إنكارها عليه بطلان الصومِ بالجنابة: أخرج مسلم (^٣) عن ابن جريج، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبد الرحمن (^٤) قال:
سمعت أبا هريرة يَقُصُّ [و] يقول في قصصه: "من أدركه الفجرُ جنبًا، فلا يَصُمْ" (^٥) قال فذكرتُ ذلك لعبدِ الرحمن بن الحارث، فذكره لأبيه (^٦)، فأنكر ذلك، فانطلق عبدُ الرحمن وانطلقتُ معه حتَّى دخلنا على عائشةَ وأُمِّ سلمة، فسألهما (^٧) عبدُ الرحمن عن ذلك، فقال: فكلتاهما (^٨) قالت: "كان النَّبِيُّ ﷺ يُصبح جنبًا مِن غير
_________________
(١) هو الإمام العلامة، أقضى القضاة، أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري المَاوَرْدِيُّ الشافعي المتوفى سنة ٤٥٠ هـ صاحب التصانيف. انظر لترجمته في "السير" (١٨/ ٢٩).
(٢) "الحاوي" ١/ ٢٢٥ قال المَاوَرْدِيُّ قبل هذه الجملة: فأنكرت عائشة وجوب حله ويحتمل.
(٣) أخرجه مسلم في الصيام باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (٢٥٨٩)، انظر أيضًا ما أخرجه أحمد في "المسند" برقم (٢٥٥٠١).
(٤) "عن أبي بكر بن عبد الرحمن" سقط من (ب) سهوًا.
(٥) في مسلم: فلا يصوم.
(٦) "فذكره" لا يوجد في مسلم.
(٧) وقع في (أ) و(ب) والنسخة المطبوعة: فسألها، خطأ، استدركناه من مسلم.
(٨) وقع في (أ) والنسخة المطبوعة: فكلمناها وهو تحريف، وسقطت هذه الكلمة من (ب)، أثبتناه من مسلم.
[ ٢٠٣ ]
حُلْمٍ (^١) ثم يصومُ" فانطلقنا حتَّى دخلنا على مروانَ، فذكر ذلك له عبدُ الرحمن، فقال مروانُ: "عزمتُ عليك إلا ما ذهبتَ إلى أبي هُريرة فرددتَ عليه ما يقولُ" قال: فجئنا أبا هريرةَ وأبو بكر حاضرٌ ذلك كُلّه، فذكر له عبدُ الرحمن، فقال أبو هريرة: "أهُما قالتاه لك؟ " قال: "نَعَمْ" قال: "هُما أعلمُ" ثم رَدَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس، قال أبو هريرة: "سمعتُ ذلك من الفضل، ولم أسمعه (^٢) من النَّبِيّ ﷺ قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقولُ من ذلك؟ (^٣)
قال البزار في "مسنده" (^٤): "ولا نعلم روى أبو هُريرة عن الفضل بن العباس إلا هذا الحديثَ الواحد" اهـ. وفي لفظ: فقال أبو هريرة: "لا عِلْمَ لي بذلك، إنما أخبرني مُخْبِرٌ".
قال البيهقي (^٥): ورواه البخاري (^٦) مُدرجًا في روايته عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، إلا أنه قال في حديثه: "فقال: كذلك حَدَّثَنِي الفضلُ بنُ عباس وهو أعلمُ".
_________________
(١) وقع في النسخة المطبوعة: من غير طهر وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب) ومسلم.
(٢) وقع في النسخة المطبوعة ولم أسمع، خطأ، أثبتناه من (أ) و(ب) ومسلم.
(٣) في مسلم: من ذلك الحديث.
(٤) في البحر الزخار (٦/ ٢١٦٦). انظر أيضًا: "جامع المسانيد" لابن كثير ١٠/ (٧٧٩٨ - ٧٧٩٩) و"الحاوي الكبير" للماوردي ٣/ ٤١٥.
(٥) في "السنن" ٤/ ٢١٤.
(٦) أخرجه البخاري في الصوم باب الصائم يصبح جنبًا (١٩٢٥ - ١٩٢٦).
[ ٢٠٤ ]
وروي أنه قال: "أخبرني بذلك أُسامةُ بنُ زيد" أخرجه النسائي في "سننه" (^١) وقد صح رجوعه عن ذلك صريحًا كما سبق.
وأخرج البيهقي في "سننه" (^٢) عن ابن أبي عَروبة عن قتادة عن ابن المسيّب: "أن أبا هريرة رجع عن قوله قبلَ موته" وروى مثله (^٣) عن عطاء، ثم قال:
قال ابن المنذر (^٤): أحسنُ ما سمعتُ في هذا أن يكونَ ذلك محمولًا على النسخ، وذلك أن الجماعَ كان في أول الإسلام محرمًا على الصائمِ في الليل بعدَ النوم، كالطعام والشراب، فلما أباح الله الجماعَ إلى طلوعِ الفجر، جاز للجنب إذا أصبح قبلَ أن يغتسل، أن يصومَ ذلك اليومِ لارتفاعِ الحَظْرِ، وكان أبو هريرة يُفتي بما سمعه مِن الفضل على الأمر الأول، ولم يعلم بالنسخ، فلما سمع خبر (^٥) عائشة وأم سلمة صار إليه اهـ.
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى برقم (٢٩٣١ - ٢٩٣٢) أن عائشة أخبرته أن النَّبِيّ ﷺ كان يخرج إلى الصبح ورأسه يقطر ماء نكاحًا من غير حلم ثم يصبح صائمًا فذكر ذلك عبد الرحمن لمروان بن الحكم فقال مروان: أقسمت عليك إلا ذهبت إلى أبي هريرة فحدثته هذا قال عبد الرحمن: غفر الله لك إنه لي صديق ولا أحب أن أردّ عليه قوله: وكان أبو هريرة يقول: من احتلم من الليل أو واقع ثم أدركه الصبح واغتسل فلا يصوم قال مروان: عزمت عليك إلا ذهبت فذهب عبد الرحمن فأخبره ذلك قال أبو هريرة: فهي أعلم برسول الله ﷺ منا إنما كان أسامة بن زيد حدثني بذلك.
(٢) "السنن" ٤/ ٢١٥.
(٣) في (ب): سلمة وهو خطأ.
(٤) هو الإمام الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الفقيه، نزيل مكة وصاحب التصانيف كـ "الإشراف في اختلاف العلماء" وكتاب "الإجماع" وكتاب "المبسوط" وغير ذلك، المتوفى سنة ٣١٨ هـ. انظر لترجمته في "السير" (١٤/ ٢٧٥) و"تذكرة الحفاظ" ٣/ ٧٨٢ - ٧٨٣.
(٥) وقع في النسخة المطبوعة: من وهو تحريف، أثبتناه من (أ) و(ب) والبيهقي.
[ ٢٠٥ ]
وجواب ثان: وهو حمله على مَنْ طلع الفجر [عليه] (^١) وهو يُجامع فاستدام.
وجواب ثالث: أنه إرشادٌ إلى الأفضل وهو الاغتسالُ قبلَ الفجر، وتركه ﵇ لذلك في حديثِ عائشة وأُم سلمة، لبيان الجواز.
واعلم أنه وقع خلاف في ذلك للسلف أيضًا، ثم استقر الإجماعُ على صحة صومه، كما نقله ابن المنذر وكذلك المَاوَرْدِيُّ في الاحتلام (^٢)، فعن طاووس (^٣) وعروة (^٤) والنخعي: التفصيل بين أن يَعْلَمَ، فإنه مبطل، وإلا فلا.
وعن الحسن البصري: الفصلُ بينَ صومِ التطوع، فيحرم (^٥) دونَ الفرض، وقيل: يصومُ ويقضيه (^٦) وحُكي عن سالم بن عبد الله (^٧).
وفي "معجم الإمام أبي بكر الإسماعيلي" (^٨): قال سفيان: كان إبراهيم النَّخعي يقول: "من يدرِكُه الصبحُ وهو جنب يُفطِرْ"، قال يحيى بن آدم: ثم
_________________
(١) في (أ) و(ب): من طلع الفجر وهو يجامع.
(٢) أي أن الصائم الذي يحتلم أثناء النهار يصح صومه إجماعًا. وهذه المسألة أوردها الماورد في "الحاوي" في الصوم ٣/ ٤١٤ - ٤١٥.
(٣) أخرج خبره ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٩٥٨٢) من جهة ابنه قال: إن أصابته جنابة في شهر رمضان فإن استيقظ ولم يغتسل حتَّى يصبح فإنه يتم ذلك اليوم ويصوم يوما مكانه فإن لم يستيقظ فليس عليه بدل.
(٤) وقع في (ب): وغيره وهو خطأ بدليل أن عبد الرزاق أخرج خبره في مصنفه (٤/ ٧٤٠٥) من جهة ابنه هشام قال: من أدركه الصبح جنبا وهو متعمد لذلك أبدل الصيام ومن أتاه ذلك على غير محمد فلا يبدله.
(٥) وقع في (أ) والنسخة المطبوعة: محرم، خطأ، أثبتناه من (ب).
(٦) في (ب) ويقضي.
(٧) انظر لتحقيق هذه المسألة: "المغني" لابن قدامة ٤/ ٣٩٠ - ٣٩١.
(٨) هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام أبو بكر، أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيلي الشافعي صاحب "الصحيح" وشيخ الشافعية المتوفى سنة ٣٧١ هـ. انظر لترجمته في "السير" (١٦/ ٢٠٨). والنص في كتاب "المعجم" ١/ ٣٢٤.
[ ٢٠٦ ]
جعل سفيان يتعجَّبُ مِن قول إبراهيم، فقال له حفصُ بن غياث: "لعل إبراهيمَ لم يسمع حديث النَّبِيّ ﷺ: أنه كان يُدركه الصبحُ وهو جنب" يعني (ثم يصوم) قال سفيان: "بل حَدَّثَنَا حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به".