أخرج البخاري (^١) ومسلم (^٢) مِن حديث عبدِ الله بن أبي مُلَيْكة قال:
توفيت ابنةٌ (^٣) لعثمانَ بن عفان بمكة قال (^٤) فجئنا لِنشهدها، وحضرها ابنَ عمر، وابنَ عباس، وإني لجالسٌ بينهما قال جلستُ إلى أحدهما، ثم جاء الآخَرُ، فَجَلَسَ إلى جنبي، فقال عبدُ الله بن عمر لعمرو بن عثمان وهو مواجِهُهُ: ألا تنهى عن البُكاءِ، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ الميتَ لَيُعذَّبُ ببكاءِ أهلهِ عليه" فقال ابن عَبَّاس: "قد كان عُمَرُ يقول بعضَ ذلك" ثم حَدَّث قال: صَدَرْتُ (^٥) مع عمر مِن مكة حتَّى إذا كنا (^٦) بالبيداءِ إذا هو بركبٍ تحتَ ظِلِّ سَمُرةٍ (^٧) فقال: "اذهب فانظُرْ مَنْ هُؤلاءِ الرَّكْبُ" قال: فنظرتُ، فإذا هو صُهَيب قال: فأخبرتُه، فقال: "ادْعُهُ لي" قال: فرجعتُ إلى صهيب فقلتُ: "ارتحِلْ، فالحق أميرَ المؤمنين" قال: فلما أُصيب عُمَرُ جعل (^٨)
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز باب قول النَّبِيِّ ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته (١٢٨٦ - ١٢٨٨).
(٢) أخرجه مسلم في الجنائز باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأُولى (٢١٥٠).
(٣) عند الصحيحين: بنت.
(٤) قال: ليس في (ب) ولا في البخاري وهو في (أ) وفي مسلم.
(٥) وقع في النسخة المطبوعة: حدرت وهو تحريف، أثبتناه من (ب) والصحيحين.
(٦) في (أ): كانا وفي النسخة المطبوعة: كان، خطأ. أثبتناه من (ب) والصحيحين.
(٧) في مسلم و(أ): شجرة، وفي البخاري و(ب): سمرة.
(٨) في (أ) و(ب): وجعل وهو عند الشيخين: دخل.
[ ١٤٣ ]
صُهيب يبكي يقول: وا أخاه وا صاحِباه، فقال عمر: "يا صهيبُ أتبكي عليَّ وقد قال رسولُ الله ﷺ: "إن الميتَ يُعَذَّبُ ببعضِ بُكاءِ أهلهِ عليه". قال ابن عَبَّاس: فلما مات عمر ذكرتُ ذلك لعائشة فقالت: "رحم (^١) الله عمر، والله ما حَدَّثَ رسول الله ﷺ" وقال مسلم: "يرحم الله عمر، لا (^٢) واللهِ ما حدثَ رسولُ الله ﷺ إن الله يُعذِّبُ المؤمن ببكاءِ أحد ولكن قال: "إن الله يزيدُ الكافرَ عذابًا ببكاءِ أهلهِ عليه" قال: وقالت عائشة: حَسْبُكُم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال: وقال ابن عَبَّاس عند ذلك: واللهُ أضحكَ وأبكى (^٣) قال ابن أبي مُليكة: "فوالله ما قال ابن عمر شيئًا".
ووقع في "الوسيط" (^٤) وشرح الوجيز (^٥) للرافعي (^٦): أنها قالت: "وَرَحِمَ الله عمر ما كذب؛ ولكنه أخطأ أو نَسِيَ" وهذا مردود، ولم تَقُلْ ذلك إلا لابنِ عمر على ما سيأتي.
قال النووي في تهذيبه (^٧): "ولا شَكَّ في غلط الغزالي في هذا ولا عذر له
_________________
(١) في (أ) و(ب): رحم وهو عند البخاري: يرحم.
(٢) لا سقط من (ب).
(٣) هذه الجملة الموجودة عند "الصحيحين" سقطت في كل من (أ) و(ب) وسقطت الواو قبل الآية في (أ) و(ب)، وهو عند "الصحيحين" والقرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
(٤) يعني "الوسيط في المذهب" للإمام الغزالي حجة الإسلام، أعجوبة الزمان، زين الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، صاحب التصانيف المتوفى سنة ٥٠٥ هـ. له ترجمة حافلة في "السير" (١٩/ ٢٠٤).
(٥) يعني "فتح العزيز في شرح الوجيز" للرافعي. و"الوجيز" للإمام الغزالي أيضًا.
(٦) تقدمت ترجمته في ص ٩٦.
(٧) يقصد بتهذيب النووي كتابه "روضة الطالبين وعمدة المتقين" الذي اختصره من شرح الوجيز للرافعي وهذبه.
[ ١٤٤ ]
ولا تأويل. قلت: بلى له العذرُ في التأويل فقد (^١) أخرج مسلم (^٢) عن ابن أبي مليكة: فذُكر ذلك لعائشة فقالت: أما والله ما تحدثون (^٣) هذا الحديث عن كاذِبَيْن ولا (^٤) مكذَّبين، ولكن السمع يُخطئ (^٥) وفي رواية: وَهَلَ، ذكرها (^٦) أبو منصور البغدادي في كتابه (^٧).
_________________
(١) فقد أثبتناه من (ب).
(٢) أخرجه مسلم في الجنائز باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأُولى (٢١٤٩) ولفظها: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبَين ولا مكذَّبَيْن، ولكن السمع يخطئ.
(٣) وقع في النسخة المطبوعة: عرفوني وهو تحريف، أثبتناه من (ب) ومسلم.
(٤) ولا سقطت من (أ)، أثبتناه من (ب) ومسلم.
(٥) قال ابن حجر في "تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير" ٢/ ٨٠٦): وهذا اللفظ الذي أورده (يعني الرافعي في شرح الوجيز) إنما قالته عائشة في الرد على ابن عمر. وأما الرد على عمر فقالت: يرحم الله عمر والله ما حدَّث رسول الله ﷺ إن الله يعذب المؤمنين ببكاء أحد ولكن قال: إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه. وقد أنكر النووي على الرافعي ما أورده وقال: إنه تبع فيه الغزالي وهو غلط. وقد روى عبد المحسن البغدادي من طريق حبيب بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة بلغها أن ابن عمر يحدث عن أبيه أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقالت: يرحم الله عمر وابن عمر، والله ما هما بكاذبَيْن ولكنهما وهما.
(٦) وقع في النسخة المطبوعة: وهل ذكره أبو منصور البغدادي في كتابه؟ وهو تحريف طريف أثبتناه من كل من (أ) و(ب).
(٧) لفظة وَهَل قال ابن الأثير في "النهاية" ٤/ ٢٣٣ وهل إلى الشيء، بالفتح يهِل، بالكسر، وهْلًا بالسكون: إذا ذهب وهمه إليه، ومنه حديث عائشة، وَهَلَ ابن عمر أي ذهب وهمه إلى ذلك. ويجوز أن يكون بمعنى سَهَا وغلط. قد وردت في رواية مسلم في الجنائز (٢١٥٤) عن هشام بن أبيه قال: ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النَّبِيّ ﷺ: إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله، [عليه] فقالت: وَهِل إنما قال رسول الله ﷺ: إنه ليُعذَّب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن. وأخرجه أحمد في "المسند" (٢٤٣٠٢) عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قيل لها: أن ابن عمر يرفع إلى النَّبِيّ ﷺ: إن الميت يعذب ببكاء الحي قالت: وَهَلَ أبو عبد الرحمن إنما قال: إن أهل الميت يبكون عليه وإنه ليعذب بجرمه.
[ ١٤٥ ]