آخذًا برأسه تشخب أوداجه حتى يقف به عند العرش فيقول يا رب سل هذا فيما قتلني. قال النووي في شرحه على صحيح مسلم ٨٢/ ١٧: مذهب أهل العلم إجماعهم على صحة توبة القاتل عمدًا ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس، وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة لا أنه يعتقد بطلان توبته.
(٢) أخرجه الترمذي في الزكاة باب ما جاء في نفقة المرأة من بيت زوجها (٦٧٠) وقال: حديث حسن، وابن ماجه في التجارات باب ما للمرأة من مال زوجها (٢٢٩٥).
(٣) وقع في النسخة المطبوعة سلمة، وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب) والترمذي وابن ماجه.
(٤) جاء في مسودة المؤلف "استدراكها على مروان بن الحكم" ويبدو أنه ليس من الزركشي، إنما ألحقه هنا الرملي كما قاله بعد الرواية، فرأينا إثباتها في فرأينا إثباتها في المكان الذي وردت في مسودة المؤلف، ولا يوجد هذا الاستدراك في (ب). ولنا بعض الزيادات عليها استدركناها من مصدر الرواية.
[ ٢٣٢ ]
[الأحقاف: ١٧] أن معاوية كتب إلى مروان بأن يُبايع الناسَ لِيزيد، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: "لقد جئتم بها هِرقلية، أتُبايعون لأبنائكم" فقال مروان: يا أيُّها الناسُ هذا الذي قال الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧] فَسَمِعَتْ عائشة، فَغَضَبَتْ وقالت: "والله ما هو به، ولو شئتُ أن أُسميَه لسميتُه، ولكن الله لَعَنَ أباك وأنتَ في صُلبه، فأنت قَضَضٌ مِن لعنة الله". لفظ رواية النسائي (^١)، ورواه الحاكم (^٢) وابنُ أبي خيثمة، وابن مردويه من رواية محمد بن زياد: قال لما بايع معاوية لابنه، قال مروانُ: "سنةُ أبي بكر وعمر" فقال عبدُ الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقَيْصَر" قال مروان: "هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ (^٣) [الأحقاف: ١٧] فذكر الآية فبلغ ذلك عائشة، فقالت: "كذب والله ما هو به (^٤) ولو شئت أن أُسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسولَ الله ﷺ لعن أبا مروان ومروانُ في صلبه (^٥) إلى آخره".
ولفظ ابن أبي خيثمة: أن معاويةَ كَتَبَ إلى مروان أن يُبايع الناس ليزيد، فقال عبدُ الرحمن: لقد جئتم بها هِرقلية. . إلى آخره.
_________________
(١) أخرجه النسائي في "الكبرى" (١١٤٩١).
(٢) في "المستدرك" ٤/ ٤٨١.
(٣) سقطت هنا جملة فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ استدركناها من النسائي.
(٤) في (أ): فذكره وفي النسخة المطبوعة: فيذكره، وجملة "ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته" أثبتناها من النسائي.
(٥) ودوامه عند النسائي: فمروان فضض من لعنة الله.
[ ٢٣٣ ]
وأصله في البخاري (^١) من رواية يوسفَ بن ماهَك عن عائشة دونَ ما في آخره، وأما الذي أرادته عائشة ولم تُسَمِّه فلم يُوقف له على اسم.
وأنكر الزجاجُ (^٢) نزولها في عبد الرحمن، لأنه أسلم وحَسُنَ إسلامُه، وقال: الصحيحُ أنها نزلت في الكافر العاق وهذا مروي عن الحسن البصريّ وعن قتادة: أنه نعتُ عبد سوءٍ عاقٍّ لوالديه.
وقال الزمخشري في "الكشاف" (^٣): نزولُها في عبد الرحمن باطل: ويشهد له أن المراد بالذي قال: جنس القائلين ذلك أيضًا، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [الأحقاف: ١٨] إلى آخرها، لا يناسِبُ ذلك عبدَ الرحمن، إلا أن المهدوي (^٤) قال: يحتملُ أن يكونَ هو، وذلك قبلَ إسلامه وأن الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ [الأحقاف: ١٨] للقوم الذين أشار إليهم المذكور بقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فلا يمتنِعُ أن يقعَ ذلك له قبل إسلامه. قال شيخنا شيخ الإسلام شهابُ الدين بن حجر (^٥): ولكن نفيَ عائشة أن تكونَ نَزَلَتْ في عبدِ الرحمن وآلِ بيته، أصحُّ إسنادًا، وأولى بالقبول" فإنَّه نقل أيضًا أنها نزلت في أخيه عبد الله.
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير باب ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ إلى قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧] (٤٨٢٧) عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز - استعمله معاوية - فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري.
(٢) في "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج أبي إسحاق إبراهيم السري المتوفى سنة ٣١١ هـ ٤/ ٤٤٣ - ٤٤٤.
(٣) في "الكشاف" ٣/ ٤٤٦ لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي المتوفى سنة ٥٣٨ هـ.
(٤) هو أبو العباس أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي المغربي النحوي اللغوي المفسر المتوفى نحو سنة ٤٤٠ هـ. انظر: "الأعلام" للزركلي ١/ ٨٤ - ٨٥ و"معجم المؤلفين" للكحالة، ٢/ ٢٧.
(٥) في "الفتح" ٨/ (٤٨٢٧).
[ ٢٣٤ ]
وقول عائشة ﵂ "فأنت فضض (^١) من لعنة الله" أي قطعة منها (^٢).